كنوز نت - الطيبة - بقلم : سامي مدني


  • الجفاءٌ للظَّنِ عِلاجٌ لبعضِ الأثام، والتروي مسلكٌ لِطاعَةِ اللهِ، فَيا حَبَّذا لَوْ 


إِخْوتي السَّلامُ عَليْكُمْ، وعَزَّكُمْ اللهُ، وَطيَّبَ خاطِرَكُم!

قَالَ تعالى:

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ"
                                          
(صَدَقَ اللهُ العَظِيم)


 إِخْوَتِي اتَّقُوا اللهَ وَلا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَتهِ إِنَّ اللهَ تَوابٌ رَحِيمٌ، هَذهِ هيَ الحَقيقَةُ يَا أُوْلِي الألبابِ، فَلَو كانَتْ الخَليقَةُ كَما يَعتَقِدُ كَثيرٌ مِنَ النَّاسِ، لخابَ أمَلُهُم أَكْثرَ ولَخْتَلَّ التوَّازُنُ مُبَكِراً وَلَنهارتِ الأُسُسُ وَالرًَّكائِزُ الإنسانِيَّةِ والجِيُولُوجِيَّةِ، وَلَما صَمَدَ الكَوْنُ أَلافَ السِّنينِ وَالمَلايينِ حَتَّى يَأتيَهُم اليَقِينُ، وَلَمَا كَانَ الأنسانُ سَيدَ المَخْلوقاتِ وَلَهُ أُعِدَّتْ وَهُيِّئَتْ السَّماءَ والأرِّضَ وَمَا بَيْنَهُما وَمَا تَحْتَ الثَّرَى، فَالكُلُّ جاءَ وَجُهِّزَ وخصِّصَ تكريماً للإِنْسانِ لِيَبقَى جِيلاً بَعْدَ جِيلٍ وَدَوْرً بَعدَ أَخَرٍ فَيسْعَى وَيَعمُرُ الأَرْضَ، ثُمَّ يَصِلُ بِسُلْطانٍ إلى ما تَهْوَى نَفْسُهُ وَإِلى مَا بَعْدَ ما تَرَى العَيْنُ وتَسْمعُ الأَذُنُ.


 لَقَدْ إِخْتارَ اللهَ تَعالى في الآيةِ هذهِ وَاللهُ أعلمُ ورسولُهُ، أَنْ يُخاطِبَ المُؤْمِنِينَ وفي ذاتِ الوَقْتِ يَأْمُرُهُمْ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الشَكِّ لأَنَّهُ إِثْمٌ عَظِيمٌ، وَهَذا لِحُبِّهِ لَهُم وَلِمَنْ خَلَقَ مِثْلَهُم، وَبكُلِّ صِدْقٍ وَتَواضُعٍ يُكلِّمَهُم وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أَحَدِ ولمْ يَسْتَثنِ أَحَداً، وَقَدْ جَعَلَهُم أُمَماً بَعدَ أنْ خَلَقَهُم مِنَ نَفْسٍ واحِدَةٍ، لتَكُونَ الحَياةُ مُتنَوِّعَةً وَرَمْزاً لِلتَغيِير والإبْداعِ والمُنافَسةِ، عَلىَ غَيْرِ نَمَطٍ واحدٍ، فِيها الأنسانُ لا يَشعُرُ بِتَعاسةٍ وَمَلَلٍّ، وَبِِهذا الأَمْرِ طبعاً حِكْمَةُ اللهِ الَّتِي لا يُمكِنُ أنْ نَجهَلَ أو نَكفُرَ، وفي هَذهِ الآيةِ كذلكَ يُرينا دِستُورَاً في العَلاقاتِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقهِ وَبينَ النَّاسِ أنْفُسِهُم، يَخْدِمُ مَصلَحَتَهُم لِتَكتَمِلُ الحَياةُ وَيَسْعَدوا إذا أحْسَنُوا الأَخْلاقَ والتَصرُّفَ وَلمْ يَتَجاوَزوا حُدُودَهُمْ، وَلَمْ يَسلُكوا طَريقاً مَا كانَ المَوْقِفُ فِيهِ صَحِيحاً مِنَ الأساسِ، إِنَّما كانَ مُجَرَّدَ اِتِّهاماً وَبهُْتاناً لِغَيْرِهِم، فَاخْبَرَهُمْ اللّهُ؛ أنَّ هَذا الشَكَ خَطَأٌ وَكُبْرُ الإِثْمِ، لِيُعْلِمَهُم سُبُلَ العَيْشِ بِسَلامٍ وَبدُونِ أخْطاءٍ، فَهُو سُبْحانُهُ يَعرفُ ما في نُفُوسِنا وَلَمْ يُخْفِ الظَنَّ عِنْدَنا كُلِّيَاً لِيَميزَ بَيْنَ النَّاسِ، وَلِيَكونَ هُناك ظَرْفٌ فِيهِ يَشْمَلُ أنَّ بَعضَ الظَنِّ لا لِصالِحِ المُؤْمنِين، لأنَّهُ بَعِيدٌ مِنْ أنْ يَكُونَ دِكْتاتُورَاً مُتَسلِّطَاً إِنَّما مُحِباً وَرحِيمً رَحُومً وهو غنيٌّ عَنْ المَديحِ والتَّمْجيدِ فَهوَ المَجيدُ، إِذْ لَمْ يَنْهانا بِقُوةٍ ولَكِنْ بالتَّخْيير وَالإقْناعِ، فهو المُنَزَّهُ العليُّ الَّذِي ليسَ لَهُ كُفُواً أَحَدٍ، فَكَيفَ لا نُطِيعُ اللهَ، رَبَّ الجَمِيعِ والإلهَ المُبَجَّلِ الحَريصِ عَلَيْنا وعلىَ سَعادَتنِا وَلمْ يَحجبْ عَنَّا قُدْرَةَ التَفكيرِ والأحْساسِ، لَكِنَّهُ يُريدُ أنْ لا نَظلُمَ بعضَ وَنَشُكَ بِبَعضِ خوفً أنْ تَكونَ حَياتَنا شَقاءً وَعَداءً وأسفً وَجُروحً؛ وَقَصدُه لا تَفعَلُوا هَذا لِئَلا نَقَعُوا بالمَعْصِيَةِ لأن قِسْمً مِنْهُ جُرْمٌ، والَّذِي بَعْضُهُ حَرامُ فَإنَّ كَثيرَهَ كُفْرٌ وَمَمنُوعٌ.


عِنْدَمَا تَقُولُ لأَخِيكَ مَا فِيهِ مِنْ أُمُورٍ وَأنت صَادِقً فَقَدْ قُمْتَ بِانْتَقَادِهِ لِعَلك تُفِيدُهُ وتُصْلِحُهُ، وَإنْ كُنْتَ كاذِباً تُلَفِّقُ الكَلامَ فَقَدْ بَهَتَّهُ، والمَطْلُوبَ منا أَنْ لا نُتابِعَ النَّاسَ ونفَتِّشَ عَنْ عَوَراتِهم وأَسْرارِهِمْ الَّتِي سَتَرَ اللهُ لَهُمْ، وَنكْتَفِي بِذِكْرِ مَا هُوَ ظَاهَرٌ وغَيْرُ صَحِيحٌ، فَيَكُونُ الحَقُّ لكَ إِنْتِقاضَهُمْ لِرَدْعِهِمْ عَنْ الزَلِّ، وَإنَّ الظَّنَّ بِالخَيْرِ بالمُؤْمِنينِ لَهُوَ أَفْضَلُ وأَشْرَفُ، فَكَمَا أَكْلُ لَحَمُ مَيِّتٍ حَرامً كَذَلِكَ أَمْرُ المَغِيبَةِ حَرَامً ومَمْنُوعً، وَقَدْ شَبَّهى اللّهُ تَمْزيقَ عَرْضَ الأَخِ بِتَمْزِيقِ لَحْمَهُ، خاصَّةً في غَيْبَتِهِ أوْ في حالِ غَيْبَةِ رُوحُهِ "مَوْتِه"، وَعجِزه عَنْ دَفْعِهِ بِنَفْسِهِ لِكَوْنِهِ غائِبًا عَنْ ذَمِّهِ كأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ المَيِّتِ الَّذي يُقَطَّعُ لَحْمَهُ ولا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُدافِعَ عَنْ نَفْسِهِ، فَالمَفْرُوضَ أيها الشعبُ أَنْ يَكونَ نَقْدُنا ومَغِيبَتُنا للأَخَرينَ فَقَطْ للإِصْلاحِ والدَّعْوَةِ للخَيْرِ، وإِلاَّ الحَريَّ بِنا أنْ نَسكتَ فَلَيْسَ القَصْدُ أَنْ نَكْشِفَ عَوراتَهُمْ ونُوْقِعَ بِهِمْ، وَعَفا اللهُ عَمّا سَلَفَ.



فآحْذَرُوا أنْ تُوقِعُوا بإخْوَتِكُم فَتَقَعُوا وَتَتَأذُوا ...... والمَثَلُ إذا كَانَ بَيتُكَ مِنْ زُجاجٍ لا تَرْمِ بِيُوتَ النَّاسِ بالحِجارَةِ لَهُوَ دَلِيلٌ أنَّ الكُلَّ منا مُعرَّضُونَ لِنَفسِ الظُرُوفِ والأخطاءِ، لِهذا تَوقعْ كَيْفَ تُعامَلَ حينَئِذٍ.

ومَنْ أَجْمَلِ أَبْياتِ الشِّعْرِ لأداب الأَخْلاقِ والمُعامَلاتِ قَوْلَ الإِمامِ الشَّافِعي في ديوانِهِ:

لسانك لا تذكر به عورة امرئ...
                                        فكلك عورات وللناس ألسن
وعيناك إن أبدت إليك معايبا...
                                  فدعها وقل يا عين للناس أعين
وعاشر بمعروف وسامح من اعتدى...
                                     ودافع ولكن بالتى هى أحسن


وَالقِصَصُ كَثيرةٍ ومِنْها مِنْ نَظْلُمُ قبل أن نَتَأكَّدَ فَيُحْكَى أَنَّ شابَاً كانَ يقولُ: كانَ يَمُرُّ بِشَكلٍْ يَوْمِي على أَحَِدِ مَساجِدِ الشَّامِ لِيُصَلِّي فِيهِ وَكانَ فيهِ غُرْفَةٌ صَغيرةً تَعِيشُ فِيها إِمْرأَةٌ عَجُوزٌ لَمْ يَكُنْ يَحِبُّها كَثِيراً، فَكانَتْ دائماً بِمُجَرَّدِ أَنْ ترَاهُ تَبْدَأَ في طَرْحِ الكَثِيرَ مِنَ الأَسْئِلَةِ الفُضُولِيَّةِ، وَكانَ يَنْزَعِجُ مِنْ هَذا الأَمْرِ جِدَاً، كَمَا أَنَّ كَلامَها كانَ فَظَّاً كَثِيرَاً وتُوَبِِّخُهُ دائِماً حَتَّي دُونَ أَنْ يَفْعَلَ أَيَّ شَيْءٍ، وهيَ كانتْ كذلكَ مع الجَمِيعِ وليْسَ مَعهُ بَشَكلٍْ شَخْصِيٍّ، ولَكِنَّ الغَريبَ في الأَمْرِ أَنَّها في أَيّامٍ أُخْرَى كانتْ تُعامِلُهُ مُعامَلَةً حَسَنَةً ورَقيقَةً جِدَاً، وَكانَتْ تَسْتَقْبِلُهُ بإبْتِسامَةٍ وَوَجهٍ مُشْرِقٍ، فَكانَ يَتَعَجَّبُ كَثيراً مِنْ هذا الأَمْرِ ولَكِنْ في النِّهايَةِ قَرَّرَ في داخِلِهِ أَنَّ هذه العَجُوزَ مُصابَةُ بإنْفِصامٍ في الشَّخْصيَّةِ أَوْ أَنَّها مَجْنُونَةٌ ولا تَعرفُ مَا تَفْعَلَ، وفي أَحَدِي المَرَّاتِ وقفَ لِيُصَلِّي صلاةَ الظُّهْرِ في جَماعَةٍ وَمِنْ بَعِيدٍ رأَي هذه العَجُوزَ واقِفَةً وهُناكَ عَجُوزٌ أُخْرَى تَقِفُ إِلى جانِبَها لها نَفْسُ الطُّولِ والشَّكْلِ والوَجْهِ تَماماً، كأَنَّهُما نُسْخَتان فَتَبَيَّنَ لَهُ الأَن أَنَّهُما إثْنَتان لَكِنَّهُ في كُلِ مَرَّةٍ كانَ يَرَي واحِدَةً فَقَطْ، فَشَعَرَ بِداخِلِهِ بالخَجَلِ الشَّديدِ والنَّدَمِ لأَنَّهُ أَساءَ الظَنَّ وتَسَرَّعَ في الحُكْمِ علي المَرأَةِ المِسْكِينَةِ، وإتَّضَحَ في النهايَةِ أَنَّ ظَنَّهُ كانَ خاطِئاً، وقَرَّرَ أَنْ يَتَمَهَّلَ في المَرَّاتِ القادِمَةِ قَبِلَ إِصْدارِ القَرار ِوالحُكْمِ على النَّاسِ حَتَّى لا يَكُونَ ظَنَّهُ ظُلْمَاً للأَخَرينَ فَيقَعُ في الإِثْمِ.

فالتَّرَوي وعَدَمُ الظَنِّ بالأَخَرين سَيِّدُ الأَحْكامِ، وإِنْ فَعَلْنا حَبَّذا لو يَكونَ بالخَيْرِ والإِبْتِعادِ عَمَّا نَهَى اللهُ، فلا نُتاجَرُ بأعراضِ النَّاسِ ونُشَهِّرُ بِسُمْعَتِهِمْ لِمَصْلَحَةٍ دُنْيَوِيّةٍ.

وفَقَنا اللهُ وَهدانا على الحَقِّ والعَدْلِ في مُعامَلاتِنا!
والسَّلامُ عَليكُمْ ورَحْمَةُ اللهِ وبَرَكاتُهُ!