كنوز نت - بقلم : د. منعم حدّاد


الطبّ في بلادنا...!

  • د. منعم حدّاد
والتأم شمل برلمان القرية الوادعة ذات يوم، وكان أبو المفاخر أول المتحدثين في النقاش اليومي، ففتح فاه وقال:
تعتبر بلادنا من أرقى الدول وأكثرها تقدماً وتطوراً في مجالات عدة، أولها وليس أقلها شأنا مجال الطبّ البشري، ولا يعني هذا أنها تقصر عن سواها ولا تسبقهم في باقي المجالات، فحكوماتنا الرشيدة على مر السنين لا تألو جهداً في تطوير إمكانياتها ووضع بلادنا الحبيبة في مقدمة دول العالم المتطور والمتحضر...
لا يا هذا، ابتدره أبو المحاسن محاولاً إسكاته، فلا تبالغ يا رجل، لأن الواقع هو عكس ما ذكرت!
وكيف ذلك؟
هات واسمع:
تفضل وقل:
لقد أحسست قبل أيام بوعكة صحية، فقصدت الطبيب المختص فاستقبلني هشاً باشاً، وبعد فحص دقيق نصحني بالتوجه إلى الفيزيوتيرابا، لأنه العلاج الوحيد الذي من شاأه أن ينقذني مما عانيت منه!
وذهبت طبعاً!
لا، لم أذهب، فقد اتصلت لتحديد دور للعلاج، وكان أقرب موعد بعد ثلاثة أسابيع تقريباً...
فاحتججت وأبلغتهم أن الطبيب كتب أنني بحاجة إلى العلاج بشكل سريع وفوري، لكن هذا أيضاً لم يجد...
وظللت ثلاثة أسابيع أعاني من المرض وانتظر الموعد كما ينتظر العاشق الولهان لقاء الحبيب...
وأزفت الساعة أخيراً، فقصدت تلك العيادة الرائعة...وقام المعالج بفحصي، فإذا به ينظر إلي بدهشة واستغراب ثم يسأل: أمتأكد أنت أنك مريض؟
طبعاً...
لكن لا تبدو عليك أية أعراض...
يبدو أنني شفيت يا هذا، فقد منّ الله علي بالشفاء قبل أن يحين موعدكم...
السبب في التأخير يا سيدي قد يكون ضغط العمل!
ولماذا لا توظفون عداً أكبر من المعالجين يا هذا؟ فهل تخشون أن تنقص أرباحكم؟
صمت الرجل ولم ينبس ببنت شفة!
وتناول الحديث عند ذلك أبو العزائم فقال:
ثلاثة أسابيع فقط؟ أنت محظوظ إذن!
ولماذا يا هذا؟
لأن قريباً لي احتاج لفحص شعاعي، فمنحوه دوراً بعد بضع شهور لا بضعة أسابيع!

أصحيح ما تقول؟
إسأل عن الأدوار لما يسمى بفحص الام آر آي MRI وسوف تتأكد بنفسك!
وهذا لا يمنع بعض المستشفيات من تأجير أجهزتها ليلاً لشركات خاصة...
فن يدفع يستبق الدور...
والطب الخصوصي منتشر في بعض المدن، والذي يريد علاجاً سريعاً لا بد من أن يدفع المال فيحصل فوراً على العلاج!
والفقير الذي ليس بمقدوره أن يدفع؟
ينتظر دوره وينتظر ويدعو الله ألا يأخذه قبل أن يحين دوره...
لكن الطب متوفر للجميع، سواسية كأسان المشط!
متوفر؟ قال أبو الامجاد، قد يكون، ولكن لأناس دون الآخرين!
وكيف ذلك يا ذكي؟
ألم تسمع بال_שר"פ?
لا، وما هذا؟ أدواء أو علاج أو مرض أو وباء!
إنه خدمة طبية خصوصية للأثرياء فقط، فمن يملك المال ويدفع يحصل على العلاج الفوري، والذي لا يملك، ينتظر فرج الله ورحمته!
وهذا في بلادنا؟
طبعاً طبعاً، فالمساواة في القواميس وعلى الورق فقط!
أما عن الأخطاء الطبية والإهمال الطبي فحدّث ولا حرج، قال أبو الحوادث..
هات "نوّرنا" قال أحدهم!
ألم تسمعوا كيف أجروا عملية جراحية لمريض في رجله اليسرى بينما كانت العملية مقررة للرجل اليمنى؟ وكيف استأصلوا لآخر الكلية السليمة وتركوا له تلك المريضة؟ ووو....
أرأيتم أن دولتنا تقف في مقدمة الدول المتطورة طبياً؟