كنوز نت - الطيبة - بقلم : سامي مدني


هيَ ميزاتٌ نَصمُدُ بِها كالجِبالِ فَلَوْ إجْتمعَ الجِنُّ والأنسُ هي باقيةً شامِخَةً ثابة ً.



السلامُ عَلَيكمْ وَرَحمَةُ اللهِ وبركاتهُ!
القَناعَةُ أيها الأَعزاءُ، لَيستْ مُجَردَ مُصطَلَحٍ نَتَغَنَّى بِهِ وَنَدَّعي وَنَخْدَعُ أنْفُسَنا والأخرين، هِيَ كَنْزٌ لا يُفْنَى ولا يَصلُحُ التَمْويهُ بِها لِمآربٍ دِعائِيَّةٍ أَمامَ النَّاسِ لِنُزيِّفَ حَقيقَةَ أمْرِنا، إِنَّما هيَ إِيمانٌ وَعَمَلٌ وإتِّباعٌ لِما أُحِلَّ لَنا وَتَرْكِ مَا حُرِّمَ عَلَيْنا، وبِشَكلٍ مُبَسَّطٍ أَنْ نَكْتَفِي بِالقَليل، أو بِما كَتَبَ اللهُ لَنا دُونَ تَوْقٍ وَتَلَهُفٍ لِلمَزيدِ، وَالمَعنى الصَّحيحِ التَحَكُّمُ بالغَرائِزِ الجَيَّاشَةِ الَّتي تُبْعِدُنا عَنْ الاِكتِفاءِ بِنَصيبِنا وَما يَسِدُّ حاجَتَنا، وَهَذا المَفْهومُ المَقْبُولِ والتَفْسِيرُ الدَّارجِ لِلْجَشَعِ القاتِلِ بِصُورَةٍ أخْرَى.

وَلعَلِّي أَقُولُ لَكُمْ شَيْءً لا خِلافً عَلَيهِ، أَنَّ القَشَّةَ الَّتي قَسَمَتْ ظَهرَ البَعيرِ، هيَ القَناعَةُ أو الاِنْصِياعُ، وإنَّها هيَ الغَريزَةٌ التي أَوْجَدَها الله فِينا وَكانَتْ سَبَبَ ظُهُورِ الحَياةِ عَلىَ الأَرْضِ بَدَلاً عَنْ كَوْنِها فِي السَّماءِ، .... وَاللهُ أعلَمُ !!!
رَكِّزُوا مَعي قَليلاً واَنْتَبِهُوا لِما أكْتُبُ وأسْرِدُ! ... فِي اللَّحْظَةِ الَّتي فِيها خَلَقَ اللّهُ آدَمَ وَحواءَ وأسْكَنَهُما الجَنةَ بَدأ بِتَعليماتِهِ وإرْشاداتِهِ: "وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ"

لَعلَّنا نَفْهَمُ أيُّها الأَعِزاءُ مِمَّا جاءَ بالآيةِ أنَّ اللهَ طَلبَ مِنْ آدَمَ وزَوجَتِهِ حواءَ أن يُقيما في الجَنَّةِ، وَحَتَّى يَستَطيعا الحَياةَ كَانَ لَهُما أَنْ يأكُلا مِمَّا أعْطاهُما رَغَدَاً مِمَّا اِتَّسَعَ وَنَعَمَ وَطابَ لَيَعيشا حَياةً مُرِيحَةً، مُنعَّمَةً، وَمَرفَّهَةً، لَكنَّهُ نَهاهُما عَنْ تِلْكُمَا الشَجَرَةِ ....، "وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ"، فَجاءَ الشَيْطانُ وَلَعِبَ عَلىَ أوْتارِ غَريزَةِ الطَّمَعِ وأغْراهُما وأزاغَ قُلوبَهُما وأبْعَدَهُما عَنْ طَرِيقِ الاِستِقامَةِ، فَنَجَحَ أَنْ يُقْنِعَ أدمَ وَحواءَ غَيْرُ مَا طُلِبَ مِنْهُما، وليْسَ المُهِمُّ هُنا تَفاصِيلَ الحَدَثِ، وَلَكِنَّ الأهَمَّ أنَّهُما لَمْ يَكْتَفِيا وَأرادا أَصلاً أَكْثرَ مِمَّا قَدَّرَ اللّهُ لَهُما، فَبَدَآ بِخَطيئَةٍ وَكانا مِنَ الظَّالِمين لِنَفْسيْهِما أوْلاً ثمَّ لِلْخَلْقِ لاحِقَاً، فَجاءَ اللهُ بِحِكْمَتِهِ؛ "فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ".

هنا يُظهر جَليَاً وَواضِحاً وَبِكُلِّ حَفاوَةٍ وآكْتِراثٍ لِصالِحِ مَنْ التوبةِ! ....لِآدمَ .... ومَنْ تَبِعَهُ مِنَ البَشَرِ الَّذينَ يَتَلَقَّونَ كَلامَ اللهِ، وَلَهُمْ كَتَبَ اللهُ عَلىَ نَفْسهِ الرَّحمَةَ وَالتَّوبَةَ، فَيُسامِحَ مِنْ صَدَقَ وَتَابَ وأصْلَحَ كَتَوْبَةِ أدمَ عَلَيهِ السَّلامُ، الَّذِي أقَرَّ وَعَرِفَ خَطَأَهُ وأعترفَ بِهِ وَلَمْ يَعُدْ يَرتَكِبُ مَا يُخالِفَ أَوامِرَ اللهِ،
ويَقُولُ اللهُ سُبْحانهُ مُنَبِّهً وَمُنْذِرَاً: "وَلَوْ شِئْنَا لَأتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَىٰهَا وَلَٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّى لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ"، أَي أَنَّهُ يُخْبِرُنا سَلَفاً إنَّ ما حَدَثَ مع أدمَ شَيْءٌ خاصً، وأَنَّ الحَياةَ لَنْ تَكونَ كَما هي مأمُولَةً مُنَعَمَّةً خالصَةً للهِ إِنَّما سَيظْهَرُ فِيها المُؤمِنُ والكافِرُ، القَنُوعُ وَالطَّماعُ، المُطيعُ والمُخالِفُ، التائِبُ والجاحِدُ .... وَعَلَيْهِ سَيَكُونُ الصَّالِحُونَ والمُخالِفوُنَ والحِسابُ عَلىَ نَوعَيْهِ، إِمَّا الفَلاحُ والثوابُ أوْ العِقابُ والجزاءُ، وقَدْ حَقَّ القَولُ وبَعَثَ اللهُ الرُّسُلَ، لِقَولهِ تَعالى: "وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍۢ رَّسُولًا أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلَٰلَةُ ۚ فَسِيرُواْ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ".


مِنَ الواضِحِ أَنْ نَفْهَمَ هُنا أنَّ القَرارَ بِيدِ الإِنْسانِ، فَهوَ مُخَيَّرٌ فِي هَذهِ الأَحْوالِ وَاللَّومُ الوَحِيدُ سَيَقَعُ عَلَيهِ بَعْدَ الَّذِي جاءَ منَ الهُدى، لأَنَّ الاِختِيارَ الأَخيرِ وتَقْريرَ المَصِيرِ يَتْبَعُهُ وحْدَهُ، وحَتَّى يَسْتَحِقُ الخَيْرَ وَالمَحَبَّةَ والهِدايةَ وَالفَوْزَ مِنَ اللهُِ، عَلَيهِ أنْ يُؤَدِّيَ الواجِبَ المَطلوبِ والمَفرُوضِ عَلَيْهِ فِي كُلِّ الأَحْوالِ ، والمَقْصُودُ رَضِيَ أم لَمْ يَرْضَ، وشَاءَ أمْ أبَى سَيُعامَلُ عَلىَ أعْمَالِهِ بَعْدَ أَنْ بُشِّرْنا وأُنْذِرنا ....، شَيْءٌ مُقابِلٌ شَيْءً ....

أيها الإخْوَةُ الأَعزاءُ هَذا بِمَفْهُومِ المُصْطَلَحاتِ الَّتي نَتَعامَلُ بها وَنَفْهَمُ، وَعَلَيكُمْ أَنْ تَعُوا إِنَّ اللهَ مُنَزَّهٌ وأكْبَرُ مِنْ هَذهِ الحِساباتِ، وَلا سِيَّما فأنَّنا نَجِدُ في القُرْءآنِ الكَريمِ كَيْفَ ضَحَّى الرَّسُولُ والمُؤمِنُونَ مَعَهُ، حَتىَّ يُبَرْهِنُوا مِنْهُم عَلىَ الإِيمانِ والعملَ فِي سبيلِ اللهِ، فَماذا نَحنُ لَهُ نُقَدِّمُ وَنَعطِي لِنَتَقَرَّبَ إِليْهِ، فَقَالَ الله "أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ"، وقَالَ جَلَّ شأنُهُ: "قُلْ يَٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّى عَامِلٌ ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُۥ عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِ ۗ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ"
إياكُم يا قَومُ، أَنْ تَعتَقِدُوا أنَّ اللهَ غافِلٌ عَمَّا تَعْمَلُون .....، لا واللهِ حَتَّى إنَّهُ أوْسَعَ رَحْمَتَهُ لِتَشْمَلَ حَتَّى مَنْ لا أَمَلٌ لَهُ، فَكَيفَ لا تَعقِلُون!
وَيْحَكُمْ أيُّها النَّاسُ فقدْ قَالَ جَلالَهُ: "وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ".

مِنْ هَذهِ اللَّحظةِ حبَّذا لَوْ نَتَّبِعُ مَوقِفَاً واحداً وَنَعْمَلُ بِجُهْدٍ على أنفسِنا وعلىَ غَيْرِنا، فَالواجِبُ عَلَيْنا أَنْ نَحْمِلَ الرِّسالةَ، لِنَكُونُ مَنْ يَحبُّهُم الرَّسُولُ ونُطِيعُ اللهَ وَنمْنعُ الظُلْمَ والظَّالمين، الَّذين يَطْمَعُون وَيَحْسِدُون مَنْ إختارهُمْ اللّهُ وأنعَمَ عَلَيْهِمْ، فَبِهذا يَتَدخَّلُونَ وَيُخالِفُون مَشيئَةَ اللهِ بِتَقْسيمِ رِزْقَهُ عَلىَ مَنْ يَشاءُ وَكَيفَ يَشاءُ.
أفُيقُوا أيُّها النَّاسُ فأنْتُم مَنْ يَبْحَثُ عَنْ دَمارِكُم وتعاسَتِكُمْ وَدَمارِ غَيْرِكُمْ.

إتْرُكُوا الخَلْقَ للخالِقِ وأعْمَلُوا بِمَا يُرضي اللهُ، فمَنْ رَأَى مِنْكمْ مُنْكرَاً فَلْيُقَوِّمْهُ كَما يَفْهَمُ مِنْ قَوْلِ الرَّسُولِ بِإِذْنِ الله:( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان )

السلَّامُ عليكم وحَماكُمْ اللّهُ، وَاللعْنةُ عَلىَ الظَّالِمين الجاحِدينَ إنْ شاءَ اللهُ!