كنوز نت - بقلم : د. منعم حدّاد


"موسم الانتخابات: شهر مرحبى!"

  • د. منعم حدّاد

كثيرة هي الأسماء والألقاب والنعوت التي أطلقوها على مواسم الانتخابات، إن كانت للسلطة المحلية أو للبرلمان= الكنيست، منها شهر الديموقراطية، موسم سلطة الشعب، أيام يحكم الشعب...
وكذلك: شهر مرحبى، وموسم الكذب، وأيام النفاق، وغير ذلك من الأسماء التي أطلقها الظرفاء وغير الظرفاء على هذه المناسبة "السعيدة".
ولقد حدث أحد الظرفاء و- انتشر ما حدث به وكأنه أهم ما في الوجود – وقال: أنا لا أقترع إلا في اللحظة الأخيرة، وقبل إقفال صناديق الاقتراع بثوان، وأحرص على أن أكون الأخير تقريباً في كل جولة، وصحيح أنني أصل مركز الاقتراع قبل إقفاله بزمن، لكنني أمكث هناك أتفرج على الناس حتى يشرفون على إنهاء الاقتراع وإقفال الصندوق، وفقط عند ذلك أقوم بواجبي السياسي وأقترع!

ولماذا تفعل ذلك؟ سألوه! فردّ قائلاً:

في موسم الانتخابات وشهر مرحبى يتهافت المرشحون - إن كانت الانتخابات للسلطة المحلية والمندوبون ونشطاء القوائم والأحزاب إن كانت الانتخابات للبرلمان - يتهافتون عليك داعينك بأفخم الالقاب وأعظم النعوت، فأنت أبو فلان وعمّ فلان وخال فلان، أنت "النقي التقي الطاهر العلم"، أنت الآدمي والزعيم والوجيه وشيخ الشباب ورئيس القبيلة وسيد الحمولة وملك العشيرة... "أنت..،ـأنت..، أنت،ـ...،أنت عنتر زمانك وزير عصرك وامرؤ قيس الانتخابات وفارس بني عبس الأحزاب وبطل أبطال الديموقراطية والحرية والإباء والمساواة والإخاء...
وليت هذا التوجه بدوم طويلاً!

ولماذا لا يدوم؟

لأنك فور أن تضع مغلف الاقتراع في صندوق الانتخابات سرعان ما يتنكر لك جميع من كانوا يمسحون لك الجوخ – وربما الحذاء أيضاً – إلى ما قبل لحظات، لكي يقنعوك بأكاذيبهم ويغرونك بوعودهم العرقوبية...ويغوونك بأساليبهم الملتوية...، فهم سوف يقيمون الدولة الفلسطينية، وهم سوف يرسخون السلام بين إسرائيل والدول العربية جمعاءـ، وسيرسلون من تشاء وترغب في رحلة إلى الفضاء الخارجي...

هذا على الصعيد البرلماني، أما على الصعيد المحلي فلسوف يبنون المساكن الشعبية للجميع ويبيعونها بسعر التكلفة، وسوف يشقون الطرق ويعبدون هنا وهناك ويمهدون هنالك ويغيرون شبكات المياه المهترئة وشبكات الصرف الصحي البالية، وسيجددون شبكة الكهرباء ومصابيح الشوارع ويثبتون على الأعمدة الكاميرات وسيزرعون الورود والزنابق في حدائق يقيمونها خصيصاً من أجل عينيك، وسيحولون المدارس القروية إلى كليات وجامعات...ولسوف يؤمنون العمل للعاطلين والمعونات للمستورين والعلاج المجاني للمرضى والنقاهة والرفاهية للمتعبين ووو...وكل ذلك لكي يفوزوا بصوتك، أما الآن وبعد أن أدليت بصوتك فلم يعودوا بحاجة إليك وإلى احترامك وتدليلك وممالئتك والنفاق لك والتدليس عليك ومسح الجوخ – والحذاء – لك فيعودوا إلى طبيعتهم ليسخروا منك وحتى يلقبونك بأقذع الألقاب والشتائم والسباب لا بل يشتمونك إذ لم يعودوا بحاجة إليك بعد أن أدليت بصوتك وانتهى شهر مرحبى وانقضى موسم الكذب والانتخابات...
وتأكد أنه بعد ذلك حتى لو قامت القيامة وأحرقتك نيران جهنم وانهارت عليك جبال الهملايا وأغرقك الطوفان والتسونامي وقضت عليك أوبئة الدنيا كلها فلن يعيرك أحد اهتماماً ولن يفطن بك أحد...!

أتراني أبالغ؟

ليسأل كل من يظن ذلك ويحسبه ويراجع نفسه وليسأل نفسه عن علاقته مع الذين منحهم ثقته وأكسبهم صوته في الانتخابات السابقة...
ثم ألا يتعظ الناس بوعود أبي يئير نتنياهو لبيني غانتس بترئيسه الحكومة بعده؟
وبوعود غانتس لناخبيه الكثيرين الذين أكسبوه ثقتهم فيما مضى؟
وغيرهم وغيرهم وغيرهم...؟؟؟
وها هو "شهر مرحبى" يشرف على الانتهاء، وسنرى بعد انقضائه كم من المرشحين الفائزين في الانتخابات سيحفظ وعوده ويصون عهوده وكم سيقلب جلده ويخلف وعوده وينكر عهوده!