كنوز نت - بقلم : د. منعم حدّاد


الحياة حلوة وليس أحلى منها!


  • د. منعم حدّاد


أجل، الحياة حلوة وليس أحلى منها، وهي أحلى من "الحلا" نفسه، وأحلى من الشهد ومن كل ما هو حلو، ولولا ذلك لما لمسنا تمسّك الناس بها، لا في زمن الكورونا ولا في سواه من الأزمنة والدهور.
وما قيل عن الحياة وحلاوتها قد يملأ المجلدات الضخمة الفخمة...

وصحيح أن زهير بن أبي سلمى المزني شكا ولأول وهلة من الحياة، لكن لا، فالممعن النظر في بيته المشهور والقائل:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش
ثمانين حولاً لا أبالك يسأم

إن من يفهم هذا البيت بعمق وبصيرة ثاقبة سرعان ما يدرك أن زهيراً سئم تكاليف الحياة لا الحياة نفسها، وحدث ذلك بعد بلوغه سن الثمانين، وسن الثمانين ليست بالسن التي تمكن بالغها من الحصول على تكاليف الحياة بسهولة ومرونة، فالصحة ليست هي هي، والقوة ليست كما كانت عليه، والذاكرة في تقهقر مستمر، والهمة في تراجع سريع الوتيرة، وليس ثم ما يدعم الجاري وراء تكاليف حياته والتي لا بدّ من الحصول عليها في أيام زهير من الرعاية والغزو والسلب والنهب والغنائم.

ولو لم تكن الحياة حلوة شديدة الحلاوة لما تعلق بها الناس – وعلى رأسهم الأنبياء – حتى النفس الأخير باذلين كل ما في وسعهم لاستمرارها وعدم التفريط بها.

وأول الأنبياء الذين رفضوا التسليم بالقدر وتسليم الروح وتمسكوا بالحياة وتشبثوا بها وبذلوا كل ما في وسعهم للحفاظ عليها كان النبي موسى عليه السلام.

فعندما بلغ الأمر موسى وتم ختم القرار بتسليم الروح وكما تروي الأساطير الدينية العبرية رسم موسى دائرة ووقف في وسطها واحتمى بها ورفض مغادرتها حتى يتغير قرار موته ولبس كيساً وأعلن الحداد وذرا الرماد على رأسه ومن ثم استصرخ السماء والأرض واستغاث بهما ومن ثم استصرخ الشمس والقمر واستغاث بهما وبعدهما الكواكب والنجوم والجبال والتلال والبحر واليابسة واستنجد بكل هؤلاء وبسواهم لعله ينجو من ذلك الأمر المحتوم والمختوم، إلى أن كان ما لا بدّ منه أن يكون وقضى موسى نحبه!

ومثل موسى السيد المسيح له المجد، فالسيد المسيح جاء ليفتدي المسكونة ويعرف أنه سوف يسلم إلى أيدي الأعداء الذين يكيدون له ويصممون على محاكمته محاكمة زور ومن ثم على تعذيبه وصلبه وموته، وكل ذلك افتداء للبشرية جمعاء وغفراناً للخطيئة الأولى القديمة.

ورغم أن رسالته في جوهر هذه المهمة الإلهية السماوية، فعندما كان على جبل الزيتون وقبل تسليمه بقليل صلى قائلاً: يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عني هذه الكاس ولكن ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت".

وعلى درب المسيح وخطى موسى سار ومشى الكثيرون جداً، فمن من بني البشر يستقبل الموت بفرح وحبور وليس بخوف ويأس وألم ورهبة وحزن وغمّ وهمّ وقلق؟

ويقيناً أنه لو لم تكن الحياة حلوة لما تعلّق – أو على الأقل حاول – الناس التعلق بها إلى هذا الحد البعيد.

وعلى درب النبي موسى والسيد المسيح سار أيضاً لقمان الحكيم وهو ما هو عليه من الحكمة والمكانة، ويروى أنه " لما كذّبت عاد هودا" عليه السلام، توالت عليهم ثلاث سنوات، لم يروا فيها مطرًا ، فبعثوا من قومهم وفدًا إلى مكة ، ليستسقوا لهم ورأسوا عليهم ، قيل بن عنق ولقيم بن هزال ، ولقمان بن عاد ، وكان أهل مكة إذ ذاك العماليق ، وكان سيدهم بمكة معاوية بن بكر .


وتوجه ذلك الوفد المسافر لمكة للدعاء، وتخلف لقمان عنهم، وقاموا للدعاء، وكانوا إذا دعوا جاءهم نداء من السماء: أن سلوا ما شئتم، فتعطون ما سألتم! فدعوا ربهم، واستسقوا لقومهم ,واستجاب الله لدعائهم، فأنشأ الله ثلاث سحابات : حمراء وبيضاء وسوداء ، ثم نادى منادٍ من السماء : يا قيل ، اختر لقومك ولنفسك واحدة من هذه السحائب! .. فقال : أما البيضاء فجفل ، وأما الحمراء فعارض ، وأما السوداء فهطل ، وهي أكثر ماء ، فاختارها! فنادى مناد: قد اخترت لقومك رمادًا رمددًا ، ولا تذر من عاد أحدًا ، ولا والدًا ولا ولدًا ! .. وسير الله السحابة التي اختارها إلى عاد...

ونودي لقمان : سل ، فسأل عمر ثلاثة أنسر ، فأعطى ذلك ! وكان يأخذ فرخ النسر من وكره ، فلا يزال عنده حتى يموت! وكان آخرهم لُبد، وهو الذي يقول فيه النابغة :

أضحت خلاء و أضحى أهلها احتملوا ..
أخنى عليها الذي أخنى على لُبد ...

ويروى أن لقمان استاء عندما أزفت ساعة رحيله رغم العمر المديد الذي عاشه وتمنى لو عاش قليلاً بعد....