كنوز نت - بقلم : د. منعم حدّاد


"عرب اسرائيل" ناكرو الجميل!

(مونولوج "خواجة")
  • د. منعم حدّاد
و"هلّ" علينا موسم الانتخابات من جديد، بعد أن قررت "الرؤوس الكبيرة" ذلك لمصلحتها الشخصية هي والملفعة بغشاء رقيق وواهٍ من المصلحة العامة، وراحت قوائم المرشحين تبذل الجهود الأخيرة للفوز بالأصوات هنا وهناك، و"الزائرون" الكرام "يحرثون" القرى والمدن العربية حرثاً عميقاً ليحاولوا كسب الأصوات...

وخطب أحدهم أمام حشد انتخابي "ضخم" كما زعم بينما لم يتعدى عدد الحاضرين عدد أصابع اليد الواحدة، وبعد أن استوى هذا "الخواجة" في جلسته، وتنحنح، واحتسى فنجان القهوة "العربية"، فتح فاه وطفق يحدّث، بل يحاضر، يعرض ويناقش ويشرح ويفسّر وحده ولوحده، غير تارك لأحد مجالاً لمقاطعته:

اسمحوا لي يا هؤلاء أن أحدّثكم وبمنتهى الصراحة والوضوح، فأنتم يا هؤلاء، ولنبدأ من التسمية، فأنتم عرب إسرائيل، ولستم لا عرباً فلسطينيين ولا عرب 48 كما يحلو لبعضكم أن يسمى نفسه ويقدّم نفسه!

نعم، هنيئاً لكم، يا عرب إسرائيل، فأنتم أولاً وقبل كل شيء ورغم كل ما قيل أحرار في اختيار التسمية التي تروق لكم وتعجبكم، فرغم أنكم لا تعيشون في ظلّ حكم عربي، فأنتم أحرار في اختيار اسمكم الذي يناسبكم، فأنتم تارة عرب إسرائيل (أين أيامك أيها الحاكم العسكري وأين "أولاد الأربعاء وأولاد الجمعة" الذين كانوا يتفانون في نقل الأخبار "المهمة" لك!) وتارة أخرى أنتم عرب فلسطينيون، وتارة ثالثة أنتم عرب 48...والحبل على الجرار!

 وأبسط دليل وأوضح دليل على ذلك يكمن في حقيقة كونكم كلكم جزءاً لا يتجزّأ من إسرائيل، فأنتم مواطنون تحملون الهوية الإسرائيلية، وتسافرون بجواز السفر الإسرائيلي، تنتخبون وتنتخبون وتترشحون للبرلمان الإسرائيلي، ووو!

وفي جولات الانتخابات الثلاث الأخيرة كان يتسابق رؤساء الأحزاب (اليهودية بشكل خاص مثل نتنياهو وغانتس وتوابعهما) في دعوتكم للتصويت لقوائمهم، ودعوتكم بل الطلب منكم إلى حدّ التوسّل أن تتنازلوا وتقبلوا الانضمام إلى الحكومات التي يزمعون تشكيلها وتسنّم منصب أي وزير ترغبون، أو على الأقل هكذا كانوا يزعمون، لكنكم تكبرتم عليهم ورفضتم اليد الممدودة لكم ورددتم طلباتهم ودستم بأقدامكم هذه الامتيازات المقدمة لكم على أطباق من ذهب!

ألا يكفيكم ويعجبكم هذا الغنج وهذا الدلال وهذه البحبوحة والعيش الكريم الذي ترفلون فيه؟ ألا يكفيكم فخراً أنّكم مواطنو أعظم دولة في الشرق الأوسط والتي تكاد تكون إحدى الدول العظمى؟

وهذه المساواة وهذه الديمقراطية التي تتمتعون بها مما لم يحلم به آباؤكم وأجدادكم من قبلكم؟

أأحدثكم عمّا عانيناه وقاسيناه نحن في البلد الذي جئنا منه؟ أأحدثكم لماذا اضطررنا إلى ترك بيوتنا وأموالنا وأملاكنا وهربنا من مسقط رؤوسنا إلى هذه البلاد؟ أرض آبائنا وأجدادنا نحن فقط ولا أحد سوانا؟

نحن طوّرنا وأنعشنا وسببنا ازدهار ذلك البلد الذي أتينا منه، تجارياً وصناعياً واقتصادياً وسياحياً وعلمياً، ورغم ذلك لم نكن ننعم بما تنعمون به، أنتم عرب إسرائيل!

المهم أنكم ترفلون في ثياب العزّ (والعزّ للرزّ) والحرية والرفاهية والبحبوحة...وأحرزتم بفضل حكومتنا الرشيدة ورئيسها المعظّم والحمد لله وشكراً لله جل جلاله، ما لم يحلم بإحرازه وإنجازه أي شخص من أي بلد عربيّ، فها أنتم تصولون وتجولون في شتى بقاع الارض وكل أقطار الدنيا (باستثناء بلاد بعض إخوتكم العرب المتشنّجين) حاملين جواز سفر يحسدكم عليه العرب الآخرون!

وصحيح أن بعض، فقط بعض، نقول ونشدّد على ذلك، بعض المتطرفين اليمينيين والعنصريين ينظرون إليكم بعين الغضب والكراهية والازدراء ولا يفوتون فرصة للنيل منكم والتنكيل بكم من منطلق عنصري كريه، وقد يعتبرونكم طابوراً خامساً، أو كما اعتبر الأسياد الأوروبيون السكان المحليين في جنوب أفريقيا في حينه، لكن الفرق بين الحالين واضح وجلي، فأنتم هنا لا غنى لأحد عنكم، لتقوموا بما يحتاجون له من خدمات وأعمال لا يقوم بها هؤلاء الأسياد، وليس تماماً كما كان الحال عليه في جنوب أفريقيا...

ثمّ ألا تذكرون كيف تحالف ممثلوكم مع معالي الرئيس نتنياهو للتصويت على حلّ الكنيست في حينه وكانوا "كشير" من أجل ذلك؟

أم نسيتم كيف دأب على التحذير من تشكيل حكومة مركز- يسار مدعومة أو غير مدعومة من "بعبع" عرب إسرائيل، أم أن هذا التحذير لم يكن كما يبدو أكثر من مزحة غير موفقة...؟

وغانتس الذي جاء شبه منقذ من استمرار حكم نتنياهو إياه، أما اعتبركم حلفاء وأحبّاء وأوفياء ومخلصين، وصمم ألا يحرجكم أمام نتنياهو وأزلامه فاستثناكم سلفاً من الاعتماد عليكم في تشكيل حكومة حتى ولو من الخارج لكي لا يحرجكم؟

ومجتمعكم، المجتمع العربي في إسرائيل ألا يرفل في ثياب العز والرفاهية والبحبوحة التي يحسد عليها... فهل تنكرون ذلك؟

وهاكم نماذج قليلة فقط إذ لا حاجة للإسهاب في إعلان الحقائق وتكرارها...

الميزانيات المختلفة "على قفا من يشيل" والتي تنهال على الوسط العربي انهيالاً... ويكاد هذا المجتمع يصاب بالتخمة لغزارة ما يتدفّق عليه من ميزانيات، لكن ما العمل وبعض ممثليه المحليين والقطريين يتلكّأون في صرف الميزانيات المكدّسة في حسابات مؤسساتهم البنكية دون أن يطالب بها أحد؟

فهل هذا ذنب الحكومة إن قصروا في مهامهم؟ وهل ترسل الحكومة الرشيدة قوات خاصة لتحملهم على صرف الميزانيات المنهالة عليهم؟


والتخطيط العمراني حدث عنه ولا حرج...فالخرائط الهيكلية تكاد تكون كلها جاهزة، ويمكن تنفيذها في طرفة عين، لكي تتوسع مسطحات القرى والمدن العربية، ويصبح ثمن قسيمة البناء كثمن وجبة فلافل أو رغيف شوارما...

والدليل؟ الدور "غير المرخّصة" والمهددة بالهدم والتي عزف عن الإقامة فيها بانوها رغبة في البحث عن الفخامة!

وها هي المستوطنات اليهودية تفتح أذرعها مرحّبة هاشّة باشّة لاستقبالهم للسكن فيها وامتلاك الدور بل البنايات بأرخص الأسعار، وأنتم تأنفون من السكن فيها تكبراً واستعلاء وربما عنصرية أيضاً!

ألا يثبت كل هذا أنكم ناكرو الجميل؟

فقال له أحدهم عند ذاك، وبعد أن لم يستطع أن يتمالك نفسه أكثر: الآن لقد فهمنا ما معنى "سكت دهراً ونطق كفراً"! وقال آخر:
أما كفاك كذباً وتزويراً؟ وصاح به ثالث:

إنقلع من هنا ولا تجعلنا نراك بعد اليوم!