كنوز نت - بقلم : د. منعم حدّاد


بداية نهاية المسيحية في الشرق قديمة جداً!


  • د. منعم حدّاد

يبدو للمتابع كثرة المقالات والدراسات التي تنشر في السنين الأخيرة والتي تتحدث عن الظاهرة المقلقة المتمثلة في تناقص عدد مسيحيي الشرق رغم عراقتهم في هذه البلاد بسبب ما يتعرضون له من اضطهاد وملاحقة وظلم وحيف وجور في بعض البلدان وبسبب أوضاعهم الاقتصادية المتدنية ومحاولاتهم شق الطرق لمستقبل مشرق واعد وتحسين الأوضاع والظروف والجري وراء العلم والمعرفة بواسطة الهجرة والسفر إلى دول العالم الجديد.
وقد يجد هذا وذاك الأسباب في حدث سياسي ما أو حرب معينة ـأو ظهور حركات سياسية أو أنظمة حكم جديدة في المنطقة.

وقد يكون كل ما كتب صحيح ودقيق، لكن لا بد من التأكيد على أن بداية نهاية الوجود المسيحي في الشرق لم تبدأ اليوم وربما أنها قديمة قدم المسيحية نفسها...وأن الأمر قضي والقضية بدأت نهايتها من زمان...

وعلى وجه الدقة وبالتحديد منذ أن كتب واشتهر إنجيل متى والقائل :" يا بطرس، أنت هو الصخرة، وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها، وأعطيك مفاتيح ملكوت السماوات، فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطاً في السماوات. وكل ما تحله على الأرض يكون محلولاً في السماوات".

وتم ذلك عندما توفي القديس بطرس (بغض النظر عن كيفية وفاته) ودفن جثمانه الطاهر في روما (في الفاتيكان اليوم) وانتقل مركز ثقل المسيحية من الشرق، ومن فلسطين بالذات، وفلسطين هي البلد الذي بُشّر بالسيد المسيح فيها، وولد وكبر فيها وعلم وبشر وحوكم وصلب ومات ودفن وقام من بين الأموات فيها وعلى ثراها الطهور، انتقل مركز الثقل المسيحي إلى روما، حيث راح الأباطرة والحكام والساسة الدنيويون(ولأهدافهم الاستعمارية التوسعية) "يبطشون" بالمسيحية و"يمغربون" حتى السيد المسيح نفسه، ومثلهم البابوات، وينصبون أنفسهم مسؤولين عن المسيحية وعن جميع مسيحيي العالم، وذلك بعد أن "استولوا" على المسيحية وسيطروا عليها دونما وجه حقّ، ولما اعتنقوها – وبخاصة قبائل البرابرة الجرمان منهم - اعتنقوها ظاهرياً ليلبسوها لباسهم الخاص بهم ويسكبوا مضامين حضارتهم الوثنية في داخل آنيتها ويحولوها إلى مسيحية تعتمد الكثير الكثير من العادات والتقاليد والممارسات الوثنية السابقة التي استمروا في أدائها واتباعها حتى بعد اعتناقهم المسيحية...!

وهكذا راحت الرئاسات الدينية المسيحية الغربية تنمو وتكبر وتزيد من قوتها وجبروتها في الغرب وتنصب نفسها مسؤولة عن جميع مسيحيي العالم، وتحكم من الغرب مسيحيي العالم بأسرهم، مهما كانت الكنيسة التي ينتمون إليها، وترى: أية كنيسة من الكنائس المسيحية تعترف برئاسات شرقية محلية أو يرقى بها رجال دين شرقيون إلى مناصب رفيعة ومراتب عليا؟

وحتى لو "تحسنوا" على بعض الشرقيين بدرجات كهنوتية أعلى فقد لا نراهم يتمتعون بسلطات كنسية تؤهلهم لفعل أي شيء من شأنه المحافظة على الوجود المسيحي في الشرق اللهم باستثناء التصريحات المجلجلة المدوية والبيانات الرنانة الطنانة!

ولقد سيطر هؤلاء الغربيون مثلهم مثل كل استعمار آخر على المقدسات والأوقاف والمقدرات المسيحية الشرقية وتصرفوا بها على كيفهم ورغائبهم وهواهم، تماماً كما تفعل كل سلطة استعمارية غربية!

وبلغ الاستعمار الغربي للمسيحية الشرقية حداً يقوم فيها حتى الكهنة صغاراً كانوا أو كباراً بتغيير أسمائهم العربية إلى أجنبية غربية: فما أن ينال أحدهم شرف الكهنوت حتى يكون قد سارع واختار لنفسه (أو ربما اختاروا له) اسماً غربياً، وكأن الاسم الغربي يضيف له قداسة على قداسة، لا يوفرها له اسمه الشرقي!

وزاد الطين بلة "الامتيازات الأجنبية" التي منحتها الإمبراطورية البيزنطية ومن بعدها الدولة العثمانية ومن بعدهما الدولة الروسية لرعايا الدول الأجنبية (أي الغربية!) من حقوق ومن امتيازات وإعفاءات مختلفة مما مكن تلك الدول من بسط سيطرتها على المسيحيين مواطني هاتين الإمبراطوريتين العظيمتين.

وكانت هذه الامتيازات تأتي كلها على حساب المسيحيين الشرقيين المحليين وتجعلهم لقمة سائغة في أفواه المستعمرين الغربيين الذين أفلحوا في انتزاع هذه الامتيازات من أصحابها...

وجرى كل ذلك ويجري بالتواطؤ مع الحكومات المحلية التي يتعاونون معها مقابل منافع مختلفة وتجنيد الكثير من الرؤوس المحلية الكبيرة والجوفاء والفارغة والتي يتم شراؤها بالفتات لتمرير تلك الدسائس والمؤامرات التي تقضي على مسيحيي الشرق شيئاً فشيئاً لمصلحة أولئك "الأسياد" الآتين من حيث لا يدري أحد!


وماذا استفاد مسيحيو الشرق من رئاساتهم الغربية؟ وماذا قدمت لهم هذه الرئاسات؟
نشروا مذاهب وطوائف وبدعاً جديدة ابتدعها الغرب بين ظهرانيهم و"بشروهم" بها ليضموهم إلى طوائفهم ومذاهبهم ربما لقاء فتات؟
بنوا لهم الكنائس والمزارات ليديروها بأنفسهم وليسيطروا هم عليها ويخصصوها لاستقبال "جماعاتهم" السياح الغربيين فيها؟
بنوا لهم المدارس؟
ترى ألم يبنوها ل"تدجين" المحليين وصهرهم في بوتقتهم وتشكيل شخصياتهم على هواهم؟
وهل علموهم مجاناً أم مقابل رسوم وأجور باهظة؟
بنوا لهم المستشفيات؟
وكم مريضاً محلياً عالجت هذه المستشفيات مجاناً؟؟؟
آه، رحبّت بهم عمال نظافة وصيانة وما إلى ذلك!
لمن بقيت وما زالت ملكيتها تعود؟ أللمحليين أم لأولئك الآتين من الغرب؟
في الماضي وعلى مر العصور كانت في الشرق ممالك مسيحية مزدهرة وقوية وملوك أشداء، فأين هم اليوم؟
ومن قضى عليهم؟
وأي دعم قدّم الغرب لهم؟

وليس على من يشكّ في ذلك إلا أن يراجع التاريخ ويطّلع على الممالك المسيحية والملوك المسيحيين الذين ملكوا في هذا الشرق وحكموه لمئات السنين!
منطقة المرفقات