كنوز نت - الطيبة - بقلم : سامي مدني




  • ثلاثةٌ هي أرواحُ الإِنْسانيةِ، قَوْلُ السَّلام وارساءُ السِّلْمِ وإتمام التَّسامح والمضي بِهِ!


السَّلامٌ عَليكُمْ فِي كُلَّ يَوْمٍ وَحِينٍ وَفِي كُلِّ مَكان!



أَيُّها الإِخْوَةُ يا مَنْ أَعِزُّهُمْ بِالإسلامِ! سَلامٌ عَليكُمْ، سلَامٌ مُعَطَّرٌ وَرُفُوفُ القُلوبِ تَحُومُ حَولَكُم، وَتُشِعُ بِدَوَرانِها كَأَنَّها لؤْلؤً مَكْنُونٌ وَنجومً مُطَرَّزَةٌ بأَسْماءِ اللهِ الحُسْنَى.

هِيَ الحُسْنَى مِنَ الأَسْماءِ يُنادِي بِها اللهُ المَوْلَى جَلَّ جلالُهُ ذاتَهُ، تَعْبِيراً عنْ عَظَمَةِ شَأْنِهِ، وإنَّها رُمُوزً وَمُصْطَلحاتٍ مِنْها نَستَخلِصُ لأنْفُسِنا تَعاليمَ الأَخْلاقِ والتَّرْبِيَةِ، والَّتِي لا تَكْتَمِلُ إِلاَّ بِمَنْ حَفِظَ لِنفسِهِ الكَمالَ والهَيمَنَةَ والفَخامَةَ والإجلالَ لِعَظَمَتِهِ.

هِيَ قُدُراتٌ وَصِفاتٌ لَيْسَ لِغَيْرِ اللهِ لَهُ بِها خُلوٌ مِنَ العَيْبِ، أمَّا لِغَيْرهِ فَإنَّها تَكُونُ دافِعاً وَحافِزً وَمعَنوِيَّةً وَمُحاوَلَةً لإرْضاءِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَهُوَُ اللهُ الإلَهُ المُنَزَّهُ عَنْ الخَطَىءِ والقُصُورِ وَالنُقْصانِ، وَإنََها تَأَكيدٌ علىَ حَقِّ اللهِ بِالانْفِرادِ بِصِفاتِهِ أَمامَ خَلْقهِ، فلا يَجُوزُ إذاً أنْ نَتَوجَّهَ للبَشَرِ وَنُنِادِيَهُمْ بِها، إلاَّ كلامً قَبْلَها أَوْ بَعْدَها تَكُونُ إِليْهِ تابِعَةً، وَهَكَذا لا نَغْفَلُ أوْ نُقَلِّلُ مِنْ فَحْواها لِمَنْ أوْجَدَها، فَلا تَكُونُون حَضَراتُكُمْ أنْتُمْ أولَ مَنْ نَسُوا اللهَ فأنْساهُم أنْفُسَهم، فِي حِينِ تَحاوِلُون التَصَرُّفَ بالمَعْرِفَةِ وَالأُصُولِ عِنْدَما تَمْدَحوُنَ وَتُكَرِّمُون أَحَدَى البَشَرِ مِمَّنْ تُريدُونَ وَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ.

إِنَّ كَلِمَةَ السَّلامِ ومَا تَحْمِلُ مِنْ المَعانِي، هِيَ أَرْقَى وأعْظَمُ المُصْطَلَحاتِ ومَواقِفُ الإِتِّفاقِ والتَّعاوُنِ مِنْ أَجْلِ الوِحْدَةِ بِنَفْسِ المَصِيرِ، فَذَكَرَ اللهُ فِي كِتابِهِ، "إِذا جَنَحُوا لِلْسِلمِ فَاِجْنَحْ"! والمُرادُ المَيْلُ لِلْسِلْمِ والعَمَلِ بِنِيَّةٍ مُخْلِصَةٍ صادِقَةٍ، لِتَعِمَّ الرَّفاهِيَّةُ والحَياةُ الكَرِيمَةُ لِلبَشرِيَّةِ جَمْعاءِ، وتَكُونُ المُساواةُ والمُشارَكَةُ مِنَ الجَمِيعِ عِنْدَ إِتِّخاذِ القَراراتِ، فَتَتَوَفََّرُ فُرَصُ العَمَلِ وَعَوامِلُ الحَياةِ كَالماءِ والغِذاءِ والمَلْبَسِ والمَسْكَنِ، فَيَشْعُرُ النَّاسُ بالأَمْنِ والأَمانِ، وتَزْدَهِرُ البِلادُ وتَتَطَوَّرُ ثُمَّ يَعِيشُونَ في بِيئَةٍ تَنْظُرُ للجَمِيعِ وتُعامِلُهُمْ بالتَّساوِي، بأمورِ وَمُقَوماتِ البقاءِ وَالعَدْلِ وَالقانُونِ، وَهَذا مَا يَدْعَمُ الإِقْتِصادَ وَيُوَفِّرُ الأساسياتِ حَتَّى لِمَنْ لا يَسْتَطيعُ جِسْمانِيَّاً أَوْ نَفْسِياً، مَا يَضْمَنُ لَهُمْ العَيْشَ الكَريمِ كَغَيْرِهِم!

قَالَ تَعالَى: "وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ"! وفي الآيَةِ الَّتي سبِقَتها قَالَ اللهُ تَعَالى: "وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ".
فالسَّلامُ المَبْنِي على الإِذْلالِ والتَحَكُّمِ بالطَّرَفِ الأَخَرِ مِنْ مُنْطَلَقِ القُوَّةِ لَيْسَ بِسَلامٍ وإِنَّما إسْتِسْلامً! وهذا ما يَنْكِرُهُ وَيُحارِبُهُ وَيَنْهى الدِّينُ عَنْهُ ويُعارِضُهُ، وَلا يُؤْمِنُ بِهِ كُلُّ إِنْسانٍ حُرٍ يُفَضِّلُ السَّلامَ مِنْ مُنطلقِ المَصْلَحةِ المُشْتَرَكَةِ، وَلا يَقْبَلُ إِلاَّ بِالكَرامَةِ وَعًِزَّةِ النَّفْسِ، دُونَ الخُنُوعِ وَالضَعْفِ إِنَّما مِنْ شِيَمِ الأَخْلاقِ والآتْكالِ علىَ اللهِ.

وَاللُّجُوءُ إخْوتِي، لِلسَّلامِ والقُبُولُ بِهِ وأَنْتَ قَوِيُّ، هُوَ نَصْرٌ لَكَ بِغَيْرِ قُوَّةِ العُنْفِ والسِّلاحِ، إِنَّما بالتَّهَيُّؤِ والآسْتِعْدادِ بِكُلِّ الأَحْوالِ مِنْ عِدَّةٍ، وهَذا دَلِيلٌ قاطِعٌ أنَّكُم أقْوِياءٌ وَتعْفُونَ عِنْدَ المَقْدِرةِ.

فَالصُّلحُ والَّذي يَرْسُو السِّلْمَ بَيْنَ الأَهْلِ وأَوْلادِهِمْ، وَبَيْنَ النَّاسِ مَعَ بَعْضِهِمْ، والدُّولِ فِيما بَيْنَها، هُوَ المَطْلُوبُ أَيضاً بَيْنَ الزَّوْجِ وزَوْجَتِهِ، أَمَّا التَّصالُحُ معَ اللهِ والعَمَلُ بِأوامِرهِ وهوَ الأَهَمُ لَيْسَ فِيهِ شروطٌ، لأَنَّه جِيءَ مُخَصَّصٌ لمَصْلَحَةِ وَفائِدَةِ الخَلْقِ وَاللهُ غَنِيٌّ عَنِ العِبادِ.


أنَّ المَنطقَ يُحَتِّمُ عَلَيْكُمْ أَنْ لا تُفاوِضُوا قَبْلَ أَنْ تَكُونُوا أَقْوِياءً ومُسْتَعِدِّين، غَيْرَ قابِلِين بشعورِ الضَّعْفِ والهَوانِ!

وإِنَّ آسْتِعْمالَ قُوَّةَ السِّلاحِ أعِزائي مرفوضٌ! وَالإعتِمادَ والتَمَسُّكَ بِالحِكْمَةِ والعَقْلِ والعِلْمِ والمَعْرِفَةِ التي يَجِبُ أَنْ تُسارِعُوا إِلَيْها لِتُثْبِتُوا وُجُودَكُمْ وَتَردَعُوا المُعْتَدِي، هِيَ النجاحُ الَّذِي لاَ يَجُرُّ إِلاَّ إِلىَ مُستَقْبَلٍ أجْوفٍ الَّذِي تَنقُصُهُ الطَّمأنِينَةُ وَراحَةُ البَالِ.

وفَّقَكُمْ اللهُ أَيُّها الأَعزاءُ، وَمَدَّكُم بِالعِلْمِ والثَّقافَةِ وروحِ التَّأنِّ وَالتَّرَوي فِي إتِّخاذِ القَراراتِ، وَهَذا الَّذِي نَحنُ نُحَبِّذُ وَنَحْتاجُ إِليْهِ لِنُقَلِّلَ مِنَ العُنْفِ وَما يَنْجُمَ عَنْهُ، إِنْ شاءَ اللهُ!

السَّلامُ عَليكُمْ ويَرْحَمْكُمْ اللهُ بِنُور ِالهِدايَةِ والمَعْرِفَةِ لنُشَجِّعَ بَقاءَ رُوحَ الأخوَّةِ والسَّلامِ والتَعامُلِ بالاحتِرامِ المُتَبادَلِ فِي الحَياةِ، الَّتِي تُقَوِّي أسُسَ السِّلْمِ وَالسَّلامِ علىَ مُختَلَفِ المُستَوَياتِ، وتزيد مِنْ المَوَدَّةِ والتآلفِ والتَّسامُح وَتُقَلِّلُ مِنْ الشَّحْناءِ والتَّباغُضِ!

 أَعِزَّائِي المُحتَرَمُون، فلنبقَ علىَ مَا نَحنُ وَنَتَسلَّحُ بالقَولِ ؛ السَّلامُ عَليكُمْ لِلصَّغِير وَالكَبِيرِ وَنُكَرِّرُها مَا دُمْنا نُقابِلُ بَعْضً في كُلِّ فُرْصَةٍ عُدْنا، بَعْدَ أَنْ حَجَبَ بَيْنَنا حائِلٌ ولوْ لِبُرْهَةٍ قَصِيرَةِ مِنَ الزَّمَنِ ، فالرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ حَثَّنا علىَ قَوْلِ السَّلامُ عَليكُمْ، بقولِهِ: "والَّذي نَفْسِي بِيَدِهِ، لا تَدْخُلوا الجَنَّةَ حتَّى تُؤمِنُوا، ولا تُؤمِنُوا حتَّى تَحابُّوا، أفَلا أدُلُّكُم علىَ شيءٍ إذا فَعَلتُمُوهُ تَحابَبْتُم؟ أفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُم"، فَهذا الَّذِي يُثْلِجُ القَلْبَ بالمَحَبَّةِ والأُلْفَةِ والتَّقارُبِ وَيُشَجِّعُ العَطاءَ والتَضحِيَّةَ وَالحُبَّ والتَّسامُحَ!