كنوز نت - الطيبة - بقلم : سامي مدني


كَيْفَ تُصْقَلُ الشخْصِيَّةُ وتُبْنَى الأَخْلاقُ..... هَذا بَيْنَ السُّطُورِ


السَّلامُ عَليكُمْ وَيرحَمُكُم اللهُ بِرَحمَتِهِ!

في كَلامِي اليَوْمَ كَما وَعَدْتُكُم أنْ أَكُونَ صرَيحَاً غَيُورَاً عَلَيْنا، حَضَراتِكُم إخْوتي جَميعَاً....! أقُولُ: "لا ..لا... يَهمُّني مَنْ يَحْسِبُني غَيْرَ مَا أَكْتُبُ، فَمَنْ يَبْغِي أنْ يَسْتَفيدَ وَيَخْتارَ ما يُسْعِدْهُ وَيُعينْهُ فِي الحَياةِ فَلْيَفْعَلْ، ومَنْ لا يَرُوقُ لَهُ كَلامِي فلا تَثْريبُ عَلَيكُمْ اليَوْمَ، فَأَنا كَذلكَ طَالَما أُمِنُ بِاللهِ وأتَوكَّلُ عَلَيْهِ دائماً، فَهُوَ الوَحيدُ مُحَرِّكي وَالْعالِمُ بِأمْري، فَلا يَردَعُني أَحَدٌ عَنْ مُواصَلَةِ عَمَلِ الخَيْرِ والحِوارِ مَعَكُم، وهَذا مَا أرجُو لَكُمْ مِنَ الثَّباتِ والصُّمودِ بِمبادئِكُم الطَيِّبَةِ لأنَّكُم تُؤْمِنُون وَتَتوكَّلُون عَلىَ اللهِ، اًمَّا مَنْ يَعِدُّ نفْسَهُ صاحِبَ أراءٍ مِثاليَّةٍ .... وَهُوَ خَيْبَةٌ للآمالِ، أَقُولُها بِصَراحَةٍ، نَحنُ بَشَرٌ لَسْنا أنْبياءً حتَّى الأنْبِياءُ يُخْطِئُون، وَمَا دُمْنا نَحْنُ أَقَلَّ مِنْهُمْ دَرَجَةً وَمَرتَبةً وهَذا لا جِدالٌ عَلَيهِ، فَمِنهُم مَنْ كَلَّمَهُ اللهُ، عَلَينا إذاً أنْ لا نُسْرِعَ الحُكْمَ علىَ أيِّ شَيْءٍ، قَبْلَ أنْ نَتيَقَّنَ وَنُحَكِّمَ عُقُولَنا، لكيْ نَعْدِلَ وَنَتَوصَّلَ إلى قرارٍ مُناسِبٍ وَرأيِّ سَديدٍ يُعَبِّرُ عَنْ مَوْقفِنا، وَهذا هُوَ مَرْبَطِ الفَرَسِ، والمَغْزَى مِنَ الحَديثِ! أنْ يكونَ واجِبٌ عَلَينا التَّواضُعَ وَنسْأَلَ أَنْفُسَنا عنْ عَواقِبِ الأُمُورِ قَبْلَ كُلِّ خُطْوَةٍ، فَإنَّ مِنَ حَفَرَ حُفْرَةً لأخِيهِ وَقَعَ فِيها، وَكُلُّ مَنْ يَدَّعِي الرَّزانَةَ والعَقْلَ وَالحِكْمَةَ وَالمَعْرِفَةَ، لا يَلِيقُ بهِ أنْ يَكُونَ مِنْ قَلِيلِ العُقُولِ الَّذِينَ تَغْرِيُهم الخُرافاتُ، وَيَتَّبِعُونَ كَلاماً مَعْسُولاً مَشْحُوناً مِنْ قَلِيلِ وقَلِيلاَتِ العُقُولِ، الشَّاذاتِ، الآتِي لَيْسَ كُلُّ جِنْسُهُنَّ طِينَةً واحِدَةً، فَهُناكَ الْعَاقِلاتُ الرَّشِيداتُ المُصْلِحاتُ والدَّاعياتُ الآتي بَارَكَ اللهُ بِهُنَّ، وَهَذا الكَلامُ فَقَطْ مَا يُسْمِنُ وَيُغْنِي مِنْ جُوعٍ.

إخْوتِي بِاللهِ، إنَّ مُجَرَّدَ إنْجِِرارِ الواحِدُ مِنَّا وَراءَ العَمَلِ هَذا هُوَ خطأٌ، فَيَسْعَى ويُثِيرُ الفِتَنَ وَالخِلافاتِ دُونَ أنْ يَترَاجَعَ قَيْدَ أُنْمُلَةٍ بِسبَبِ عِنادِهِ الغَيْرِ مُبَرَّرٍ، والأدْهَى والأَمرُّ أنْ يُصَمِّمَ على اِقْتِرافِهِ لِهذا الجُرْمِ، وَيَتَظاهَرُ بِالاصْلاحِ والعَمَلِ وَالغيرَةِ علىَ مَصْلَحَةِ القَريبِ والبَعيدِ، وَهُوَ أَساسَاً مِنَ المُفْسِدينَ، وَهَكَذا يُصْبِحُ مَنَ الَّذين حَذَّرَنا اللهُ وذَكَرَ، أنَّهُم مُنافِقُونَ فِي الأرضِ وَهُمْ مِنْ أشَدِّ الأَعْداءِ.

وَالوَيْلُ كُلُّ الوَيلِ أَيُّها المُحْترَمُون، لِلَّذين يَنْقِلُونَ الكَلامَ الكَذِبَ وَيَشيعُونَ الفِتنَ وَيُبيحُونَ العَمَلَ بِها، وَيَتَّبِعوُن نساءً كَزَوجَةِ أَبِي لَهَب، إذْ تَسْمَعُ أذانُهُم حينَئِذٍ ما يَرُوقُ لَها مِنْ اِخْتِلاقاتٍ وَعَداءٍ، وَيَشتَرُون بِهَذا ثَمَنَ بَخْسٍ لإرضائِهُنَّ، وإِنَّ كَيدَهُنَّ عظِيمٌ، فَقَالَ اللهُ: "فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ".

هؤلاء هُمْ إخوتي، علىَ طُغْيانِهم وحَماقَتِهم باقِينَ، وقَدْ صُدُّوا وَمُنِعُوا مِنْ تِكرارِ أَعْمالَهم وَهِيَ أشدُّ من القَتْلِ، واللهُ أعْلَمُ بِهِمْ ومَا فِي قُلوبِهم ولَوْ ظَهَرَتْ البَسْمَةُ على وُجُوهِهِم، فَهِي النِّفاقُ والتَّعَصُّبُ طَالَما تعامُوا وَأفْسَدُوا فِي الأَرْضِ وَبثُّوا الخِلافاتِ بَيْنَ النَّاسِ بما كانُوا يَنطِقُون، وكُلُّ هَذا نابِعٌ من مَصلَحَةٍ شَخْصيَّةٍ آنِيَةٍ لا إحتِمالٌ لَها بالنَّجاحِ.


لا أُبالِغُ إذا قُلْتُ أنَّ "الجَهْلَ" والعَمَلَ بِعَكسِ الحَقيقَةِ، هو مَا يَكُونُ غالباً دافِعً مُبَطَّنً، يُآثِرُهُ وَيَسْلُكُهُ كَثيرٌ مِنَ النَّاسِ أَصْحابُ قُلُوبٍ سَوْداءٍ يَمْلَؤُها الحِقْدُ والأنانِيَّةُ، حتَّى أنَّهُم لا يُبْصِرُونَ أبْسَطَ الحَقائِقَ وَالحُلولَ، وَيَبْحَثُونَ بِأفعالِهِم هذِهِ عن شَيءٍ يُسلِّيَهُم، أَوْ أَمْراً يُبْسِطَهُم أو فِتْنَةً يَخْلِقُونها، فَتُشْبِعُ رَغَباتَهُم أوْ مَوضُوعً يَتَقَرَّبُون بِهِ إِلى شَياطِينَهُم لِخْلقِ النِّزاعَ بَيْنَ البَشَرِ، فَهُم مُتقَلِّبُون لأَنَّ هذا طَبْعُهُم مِنْ الأَساسِ، فَهُمْ الكُفَّارُ مِنَ شياطينَ الإنسِ، الَّذين يَتحالَفُون مَعَ إبْلِيسِ الَّذِي وَعَدَ اللهَ إخْلافَهم، لِيُسَهِّلُوا عَلَيهِ إتلافَ المُجْتمَعِ، فَقَالَ اللهُ سبحانُهُ: "قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ".
للأسفِ الشَّديدِ مَا زالَ هُناكَ الكَثِيرُ مِنَ الَّذينَ يَحتَرفُون قَوْلَ القالِ والقيلِ ومُحاباتِ الشَّياطِين، وَيُسارِعُون فِي نَقْلِ الأَخْبارَ وَرُبَّما تَحْريفَها لِيَكونَ أَكْثرَ فِتْنَةً وإلاَمً، لإقْناعِ مَنْ يَقْصُدُون بِتَوصِيلِ المَعْلُومَةَ إليهمْ، كَما يُريدُونَ جاهِزَةً مُجهَّزَةً دونَ أنْ يَخافُوا اللهَ، ولا حاجَةٌ عِنْدَهمْ لِيَتأكَّدُوا من صِدْقِ مَا يَبِثُّون، وَهُمْ بِالأَساسِ لا إهتمامٌ يُشْغلُهُم لِسماعِ الطَرَفَ الأَخَرِ، وَيَكتَفُون سَماعَ طَرَفً واحداً مُناسِبَاً لتَحقِيقِ غايَتَهُم فِي الحَياةِ.

إنَّ التَصرُّفَ هَذا يُوقِعُهُم بِعَداوَةٍ قَدْ تُسبِّبُ لَهُمْ الشَّيءَ الكَثِيرَ خاصَّةً إذًا لَمْ يَتَوقَّعُوا سَلَفَاً رُودُودَ الأَفْعالِ مِمَّنْ يَجرَحُونَ أوْ يُؤْذُونَ بِكَلامِهِم المَسْمُومِ، حِينَئِذٍ قَدْ تَلْتَهِبُ النِّيرانُ وَقَدْ تُحْرِقُهُم وَالَّذينَ حَوْلَهُم، فَلِماذا إذاً .... لِماذا يَبْحَثُونَ عَنْ ضَرَرٍ لأنْفُسَهُم!! أَليْسَ هَذا مَا تَجْني أيادِيُهُم عَلَيهمْ! أَليْسَ هَذا عِقابٌ على ظُلمِهِم، أَليْسَ هَذا مَا يَستَحِقُوا وَقَدْ حُذِّرُوا مِراراً مِنْ سُوءِ تَصَرُّفاتِهم، فأنَّ اللهَ يَكِيدُ وَهُمْ يَكيدُون قَالَ تَعالَى: "إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْـًٔا وَلَٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ"، وَقَالَ تعالى: "ذَٰلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ".

إخْوتي الأَعزاءُ، إنَّ النَّميمَةَ والفَّسادَ وإلْحاقَ الضَّرَرِ بالأخرين حرَامٌ ثُمَّ عَيْبٌ، فَقَدْ نَهاكُم اللهُ عَنْ هَذا وقَالَ سُبْحانَهُ: "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱجْتَنِبُواْ كَثِيرًا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُواْ وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ".
مَا لَكُمْ أحْبابي، لا تَتَّعِظُون وَتَتَّقُون اللهَ وَتَرحَمُون النَّاسَ وَتَنْهَونَ أنْفُسَكُمْ عَنْ تَجْريحِهِم، فَالرَّسولُ قَالَ كَعادَتِهِ لِلْتأْكِيدِ: (ألا أُنَبِّئُكُم بِأكْبَرِ الكَبائرِ؟! أَلاَ أُنَبِّئُكُم بأكْبَرِ ِالكَبائِرِ!! أَلاَ أُنَبِّئُكْم بأَكْبَرِ الكَبائِرِ)؟! ثَلاثَ مَراتٍ، قُلْنا: بَلى يا رَسُولُ اللهِ، قالَ: (الإشراكُ بِاللهِ، وعُقوقُ الوالِدَين)، وَكانَ مُتَّكِئًا فَجَلسَ، فقال: (أَلاَ وقولُ الزُّورِ، ألا وَشِهادَةُ الزُّورِ)، فَما زالَ يُكَرِّرُها حتَّى قُلْنا: لَيْتَهُ سَكَتَ.

أَيُّها النَّشامَةُ والأحِبَّاءُ وَيْحَكُم، فِي الدُّنيا مُعْجِزاتٌ كَثِيرَةٌ، تَعِيشُونَ وَتَرُونَها فِي كُلِّ لَحْظَةٍ مِنْ لَحَظاتِ حَياتِِكُم وَهِيَ حَوَلَكُم ولَكِنْ كَأنَّكُم جاهِلُونَ وَلا تُبْصِرُون، وَلَوْ فَكَّرْنا بُرْهَةً وَنَظَرْنا أمامَنا وَمِنْ خَلْفِنا وَسأَلْنا أنْفُسَنا حَوْلَ مَا هُوَ جارٍ وَمَوجُودٍ، لَفَهِمْنا كُلَّ شيءٍ هُوَ حَقَاً مُعْجِزةً، فالماءُ والهواءُ، والتُّرابُ، والشَّجرُ، والصَّخْرُ، والإِنْسانُ نَفْسُهُ، والأَرْضُ الَّتي نَعِيشُ عَليْها، وَكَمْ وَزْنُها وَهِي مُعلَّقَةٌ بِدُونِ عَمَدٍ وَتَسبَحُ في الفَضاءِ، وَالنُّجُومُ، والغَيُومُ وَ....وَ .....أُمُورٌ تَسْتَحقُّ تَقْديرَ صَانِعِها، فَما بَالُكُم إذاً لا تُفَكِّرُون! وَلَوْ بَقَيْنا نَحْصِي لَمَا كَفَّتْ الأَوْراقُ وَنَفَذَ الكَلامُ وَجَفَّتْ الأقْلامُ، وإنَّ مَا خَلَقَ اللهُ وأنْعَمَ لَيْسَ لَهُ حُدُودً وغَيْرُ قابلٌ لِلْإحْصاءِ، فإلى مَتَى لا نَطَّقِي اللهَ وَنُطيعُهُ ونَبْتَعِدُ عَنْ الشَّرِ، فَالكَذِبِ والنِّفاقِ وَالفَسادِ وَالنَّمِيمَةِ و....وقدْ خُلِقْنا لِهَدَفٍ ساميٍ وَاضِحٍ يُضْفِي عَلَيْنا السَّعادةَ والأَمَلَ وَنَحْنُ عَنْ هَذا غافِلُونَ ساهُون، يَكْفِى بِاللهِ عليكمْ! ... فِيقُوا وَعُودوا لِنُحِبَّ وَنَحْتَرمَ وَنُقدِّرَ وَنُساعدَ وَنُضَحِي و.... هكذا أَفْضَلُ لَنا مِنْ أنْ نُعاتِبَ ونَخْتلِفَ مَعْ بَعضِنا بَعْضَ!