كنوز نت - بقلم : د. منعم حدّاد


في بلادنا: "ناس عزّا وناس معزا"؟


  • د. منعم حدّاد


الأكثرية الساحقة من السلطات المحلية تعمل بتقوى الله وبالمساواة شبه التامّة ولا تفرّق بين مواطن وآخر، تبادر لتنفيذ المشايع حسب الأولويات التي يفرضها واقع الحال وضرورته، تشقّ الشوارع إلى حيث ينبغي أن تشقّها، وتستبدل خطوط المياه المتآكلة بخطوط جديدة، ولا تفرّق بين مواطن وآخر، مصوتاً كان من مصوتيها أو معارضاً لها...

لكن ما العمل وبعض السلطات المحلية يصاب مسؤولوها أحياناً بداء العنصرية والتفرقة والتمييز، فيصبح في فلسفتهم هؤلاء أولى وهؤلاء أقرب وأولئك أحقّ، ولا بد من تفضيلهم وتمييزهم فلولا أصواتهم لما حلم معالي رئيس السلطة بل السلطة كلها بالتربّع على كرسي العرش وارتقاء سدة الحكم، ولا بدّ من مكافأة المؤيدين والذين أوصلوهم إلى حيث هم!

وترى هل هو مال أبيه لكي يصونه ولا يفرط به؟ ثم أن العتمة جاءت على قدر يد الحرامي، وهي فرصة نادرة قد لا تعود أبداً، فإذا أخطأ القدر هذه المرة وأصيب بعمى موقت فقد لا تعود هذه الفرصة ولن تتكرر، لذا فيجب استغلالها جيداً والتعامل مع كل شخص كما يستحقه وحسب قربه من الزعيم، وليس في هذا أي عيب، فلقد قالوا ومنذ زمن بعيد: ناس عزّ(ه)ـا وناس معزا...

وهذه السلطات تسير في ذلك على نهج حكومتنا الرشيدة وتعلمت منها وتتلمذت على يديها، هذه الحكومة التي – ولأول وهلة - لا تفرق بين مواطن وآخر، فالجميع سواسية أمام القانون، وما ينطبق على رئيس الحكومة ينطبق على أقل مواطن، وحقوق الجميع محفوظة ومتساوية في ظل ديموقراطيتنا الفريدة والوحيدة في الشرق الأوسط، وذلك بفضل حكومتنا الرشيدة المتنورة...

وهذه الحقوق ليست منة على أحد من أحد، فهي حقوق يكفلها القانون وتؤيدها التشريعات، ويحترمها الجميع إلى حد أنهم يكادون يعتبرونها مقدسة لأنها ركن من أركان الديمقراطية.

لكن ما العمل والوسواس الخناس خبيث لعين محتال ويحمل البعض على الخطأ ويدفعهم لارتكاب المثالب والنواقص...ويقيناً لو علم بذلك أولو الأمر وذوو الشأن لرفضوا التمييز بين مواطن وآخر أو التفريق بين عربي ويهودي، أو بين يهودي أشكنازي (غربي) وبين يهودي سفرادي (شرقي) وبين يهودي علماني ويهودي متدين "حريدي"!

فهؤلاء العرب ينعمون بالمساواة التامة، خاصة في مواسم الانتخابات حيث يبدأ الحجيج الأعظم إلى معاقلهم، وقد لا يبقى زعيم سياسي مرشح للانتخابات لا يطرق بابهم ويطلب دعمهم، لا من اليسار ولا من الوسط ولا من اليمين، بدءاً برئيس الحكومة الذي طالما استبعدهم وعيّر سواه بهم وبتأييدهم، وانتهاء بأصغر مرشح للانتخابات البرلمانية.

وليت هذه فقط، فالأخ اليهودي يستطيع أن يمتلك العقارات وان يسكن ويقيم في أي مكان يريد ويرغب، فهو ينتمي إلى الناس "العزا"، كما يبدو، أما سواه فلا يجوز له أن يمتلك ملكاً أو حتى أن يسكن في أكثر من مكان، فهو ينتمي إلى الناس الـ"معزا"...

ومثل السكن كذلك أيضاً سياسات التوظيف، فوظائف كثيرة لا يحقّ إشغالها إلا للناس "العزا"، وهي محرمة على الناس الـ"معزا",
ومثل الوظائف الأشغال المختلفة وحتى المقاولات...فهذه أشغال وأعمال لا يجوز للناس الـ"معزا" حتى أو يفكروا في شغلها ولو مجرد تفكير، لأنها وقف على الناس "العزا"...

وليسقط التفريق والتمييز العنصري وملاحقة السود والزنوج في أمريكا وجنوب أفريقيا وعلى القمر والمريخ وعطارد وزحل...
ولا بدّ في نهاية الأمر من استذكار شهداء يوم الأرض الخالد عام 1976 وشهداء هبة الأقصى المجيدة عام 2000 والذين استشهدوا دفاعاً عن الأرض والعرض والوطن، واستذكار كيف عوملوا وقتلوا دون ذنب اقترفوه، ومقارنة تعامل الشرطة "اللاعنصرية"(!!!) معهم مع معاملتها للحريديم في القدس وبني براك والذين لا يقيمون لها وزناً ولا كرامة ولا احتراماً، لا لها ولا لإقفالات الحكومة وقراراتها المختلفة، لأن لهم من "البكايات" ما يحميهم من كل ذلك.