كنوز نت - بقلم : د. منعم حدّاد


أبو الشبك...!

  • د. منعم حدّاد
ورث "الصنعة" عن آبائه وأجداده كما يقولون، و"الشغل مش عيب!" صحيح أن أترابه وأولاد جيله "دبّروا حالهم" بشكل أفضل: فأحدهم صار "شوفير باص"، وآخر "معاوناً للشوفير"، و"تطوّع" آخرون أو "طُوِّعوا" للخدمة العسكرية وانخرطوا في جيش السلطان، ولا يعرف احد "أين أراضيهم"، وهل ما زالوا أحياء يرزقون، أو أنهم لاقوا وجه ربّهم في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، في حرب بلاد "الروملّي" أو بلاد اليمن أو بلاد واق الواق، وحكى أحد "المتطوّعين" الذين "انقطعت أخبارهم" وعاد فجأة ودون سابق إنذار إلى أهله سليماً معافى ولم يكد أحد يصدٌق أن "مائتاً" مثله يعود من القبر إلى الحياة، أنهم وصلوا إلى بلاد لم يسبق أن وصلها آباؤه او أجداده.
أما هو فظلّ على مهنة أبيه وجدّه وصانها: رافقهما يافعاً مع الجمال لينقل معهما على ظهورها الحطب والفحم والحبوب وبعض الخضراوات و"الفائض الزراعي" الذي "يصدرونه" إلى سوق المدينة البعيدة، وحمّل على الجمال ما "استورده" التجار المحليون من بضائع ضرورية ومستلزمات أساسية من ملح وسكر ونفط وثقاب وأقمشة وغيرها.

ودأب الناس على مناداته بلقب الجمّال، وعلى تلقيبه بالألقاب المختلفة، والتي يحمل بعضها روح الدعابة والمزاح، ويحمل بعضها الآخر - ويطلقه عادة الخبثاء والمغرورون – يحمل السخرية والاحتقار في طياته.
أما في شهور الصيف القائظ فكان الفلاحون ينتشرون في حقولهم، لـ"يحلشوا" الشعير والكرسنة والعدس أو كما يسمونها "القطاني"، ويحصدون بعد ذلك القمح، ويكوّمون ما حلشوا أو حصدوا في أكوام يسمونها الأغمار، ويجمعونها بعد ذلك ويرتبونها فوق بعضها البعض لتشكّل "حِلّة" كبيرة، تنتظر نقلها إلى البيدر لدرسها.
ولا ينقل ال"حلل" أو "يرجدها" كما كانوا يسمّون نقلها غير الجمّال في شباك ضخمة معلقة على جانبي كل جمل من جماله أو على ظهور جماله!
وفجأة وبقدرة قادر ترتفع أسهم الجمال وتزداد كرامته، ويصبح محور الحياة في القرية: ألكلّ يطلب صفو خاطره ويخطب ودّهُ فالجميع في حاجة ماسّة إليه وإلى جماله!

فبدونه وبدون جماله لا "يرجد" أحد "حلّته"! ولا بدّ من الإسراع في ذلك، فكل يوم آخر ينقضي وال"حلّة" في الأرض يتساقط المزيد من سنابل قمحها، وقد "تطبّ" قطعان الماشية عليها، أو تلتهما النيران، أو...أو... ويضيع الموسم بأكمله!
وسرعان ما كان ينقلب الحال مع الجمال: فالناس الذين كانوا في الأمس القريب يعيّرونه بالقطران الذي يداوي به "جرب" جماله في الشتاء، وبالقوصان الشائك الذي يطعمها إياه، توقفوا فجأة عن ذلك وراحوا ينادونه بمزيد من الاحترام والتقدير، وراحوا ينادونه ب"أبو الشبك"، ويا أفندي! ويا أخونا! ويا غالي! ويا حبيبنا!
وكان أحبّ النداءات إلى قلبه اثنان، هما: يا جمل المحاملّ ويا شيّال الحمول!
وكان أبو الشبك يتيه خيلاء في موسم "الرجيدة!"
فصحيح أنه لا يتكبر ولا يكبر لأن الله سبحانه وتعالى هو وحده الكبير، ولا يصاب بالغرور، لكنه ورغم كان يعرف قيمته وقدر نفسه، ويعرف جيداً أن هذا الموسم سرعان ما سينقضي، ليعودوا ويسخرون منه!

ولأنه "ليس بالقليل" فقد لجأ إلى "معاقبة" المسيئين له الذي يحاولون النيل منه: كانوا كلما سألوه عن دورهم في "الرجيدة" يجيبهم بأنه سيأتي، وعليهم الانتظار، فضغط العمل كبير وما إلى ذلك من إجابات وتسويفات مملّة قاتلة.
حقّاً كانوا يعودون ويثأرون منه عندما يحمل كيسه ويقصد البيادر يوم يذرو الفلاح بيدره ليحاسب على "الزواد" وهو الأجرة التي يتقاضاها الجمال على الرجيدة: مقابل نقل الحلّة إلى البيدر، والذي يبلغ نسبة معينة من المحصول، وهناك تدور المساومة والمماحكة والإثارة والإغاظة مرة أخرى وبروح طيبة...

ويتهدد كل واحد الآخر: الفلاح يقول للجمال ما معناه "إذهب إلى حيث ألقت...فأنا لست في حاجة إليك..."
ويردّ عليه الجمال "طيّب، غمّض وعين وفتّح عين فيأتي موسم الرجيدة القادم، وتبدأ ترجو وتتوسّل وتبوس الأيادي..."

وهكذا يزجي الناس بعض أوقات فراغهم الوفيرة التي بين المواسم الزراعية الملتهبة، في مماحكات وممازحات ومداعبات خفيفة الظل لطيفة ومقبولة...