كنوز نت - بقلم :د. منعم حدّاد


الدراهم كالمراهم...!


د. منعم حدّاد


هكذا يقول الناس، ويكملون القول: بتعمل للنذل حال!
إن لم يكن كل الناس وهذا مستحيل طبعاً فعلى الأقل قسم لا يستهان به منهم!

فكما أن المراهم تشفي ألأسقام والعلل والأمراض (الجسدية؟) فكذلك الدراهم تشفي النفوس الطامعة والحاسدة والحاقدة والمريضة وترفع الوضيع وتمنح عديم الثقة ثقة وفاقد الكرامة كرامة وشرفا" ومحتدا"... بعد أن يكسب المال ويصبح ثرياً!

وللمال أهمية قصوى في حياة البشر، خاصة في العصور الحديثة، حيث أصبح امتلاك المال مفتاح الدخول إلى الحياة المترفة وإلى الرفاهية...
وما أكثر ما قالوا في مدح المال وامتلاكه، وهجاء المال والتنديد به، لكن التاريخ خلد كرام الناس كما خلد بخلاءهم!
وما قيل عن المال في الكتب المقدسة والشعر والأدب والأمثال ما يملأ المجلدات الضخمة...

وحتى الأنبياء تعرضوا للمال، ففي الإنجيل المقدس أكثر من مكان قيل فيه أن الإنسان لا يستطيع أن يعبد ربين، فإما الله وإما المال!
وما زالت الأكثرية الساحقة من الناس تحصل على المال بالطرق الشريفة وبعرق الجبين وعن جدارة واستحقاق!
والبعض ينسى الله سبحانه تعالى فيهمل عبادته أثناء جريه اللاهث خلف المال لتحصيله وتكديسه، ناسياً أو متناسياً أنه لن يأخذ معه شيئاً من المال في نهاية حياته!

لكن بعض الناس يولدون ونفوسهم شريرة، جائعة، طماعة، حاسدة، فلا يتورعون عن اتخاذ كل ما يمكن اتخاذه من وسائل مشروعة أو غير مشروعة لكسب المال، فهم يحتالون في ذلك ويتفننون في أساليبهم ووسائلهم الملتوية، ولا عجب إن وجدنا بين عابدي المال هؤلاء أنماطاً بشرية من كل طبقات المجتمع ومن كل الأجناس والأعراق والألوان والشعوب...

هؤلاء يبدعون طرقاً وأساليب شيطانية لتنفيذ مآربهم الدنيئة، لا يتورعون عن شيء ولا يترفعون عن رذيلة، يغلفون الكذب والنصب والدجل والاحتيال بأغلفة براقة لماعة عاكسة للأشعة الطيبة المسلطة صوبهم، ليخدعوا ويضللوا الآخرين ويستولوا على ما كسبوه بجدهم وجهدهم ونشاطهم وعرق جبينهم...

وكثيراً ما نجد بين هؤلاء من يتقن بحكم عمله الدجل والكذب والاحتيال، ولنأخذ مثلاً محامياً تخصص في تفسير القوانين والالتفاف عليها لينجو موكلوه من عقاب أليم، فهذا قد يقوم باختراع الوسائل والأساليب المنبوذة لكي يحصل على المال من موكليه دون وجه استحقاق، وإن عجز في غيه المباشر فقد يلجأ إلى التحالف مع آخرين مثله من ذوي النفوس المريضة لتحقيق مآربه!

وهذا دون شكّ من أوائل فاقدي الضمير وعديمي الشرف والأخلاق الكريمة.

ومثله الطبيب الذي لا يصف لعواده الدواء الشافي وإنما يماطلهم ليستدرجهم المرة تلو الأخرى ليزيد رصيده البنكي، وليتقاضى "رسوم" الزيارة مرة بعد أخرى، وهذا يلحق بسابقه في الخداع والتضليل والنذالة وقد يسبقه.

ومثلهما البناء الذي يستأجره أحدهم ليقيم له مسكناً يأوي إليه هو وزوجته وأطفاله، ويضع تحت تصرفه كل ما استطاع توفيره وجمعه على مدى سني حياته كلها، فيستغل ذلك البناء الظرف ويبني بناء غير صامد سرعان ما سيحتاج إلى ترميم وتجديد ليعود ويقوم بالعمل هو نفسه ويتقاضى الأجور مرة أخرى...

ومثلهم الكثيرون الآخرون...

والحقيقة أننا نجد في كل مجالات الحياة والعمل تقريباً نماذج وأنماطاً من هذا القبيل، ديدنها المراءاة ودستورها الكذب والخداع والتضليل، تدعي في العلن أنها تعبده جل شأنه، بينما تعبد في الواقع والخفاء المال ولا شيء غير المال وتتخذه منه ربّاً وإلهاً!