كنوز نت -  د. منعم حدّاد


عنصرية؟ هنا في بلادنا؟

  •  د. منعم حدّاد

ماذا يقول الناس عرباً ويهوداً في أيامنا؟ هل توجد أية مظاهر عنصرية هنا في بلادنا، "بلاد السمن والعسل"؟ بلاد الديموقراطية والمساواة؟
أبداً أبداً!
حاشا وكلا!
فنحن لسنا في جنوب أفريقيا أيام الأبرتهايد ولا في الدول العربية "المتخلفة"!
وماذا إذن عن سموطريتش وبن غفير وسواهما ممن شابههما؟ وماذا عن أفاكرهما ومواقفهما وتصريحاتهما؟
آه، إنها يحملان هموم شعبهما الآنية والمستقبلية... ومن يلومهما في ذلك؟
أليس من حقهما الحرص على مستقبل الشعب والأمة والبرلمان والحكومة وما إلى ذلك؟


وهل بعد ألفي عام من التشرد ونجاح شعب إسرائيل المختار في إقامة دولته الديموقراطية يأتي بعد ذلك العرب ويعيثون فيها فساداً وإفساداً؟
أليس من حق هؤلاء بل من واجبهم أن يذودوا عن حياض وطنهم ويحموه من العرب المتربّصين به؟
 صحيح أن سموطرستش وبن غفير يرفضان الاشتراك في حكومة تشارك فيها القائمة العربية الموحدة أو تؤيدها حتى من الخارج، (أما القائمة المشتركة فلا أحد من اليمين يرضى بها شريكاً لتشكيل الائتلاف)، وسموطريتش وبن غفير يعرقلان تشكيل الائتلاف الحكومي ولا يضمران كرههما للعرب بل ويشهرانه على رؤوس الأشهاد، والحبل على الغارب، وليس من يعاقب أو حتى يندد مجرد تنديد!
وماذا لو قام عربي مثلاً بإطلاق تصريحات عنصرية كتلك التي يطلقانها؟
فهل كانوا سيمرون بها مرور الكرام، أم كانوا سيوجهون له من الاتهامات ما لا أول له ولا آخر حتى يودعونه غياهب السجون؟
أما التصريح بكراهية العرب والعنصرية فمسموح بهما كما يبدو لسموطريتش وبن غفير وأزلامهما فقط!
أما لو صرح أي شخص بأي تصريح ضد أي يهودي في أي مكان في العالم فسيكون مصيره الويل والثبور وعظائم الأمور لأن هذا سيكون لا سامية وعنصرية ووو...


أما هنا فيبدو وكأن كل شيء مسموح ومباح ما دام الضحية عربياً...حتى ولو أدى ذلك إلى عرقلة تشكيل الحكومة، فالعرب أغيار ولا يحق لهم أن يصوتوا لصالح التشكيل بأي شكل من الأشكال.. وكأن حقهم في المشاركة في الانتخابات البرلمانية مجرد ضحك على الذقون، إذ ما حاجتهم للتصويت إن لم يكن لمندوبيهم الحق في المشاركة في الحكم أسوة بالمندوبين اليهود؟
فهل نحن في جنوب أفريقيا أيام الأبرتهايد لا سمح الله؟
ألسنا في واحة الديمقراطية ومهد المساواة وعرينها وحصنها الحصين؟
ولا شكّ في أن من كانت ذاكرته ليست بالسقيمة ما زال يذكر الانتخابات قبل الأخيرة، حيث كان من السهل على غانتس تشكيل حكومة بتأييد القائمة المشتركة (العربية) من الداخل أو من الخارج ولم يتم ذلك لأن غانتس وحلفاءه وسواهم من الطامعين بتشكيل الحكومة يرفضون الاستعانة بالعرب حتى ولو من الخارج!


ومثلهم كان كل من حاول تشكيل الحكومة، وما زال الوضع كما هو على الأغلب...فالعرب هم "الأغيار" ولا يحق لهم ما يحق لشعب الله الخاص والمختار...
وتعود بنا الذاكرة حوالي نصف قرن إلى الوراء، إلى سبعينيات القرن الماضي، حيث كان المطران ريا، مطران الروم الكاثوليك يسعى جهده لإرجاع أهالي إقرث وكفر برعم إلى قريتيهما اللتين هجروا منهما لأيام قليلة فإذا بالأيام تتحول إلى سنين وعقود وما لا نهاية له، والتعهدات والوعود والالتزامات التي قطعها المسؤولون على أنفسهم لهم تتبخر وتذهب أدراج الرياح...



في تلك الأيام كان مئير كهانا، الزعيم العنصري الأول في بلادنا يسرح ويمرح على كيفه وهواه ويصرح علانية وعلى رؤوس الأشهاد ضد العرب ويحرض ضدهم...


وعندما واجهه أحد الصحافيين كما نذكر وأحرجه قال له ما معناه – كما نذكر وعلى وجه التقريب – لماذا تلومونني وتستغربون مواقفي وأقوالي...فأنا لا أشذّ عن القاعدة ولا اختلف عن سواي من السياسيين، والفرق بيننا بسيط جداً ولا يكاد يذكر، فكلنا – ويقصد معاصريه من السياسيين – ننهج نفس النهج ونحمل نفس الأفكار بالنسبة للعرب، والفرق الوحيد بيني وبين هؤلاء السياسيين هو أنني أنا أصرح علانية وعلى رؤوس الأشهاد بما نؤمن به جميعنا وكلنا دون استثناء، بينما يخفي السياسيون الآخرون ذلك ولا يبوحون به ولا يصرحون به!
ويمر نصف قرن من الزمان ولا أحد يريد العرب شركاء في تشكيل الحكومة أو حتى داعمين لها "من الخارج" ويتحقق كلام كهانا إياه، وكأننا ما زلنا أيام زمان ولا رحنا ولا جئنا...