كنوز نت - بقلم : د. منعم حدّاد


عن "الختان"



تحتفل بعض الكنائس المسيحية بما فيها الشرقية منها بعيد ختان السيد المسيح في اليوم ألأول من كانون الثاني من كل عام، وذلك في اليوم الثامن لميلاده ومنحه الاسم الذي سيلازمه مدى الحياة، وذلك جرياً على العادات والتقاليد اليهودية كما تشير المصادر المختلفة. 

ويندرج الختان لدى بعض الشعوب ضمن العادات والتقاليد والممارسات (أو طقوس العبور) المرتبطة بمراحل الانتقال التي يمر بها الإنسان في حياته، وتلي الولادة وتسبق البلوغ.

ويعيد كثيرون من المسيحيين أصل الختان، هذا التقليد "المقدّس"، إلى التقاليد اليهودية، اعتماداً على ما جاء في سفر التكوين(17:9-14) حيث يخاطب الله إبراهيم قائلاً: «وَأَمَّا أَنْتَ فَتَحْفَظُ عَهْدِي، أَنْتَ وَنَسْلُكَ مِنْ بَعْدِكَ فِي أَجْيَالِهِمْ. هذَا هُوَ عَهْدِي الَّذِي تَحْفَظُونَهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَبَيْنَ نَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ: يُخْتَنُ مِنْكُمْ كُلُّ ذَكَرٍ،َ تُخْتَنُونَ فِي لَحْمِ غُرْلَتِكُمْ، فَيَكُونُ عَلاَمَةَ عَهْدٍ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ. ابْنَ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ يُخْتَنُ مِنْكُمْ كُلُّ ذَكَرٍ فِي أَجْيَالِكُمْ.. .خْتَنُ خِتَانًا وَلِيدُ بَيْتِكَ وَالْمُبْتَاعُ بِفِضَّتِكَ، فَيَكُونُ عَهْدِي فِي لَحْمِكُمْ عَهْدًا أَبَدِيًّا. أَمَّا الذَّكَرُ الأَغْلَفُ الَّذِي لاَ يُخْتَنُ فِي لَحْمِ غُرْلَتِهِ فَتُقْطَعُ تِلْكَ النَّفْسُ مِنْ شَعْبِهَا. إِنَّهُ قَدْ نَكَثَ عَهْدِي".

وهذا يعني أن الختان تقليد مقدس يستمد قدسيته وخصوصيته من الكتاب المقدس، ومحصور في إبراهيم ونسل إبراهيم، ووصل إلى المسيحية عن طريق اليهودية التي "رفدت" المسيحية بالكثير الكثير مما فيها!

أو هكذا يخيل للمرء للوهلة الأولى!
ولكن هل هذه هي الحقيقة؟ وهل الختان "وقف" على نسل إبراهيم والشعب اليهودي حصراً؟ أم غير ذلك؟

ولو عدنا للمصادر المختلفة لرأينا – على سبيل المثال – أن الموسوعة ويكيبيديا تقول فيما تقوله عن تاريخ الختان :" يُقدّر البعض بداية إجراء الخِتان بفترة 4000 قبل الميلاد بينما يَرِدها البعض إلى النبي إبراهيم (2000 قبل الميلاد)" أي أن الختان سبق أن مارسه الناس قبل ابراهيم بألفي عام على الأقل!

وتقول مصادر أخرى إن "مصر الفرعونية أول من طبقته على البالغين.. شعوب قديمة جعلته عقوبة فى زمن الحرب.. اليهودية حولته لدليل انتماء.. وأفريقيا رمزت به للشجاعة واختبار للرجولة".

و"أرجع علماء غربيون أصول الختان إلى مصر القديمة، لكن العديد من العلماء يعتقدون اليوم أن أصل هذه الممارسة كان يحدث بالغرب والشرق الأوسط، ويعود إلى أبعد من ذلك، وينشأ مع سكان جنوب الجزيرة العربية وأجزاء من أفريقيا على مدى آلاف السنين"، ويضيفون "كان الختان يستخدم فى الغالب طقوسًا دينية، أو نوعًا من قياس درجة الرجولة وشكلاً من أشكال العقوبة فى زمن الحرب".

أما كتاب "أسطورة الشريعة الشفهية" ("מיתוס: התורה שבעל פה") فيقتبس قول الحاخام موشيه بن بورات القائل إنه لولا الشريعة الشفهية لما عرفوا كيف يجب تنفيذ هذه الوصية"(الختان)، ويلي ذلك قول الحاخام افرايم كحلون القائل:"إنه لولا الشريعة الشفهية لما عرفوا ماذا يقطعون: "شحمة" الأذن؟ الأنف؟ "جفن" العين؟ 

ويدحض مؤلفا الكتاب المذكور زعمه هذا قائلين إن الوصية أعطيت لابراهيم قبل إعطاء التوراة لموسى على جب سيناء بمئات السنين، فيكف يتفق الرأيان وما علاقة هذه بتلك؟؟؟

ويسترسل المؤلفان في كلامهما ويقولان إن البحث المعاصر أثبت أن ختان الذكور لم يكن خاصاً بشعب إسرائيل، وقد كان معروفاً وشائعاً لدى شعوب كثيرة وفي أماكن عديدة، ويسوق الباحث الكبير البروفيسور بنيامين مازار شهادات من مصر ومن سوريا ومن آسيا الصغرى تثبت أنه حتى في الألف الثالث قب الميلاد (وقبل عصر إبراهيم بألف عام) كانوا قد ختنوا الذكور هناك. ويبدو أن إبراهيم الخليل أخذ تلك العادة أو التقليد عن تلك الشعوب التي مارسته قبله بآلاف السنين!

أما الباحث الكبير البروفيسور نيسان روبين فيفصّل ويفسّر ويضيف "أنه تتوفر من مصر منذ أواسط الألف الثالث قبل الميلاد شهادة على نقش بارز تظهر كيفية عملية الختان، كما تتوفر من مصر شهادات وصور وتماثيل لرجال عراة وحتى من المومياءات تظهر بعضهم وقد جرى ختانهم... ويبدو أنه لم يشمل واجب الختان الجميع في مصر وإنما فقط الكهنة، ويتحدث هيرودوتوس (أبو التاريخ) عن الختان في مصر وفي سوريا وفي آسيا الصغرى".

كما عرف الختان قديماً عند العرب وعند الأحباش وعند الفينيقيين أيضاً... وكما يذكر الكتاب المقدس الختان لدى شعوب المنطقة كالمصريين وساكني عبر الأردن والصيداويين، أي أن الختان كان معروفاً لدى شعوب المنطقة قديماً، وقبل إبراهيم الخليل بألف عام وأكثر.

وهذا يؤكد أن عملية الختان ليست يهودية الأصول ولا الجذور...

أما علماء الأنثروبولوجيا والفولكلور من أمثال البروفيسور دوف نوي فيرون أنهم كانوا في أزمنة موغلة في القدم ينذرون الأطفال للمعبد أو للهيكل، وأن الشعب نفسه ملك للمعبد أو الإله، ثم أنه تطورت أشكال من الصراع بين الإنسان والقوى الغيبية الخفية، ولهذا الصراع أشكال ثلاثة: صراع المواجهة كصراع يعقوب مع الملاك على نهر اليبوق (الزرقاء) في الأردن أثناء عودته من حاران، وصراع الاحتيال أو الخداع كتغيير الاسم أو التخفي وما شابه لتضليل الأعداء، وصراع الحلول الوسطى حيث يجري الاستعاضة عن الضحية الكاملة بجزء منها، وبعد أن كانوا في العصور القديمة يقدمون الأطفال قرابين، بما في ذلك قرابين للمولوخ في وادي بن هنوم بجوار القدس، أصبحوا يقدمون جزءاً صغيراً بدلاً من الكل...