كنوز نت - بقلم ابراهيم عبدالله صرصور - الرئيس السابق للحركة الاسلامية في الداخل الفلسطيني.


قراءة بأثر رجعي في مقدمات ونتائج انتخابات الكنيست ال -24.. 


  • بقلم ابراهيم عبدالله صرصور - الرئيس السابق للحركة الاسلامية في الداخل الفلسطيني. 

نذكر جيدا ان واحدة من ذُرَى الخلافات التي انفجرت داخل القائمة المشتركة، الخلاف حول مسألة حل الكنيست ال -23، والقرار بتبكير الانتخابات البرلمانية.. 

كان موقف القائمة الموحدة مخالفا للنهج التقليدي الذي كان متبعا في اروقة السياسة العربية، وهو الانحياز التلقائي لأي مشروع لحل الكنيست بغض النظر عمن يقف على رأس الحكومة او الاسباب الموضوعية وراء القرار. 

طرح نواب القائمة العربية الموحدة في اكثر اجتماع للمشتركة وجهة نظر مغايرة لهذا التقليد المتعارف عليه، وقدمت قراءة موضوعية لما يمكن ان يترتب على قرار كهذا من نتائج كارثية بالنسبة للمجتمع العربي.. 

مع الاسف! انحازت الاحزاب الثلاث: الجبهة والتجمع والتغيير للتقليد السائد، بينما سمحت القائمة الموحدة لنفسها ان تخرج بقرار وسطي لم تدعم بناء عليه مشروع القرار بحل الكنيست من جهة، ولم تصوت ضده من جهة ثانية، وفضلت الامتناع عن التصويت وبهذا مر المشروع بالقراءات الثلاث وانتهى الأمر الى تحديد انتخابات جديدة جرت بتاريخ 23.3.2021 كما هو معروف..

انكشف غبار المعركة الانتخابية للكنيست ال - 24 على نتائج تعتبر (زلزلة) سياسية تستحق ان نتوقف عندها مليا، دفعتني الى تناولها بأثر رجعي من خلال السؤال: ماذا حمل لنا اصرار ثلاثية المشتركة على التصويت على حل الكنيست؟ هل كان قرارهم صحيحا سياسيا وموضوعيا؟ لو عاد الزمان بهم الى الوراء، هل كانوا سيتخذون نفس القرار؟ 

أسئلة اعتقد ان الاجابة الشجاعة عنها من ثلاثية المشتركة يمكن ان تفتح الباب لبناء وحدة في المستقبل على اسس جديدة وقراءة سياسية أكثر براجماتية وعمقا، وأقوى التصاقاً بحقائق الاشياء وجوهرها بعيدا عن ظواهرها، وأوسع استجابة لمصالح الشعب، وابتعاداً عن دغدغة العواطف وشعبوية الخطاب.. 
للاجابة على هذه الاسئلة نؤكد على ان القراءة الموضوعية لقرار ثلاثية المشتركة الانحياز الى مشروع حل الكنيست كان خطأ بلا شك، انطلقت الثلاثية في دعمه من "البطن" لا من "العقل"، لما ترتب عليه من اضرار سآتي على الاشارة اليها لاحقا، وهي ذات الاضرار التي اشار الى بعضها نواب "الموحدة" في اجتماع المشتركة قبل جلسة الكنيست الحاسمة.. 

ما هي الاضرار التي ترتبت على القرار بحل الكنيست ال - 23 وتبكير الانتخابات البرلمانية التي جرت بتاريخ 23.3.2021، والتي توقعها نواب الحركة الاسلامية، وتجاهلها نواب ثلاثية المشتركة (الجبهة والتجمع والعربية للتغيير)؟ 


اولا - ادخل القرار الفاشي (ايتمار بن غفير) الى الكنيست بعد ان كان منبوذا حتى من احزاب اليمين المتطرف، فأعطى القرار بذلك شرعية ل - "الكهانية" بشكل لم يتوقعه ربما "بن غفير" نفسه، وسمح لها بالدخول للحياة السياسية من الباب الامامي بعدما لم تنجح في الدخول سابقا حتى من الباب الخلفي .. 
ثانيا - أقحم القرار المجتمع العربي في ازمة سياسية وانقسام خطير عملنا نحن في الحركة الاسلامية على تجنبه ما اوتينا الى ذلك سبيلا، واصرت عليه الجبهة والحزب الشيوعي اساسا، الامر الذي انعكس سلبا على نسب التصويت التي انخفضت الى درجات تسببت بزلزال سياسي لثلاثية المشتركة والعمل السياسي الوحدوي..

ثالثا - أدى القرار بحل الكنيست الى انخفاض التمثيل العربي في الكنيست من 15 عضوا في انتخابات 3.2020، الى عشرة اعضاء على الاكثر في هذه الانتخابات من خلال قائمتين: القائمة العربية الموحدة/4 اعضاء، والمشتركة الثلاثية (انضم اليها حزب معا)/6 اعضاء.. هذا الواقع الجديد سيضعف حتما الاداء البرلماني من حيث حصص الكتل البرلمانية للحزبين في هيئات الكنيست المختلفة وعلى راسها حصتها من اللجان وغيرها، ووحدة العمل السياسي تجاه الداخل والخارج.. 

رابعا - لم يغير القرار شيئا في الخريطة السياسية الاسرائيلية التي ظلت السيطرة فيها لليمين سواء في الائتلاف الحكومي او المعارضة، الأمر الذي لا يبشر الا بواحدة من اثنتين. الاولى، ان ينجح نتنياهو في اقامة حكومة يمينية - فاشية صرفة بدل حكومة الرأسين السابقة التي كانت فيها من العوامل والفرامل ما كان في صالح المجتمع العربي ولو بشكل محدود، وكذا في صالح القضية الفلسطينية (رفض حزب كحول لافان/غانتس عملية ضم الاغوار حسب صفقة القرن).. الثانية، العودة الى انتخابات خامسة والتي لا يمكن التنبؤ بنتائجها اذا ظلت اوضاع الاحزاب على النحو الحالي خصوصا وان الخلافات بدات تعصف بثلاثية المشتركة على ضوء النتائج (3 جبهة، 2 تغيير، 1 تجمع وطني).. 

خامسا - تسبب القرار بتبكير الانتخابات في تأخير المصادقة على عدد من المشروعات التي سعت المشتركة الى فرضها على حكومة الرأسين مستغلة التناقضات التي فيها، والتي كانت على وشك المصادقة عليها في الحكوكة، من اهمها: 1. خطة مكافحة العنف 2. الاعتراف بعدد من القرى غير المعترف بها 3. ازالة العوائق امام انطلاق مشروع التنظيم والبناء ووقف الهدم في المجتمع العربي 4. المصادقة على خطة تطوير شاملة للمجتمع العربي تعالج نسب الفقر والبطالة.. الخ.. 

سادسا - سيتسبب القرار ونتائجه بتراجع قدرة وتأثير المجتمع العربي من حيث تعامله مع الحكومة من خلال جسم سياسي واحد، والتعاطي مع الدول والمؤسسات في العالم كقوة واحدة تمثل مجتمع متماسكا لا فتات مجتمع، وهي أمور ستؤثر سلبا على قدرة مجتمعنا وممثليه على الانجاز.. 
لو سألنا نواب ثلاثية المشتركة اليوم عن رأيهم فيما تقدم، وان كانوا ندموا على قرارهم السابق بحل الكنيست على ضوء النتائج التي ذكرت، فماذا سيكون جوابهم يا ترى؟

اعتقد انهم إنهم إن حكّموا العقل والموضوعية بعيدا عن "العناد" و "العزة بالإثم" و "الاستكبار"، فسيكون جوابهم الاتفاق الكامل من هذه القراءة، وهو جواب إن جاء على هذا الوجه، سيساهم نفسيا وموضوعيا حتما في بناء مستقبل يعيد الأمل الى العمل السياسي من جديد، كما وسيعيد ثقة الناخب في ممثليه مرة أخرى، وربما وحدة عربية شاملة على أسس جديدة.. 

أما إن جاء جوابهم رافضا لهذه القراءة استجابة لعنادٍ او استكبار، فاعتقد ان اوضاع ثلاثية المشتركة ستؤول الى مزيد من التأزم، والوحدة العربية الى مزيد من الشرذمة، والتأثير العربي الى مزيد من الضعف... سيكون لكل ذلك أثره السلبي جدا على مستقبل المجتمع العربي في اسرائيل برمته، مما سيزيد نسب الاحباط والعزوف، وهو امر لا يمكن لعاقل القبول به.. 

لم اتطرق الى اثر القرار بتبكير الانتخابات على مجمل القضية الفلسطينية وفرص انطلاق عملية من اي نوع يمكن ان تعيد الحياة الى ملفٍ يعاني من الموت السريري، لسبب بسيط.. ان اية حكومة سابقة او لاحقة لن يكون في اولياتها قضية فلسطين، ولا القضية الفلسطينية، والتي لا منقذ لها بعد الله الا الوحدة الوطنية الفلسطينية الفورية، وعملية تحرر شاملة لأمة العرب من بعض انظمتها المستبدة والمهرولة في اتجاه اسرائيل، الامر الذي يمكن ان يفتح بابا للامل في تحرك جدي يوقف اسرائيل عند حدها، ويستنقذ فلسطين من الاحتلال الصهيوني الغاشم.