كنوز نت - الطيبة - بقلم : سامي مدني


خُذُوا من العِلْمِ لِبابَهِ، واَتْرُكوا قُشورَهُ فإِنَّ العِلْمَ كَثيرٌ والعمرَ قصيرٌ!



سلَّامُ علَيكُمْ يا أَشْرَفُ النَّاسِ وأَعَزُّ النَّاسِ وأَطْيَبَهُمْ أَداباً وأَخْلاقَاً!

إخْوتي لا أُكَلِّمُ حَضْرَتَكُم بِهَذا الأُسْلوبِ مُراءَاةً وَلا مُبالَغَةً ونِفاقً بِحَقِّكُم، إنَّمَا فَإِنَّكم تَسْتَحقُّون أَكْثرَ، مَا دُمْتُم على العَهْدِ سائِرين، وَبدينِ أبائِكم وَنَبِيِّكُم مُعْتَزِّين، وَلِلْعَمَلِ الصَّالحِ لِلأُمَّةِ جَمْعاءِ أَنْتُمْ مُحِبِّين، وهَذا يَجْعَلُنِي أَرَى الخَيْرَ والأَمَلَ فِيكُمْ مَهْما ساءَتِ الأَحْوالُ عَلَيْنا، فَيَومً لنَا وَيَومً عَلَيْنا والخَيرُ فِينا سَيَنتَصِرُ .... سَيَنتصِرُ!

إصْبُروا فَإِنْ اللهَ مَعَ الصَّابِرين!
إصْبِرُوا وَلا تَيْأَسُوا وَلا تَكُونُوا مُتَشائِمِين!


وبالعَودَةِ قَلِيلاً أَعِزَّائِي، إلى كُتُبِ التَّاريخِ خاصَّتِنا، نَجِدُ فِي صَفَحاتِها خاماتٍ إنْسانِيَّةٍ أدَبِيَّةٍ عالَميَّةٍ، تَرَكَتْ بَصَماتُ إبْداعِها إرْثاً كَبيراً لِأجْيالٍ بَعْدَها، وَأُخْرى مَا زالَتْ تَعِيشُ وَتُكَرِّسُ مِنْ وَقْتِها، لِتُقدِّمَ أفْكارَاً نَرْتَكِزُ عَليْها وتُدَرَّسُ بِِبَرامِجِ وأساليبِ التَعامُلِ وَعِلْمِ الاِجْتِماعِ، الَّتي تُعِينُنا فِي تَربيَةِ أَوْلادَنا فَلَذاتِ أَكْبادِنا، لِنُنفذَ مَا هُوَ لَهُمْ مِنْ حَقٍ عَلَيْنا، وَالَّذي ذُكِرَ في القُرءَانُ والسُنَّةِ، يُشَكِّلُ صُورَةً وَاضِحَةً وَمِرْآةً لِجُذُورِنا، وَقَالَ الرَسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسلَّمَ الكَثيرَ، ومِنْها، "عَلِّمُوا أوْلادَكُم السِّباحَةَ والرِّمايَةَ وَرِكُوبَ الخَيْلِ"، وهَذا حَدِيثٌ بَسِيطٌ لَكِّنَّهُ يَرْمِي لِغايَةٍ نَزيهَةٍ تُزُيدُهُمْ القُدْرَةَ على التَّحَدِي وَتَبَنِّي نَمَطَ حَياةٍ يُلائِمُ طُمُوحاتَهُم، كَأَي كائِنٍ إجتِماعِيٍّ يَعِيشُ فِي مُجتَمَعٍ، يُرِيدُ أنْ يَنْجَحَ وَيَبْرُزَ بِإسْلُوبِه الخَاصِّ المُطابِقِ لِلْبيئَةِ الَّتي تُحيطُ بهِ، وَمَا خَلَّفُوا هَؤُلاءِ وَمَا كُتَبَ عَنْهُم، يُوْحِي لَنا طُرُقَ التَّرْبِيَةِ وَالواجِبَ عَلَيْنا لِأولادنا مُنْذُ وَلادَتِهِم، وَقَالَ اللهُ سُبْحانهُ: "وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ"


وَهَكَذا طَالَما تَمسَّكْنا بِالْماضِي وَالحاِضرِ ومَا قَالَ اللهُ ومَا حَثَّنا رَسُولُهُ الأَمينُ، "صَلَّعَمْ"، يُمْكِنُنا فِعْلاً أنْ نُفِيدَ عائِلاتِنا، وَبالاِعْتِمادِ كَذَلِكِ عَلىَ مَا تَوصَّلَ إِليْهِ أُناسٌ حُكَماءٌ وَمُجَرِّبينَ، نُضِيفُ لَهُمْ نَشْأَةً تُوْجِدُ عِنْدَهُمْ الطُّمُوحَ والإبْداعَ وَرُوحَ التَطَوُّعِ في خِدمَةِ الأمَّةِ والبَشَريَّةِ.


اليَوْمَ أحْبابي بِاللهِ، شَيْءً آخَرً أنْوِي لَنَا، وَهُوَ أَنْ نَتَذَكَّرَ مَعَاً حَياةَ أَحَدِي الشَّخْصِياتِ الَّتِي تَرَكَتْ بَصَماتِها علىَ صَفَحاتِ وَكُتُبِ الآدابِ والتَّاريخ....، إِنَّهُ الحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفِ الثَّقَفِي، فَإذا خُضْنا فِي بَعْضِ حَياتِهِ، بالرَّغْم مِنْ وُجُودِ جِدالٍ حَوْلَ شَخْصِيَّتهِ، فَمِنْهْم مَِنْ يَمْدَحُهُ وآخَرٌ مِنْ يُكَفِّرُهُ وَيَذِمُّهُ، وَالعِلْمُ للهِ بأمْرِهِ، ولَنا نَحنُ أنْ نَنظُرَ إلى الجانِبِ الإيجابي في شَخْصِهِ، ولوْ كانَ تَناقُضً كَما يَرَى البَعْضُ، فَما عَنْهُ يُرشِدُنا إلى أُمُورٍ تُسْعِدُنا أوَّلاً، ثُمَّ تُفيدُنا إذًا كانَ مَا نَجِدُهُ عَنْهُ مَا نَبْحَثْ مِنْ أجلِ مَصْلَحَةِ مَنْ نُحِبْ وَنَعْتَبِرُهُم مَشْرُوعَنا المُفَضَّلِ وَالأكْثَرِ أهَمِيَّةٍ فِي الحَياةِ، وَهُمْ مِنْ آصْلابِِنا ومَنْ نَبْغِي أنْ يكونوا أَفضلَ حَالٍ مِنَّا حَتَّى أنَّنا نُفَضِّلُهُم علىَ أنْفُسِنا .... هُمْ أَوْلادَنا ....هذه الحَقيقَةُ.


فَلَمَّا تَوَلَّى الحَجَّاجُ شُؤُونَ العرِاقِ في العَصْرِ الأُمّوي تَحْتَ إمْرَةِ الخَليفَةُ عَبْدُ المَلِكِ، كَانَ أبْنُ أبِيهِ يَنْعَمُ بِشَخصيَّةٍ وَنَمُوذَجٍ لِلْعِلمِ والتَرْبِيَةِ والأَخْلاقِ وأَسْبابِ النَّجاحِ، مُطَّلِعً علىَ بِحُورِ العِلْمِ وفَضائِل الأَدابِ، مُشابِهً لأبيهِ الَّذِي كَرَّسَ حَياتَهُ لِتَعْليمِ وتثقيفِ أَبْناءَ الطَّائِفِ القُرءَآنَ الكَريمِ، تَطوُّعَاً مِنْهُ دُونَ أنْ يَتَلَقَّى أَجْرً على عَمَلِهِ هَذا، وَهَكَذا مُنْذُ الصِّغَرِ حَفِظَ الحَجَّاجُ كِتابَ اللهِ على يَدِ والِدِهِ، ثُمَّ وَلَجَ إِلى حَلَقاتِ أَئِمَّةِ وَكِبار ِالعِلْمِ من الصَّحابَةِ والتَّابِعِين أَمْثالِ: عبد الله بن عباس، وأنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، وَغَيْرَهُم، ثمَّ إِنخَرَطَ في تَعْليمِ الصُّبيانَ شَأْنُهُ في ذَلِكَ مِثْلُ شَأْنِ والدِهِ، وقَدْ أَثَّرَتْ نَشْأَتَهُ عَلَيهِ في الطَّائِفِ فَأصبحَ بفَصاحَتِهِ نِبْراساً لِلْثَقافَةِ وَالعلْمِ، كَما وَآتَّصَلَ بِقَبيلَةِ هَذيل الَّتي كانَتْ تُعَدُّ أَفْصَحَ العَرَبِ، فَبَرَعَ في مَجالِ الخِطابَةِ، وعلى الرَّغْمِ مِنْ قِيامِهِ بِبَعْضِ الأَعْمالِ الًَّتي تُؤْخَذُ عَلَيهِ، إلاَّ أنّهُ كانَ حَريصَاً على الجِهادِ فَفَتَحَ البِلادِ وتَمَيَّزَ بِإِعْطائِهِ المالَ إِلى أَهْلِ القُرءَآنِ؛ فأَنْفَقَ الكَثيرَ مِنْ أَمْوالهِ على حِفْظِهِ, وَبِمَوْتِهِ لَمْ يُخلِّفْ وَراءَهُ إلاَّ 300 دِرْهَمَ.


هَكذا كانَ نعمَ القَائِدَ ، وَرجلَ عِلْمٍ وَدينٍ وإهتمَّ بالقُرءانِ وَبِمَن أَرادَ العلمَ والبَلاغَةَ، وَقادَ الأمةَ بِكُلِ مَسؤوليَةٍ وَعَرفَ ما هُوَ واجبٌ عَلَيهِ لِيُؤدِّي الأَمانَةَ جَيِّدً، وَنُصِّبَ علىَ الحجاز والياً إذْ ولْلَّاهُ عَبْدُ المَلِكِ، واليَمَنِ أوَّلاً، ثُمَّ على العِراقِ، ولِحْرْصِهِ على الأَمْنِ أَمَر َمَرْؤُوسَهُ أَنْ يَطُوفَ باللَّيْلِ! فَمَنْ وجَدَهُ بَعْدَ العَشاءِ ضَرَبَ عُنُقَهُ، وفي أَحَدِي اللَّيالِي وَجَدَ ثَلاثَةَ صُبْيانٍ فَأَحاطَ بِهِمْ وسَأَلَهُمْ: منْ أَنْتُمْ حَتَّى خَالَفْتُمْ أَوامِرَ الحَجَّاجِ؟ وَهُنا نَستَشعِرُ كَيْفَ كانَتْ الأوامرُ تُنَفَّذُ بِمَسؤوليَةٍ وَمُراعاةٍ، قَبْلَ إتِّخاذِ القَرارِ أوْ مُخالفَةِ الوالي والأَمِينَ على شُؤُونِ النَّاسِ والبلادِ، فَلَمْ يَكُنْ تَردُّدٌ ولا تَهاونٌ فِي تَنْفيذِ الأوامرِ إلاَّ فُسحَةً فِي حالاَتٍ قَليلَةٍ خوفاً مِنْ اِرْتِكابِِ أغْلاطٍ بِحَقِ البعضِ.


فَما كُتِبَ عَنْ هذِهِ القِصَّةِ وَطُرُقِ المُعاملَةِ أجْبَرَ المَرؤوسَ التريُّثَ وآستمعَ إلىَ الصِّبيَةِ، فقَالَ الأَوَّلُ:


أنا ابن الذي دانت الرقاب له
                                             مابين مخزومها وهاشمها
تأتي إليه الرقاب صاغرة
                                              يأخذ من مالها ومن دمها

فأَمْسَكَ عَنْ قَتْلِهِ، وَقَالَ: (لَعَلَّهُ مِنْ أَقارِبِ الأَميرِ!)

وَقَالَ الثَّانِي:

أنا ابن الذي لا ينزل الدهر قدره
                                           وإن نزلت يوماً فسوف تعود ترى الناس أفواجاً إلى ضوء ناره
                                              فمنهم قيام حولها وقعود

فَتَأَخَّر َعنْ قَتْلِهِ وقَالَ: (لَعَلَّهُ مِنْ أَشرْافِ العَرَبِ!)

وَقالَ الثَّالِثُ:

أنا ابن الذي خاض الصفوف بعزمه
                                   وقوّمها بالسيف حتى استقامت
ركاباه لا تنفك رجلاه عنهما
                                    إذا الخيل في يوم الكريهة ولّت

فَتَرَكَ قَتْلَهُ وقالَ: (لَعَلَّهُ منْ شُجْعانِ العَرَبِ!)

فَلَمَّا أَصْبَحَ رَفَعَ أَمْرَهُمْ إِلى الحَجَّاجِ، فأَحْضَرَهُمْ وكَشَفَ عَنْ حالِهِمْ فَإِذا الأَوَّلُ إِبْنِ حَجامِ، والثَّانِي إَُِبْنِ الخَباَّزِ، والثَّالِثُ إِبْنِ حائِكِ.
فتَعَجَّبَ وسُرَّ الحَجَّاجُ منْ فَصاحَتِهِمْ وقالَ لجُلَسائِهِ: عَلِّمُوا أَوْلادَكُمْ الأَدَبَ! فَلَوُلا فَصاحَتُهُمْ لَضَرَبْتُ أَعْناقَهُمْ، ثُمَّ أَطْلَقَهُمْ وأَنْشَدَ:

كن ابن من شئت واكتسب أدباً
                                           يغنيك محموده عن النسب
إن الفتى من يقول ها أنذا
                                        ليس الفتى من يقول كان أبي

ومَا يُشابِهُ هَذا القولَ قَالَ علي بن أبي طالب:

كن ابن من شئت واكتسب أدباً
                           يُغْنِيكَ مَحْمُودُهُ عَنِ النَّسَبِ فليس يغني الحسيب نسبته
                                         بلا لسانٍ له ولا أدب إن الفتى من يقول ها أنا ذا
                            ليسَ الفَتَى مَنْ يقولُ كان أبي


فَالأَدَبُ والعِلْمِ والَّذي هُوَ سِلاحُ وَحالُ الأِنْسانِ الواثِقِ بِقُدُراتِهِ، يُغْنِيهِ عن تَعْريفِ نَفْسِهِ بِنَسَبِهِ، إِنَّمَا يَفْتَخِرُ بِعِلْمِهِ وقُوَّةِ دِفاعِهِ بِالْحُجَجِ والإِقْناعِ، ويَفْلُتَ بِحِكْمَتِهِ مِنْ أَصعبِ المَواقِفِ والأحوالِ، فَإِذا كانَ المُتَكَلِّمُ صَغِيراً بالسِّنِ زادَ هَذا مِنَ الهَيْبَةِ مِنْهُ، وَلَهُ أَنْ يَسْتَغِلَّ النَّسَبَ في كَلامَهِ لِيُهَيِّبَ على الأَخَرين! وإِذا كانَ كَبيرً كفايةً فَإِنْ هَيْأَتَهُ ولَهْجَتُهُ وَكَلامُهُ لَهُ، لِيُحَقِّقَ العِزَّ والتَّأْثِيرَ الفَعَّالِ، فَلَوْ حَلَّلْتُم النَصَّ لايْقَنْتُمْ كَمْ لِلُّغَةِ مِنْ تأثِيرٍ علىَ مَصيرِنا، ورُبَّما هيَ أَقْوَى مَخْزُون إستراتيجي بَقِيَ لنَا، خاصَّةً في هذهِ الأَيامِ والكَلامُ أصْبَحَ سِلاحَ الدِّعايَةِ وَيُصرَفُ عَلَيهِ مَبالِغً طائِلَةٍ.
رجاءً لا تُدْخِلُوا الرُّعْبَ في قُلُوبِ أَوْلادِكُمْ! وَعَلِّمُوهُمْ مَا يُفيدْهُمْ ويَرْفَعْ مِنْ شُمُوخِهِمْ وَثِقَتِهِمْ بأَنْفُسِهِمِ! ثَقِفُوهُمْ وأَدِّبُوهُمْ بالعِلْمِ والقُرْءَآنِ عَلى إتْقانِ العَمَلِ فَالرَّسُولُ قَالَ من عَمِلَ مِنْكمْ عَمَلاً فَلْيُتْقِنهُ!

وَقَالَ الشَّاعِرُ:

ربوا بنيكم ،علموهم، هذبوا
                                           فتياتكم، فالعلم خير قـوام
والعلم مال المعدمين إذا هموا
                                       خرجوا إلى الدنيا بغـير حطام
وأخو الجهالة في الحياة كأنـه
                                               ساع إلى حرب بِغَيرِ حسام
فالجهل يخفض أمـة ويذلــها
                                               والعلم يرفعها أجل مقام


وفَقَنا اللهُ إِصْلاحَ أَوْلادَنا، فَلَذاتِ أَكْبادِنا، على المَعْرِفَةِ والعِلْمِ والإِيمانِ! ولَنا في الحاضِرِ والتَّارِيخِ شَخْصِيَّاتٌ عُظَماءٌ نَسْتَفِيدُ من ماضِيهِمْ لِحاضِرِنا!
لا أَقُول طَبِّقوُا حَرْفِيَّاً ما تَقْرؤُون، قَبِلَ أن تَفهَمُوا وَتُحلِّلُوا ولَكِنْ خُذُوا مِنْ عَلْمِهِم وَاهجُرُوا أخْطاءَهُم، وتَجَنَّبُوا وتَفادُوا زَلاتَهُم!
سَلامٌ عَليكُمْ ورخاءٌ لَكُمْ! وَلكُمْ أن تَخْتارُوا مِمَّا جِئْتُ بِهِ فَهُوَ فائِدَةٌ لَنا! إِنْ شاءَ اللهُ!