كنوز نت - بقلم : د. منعم حدّاد



حكم "اللطشوقراطية"!



يخيل للناظر أحياناً وهو يتابع أخبار توقيف أو اعتقال أو التحقيق مع بعض مسؤولي السلطات المحلية أننا نعيش في فترة حكم اللطشوقراطية، أي حكم اللطش والهبش والسلب والنهب وملء الجيوب والأعباب من المال العام، إن كان بشكل مباشر أو غير مباشر، ونحن نؤكد أولاً وقبل كل شيء أننا لا نقصد شخصاً ما بعينه، ولا سلطة محلية معينة، وإنما نكتب عن ظاهرة كثيراً ما تخصص لها الأخبار وتفرد لها صفحات الجرائد والمواقع الالكترونية.

فقد ابدع العقل البشري فيما أبدع على مر العصور أنماطاً من الحكم، من ديموقراطي للشعب فيه السلطة العليا، إلى دكتاتوري، ينفرد بالسلطة فيه حاكم مستبد، إلى ثيوقراطي، يستأثر فيه بالحكم رجال دين وعقيدة وإيمان، أما ما نراه اليوم في بعض الأحيان فقد يجدر تسميته باللطشوقراطي لأنه يقوم على اللطش والسلب والنهب.

فوضع بعض السلطات المحلية أصبح أسوأ من الأوضاع في لبنان، حيث يحكم البلاد مجموعة من الانتهازيين والوصوليين والطامعين والفاسدين والمفسدين...وحتى حكم العشائر في عصور ما قبل الإسلام كان أفضل وأكثر عدلاً واستقامة...

وابتدعوا الحكم المحلي ليخفّف الأعباء عن كاهل الحكم المركزي وليقدّم الخدمات الجليلة – لا الحقيرة والبائسة – للمواطنين الذي يشملهم هذا الحكم، فإذا به يصبح بين ليلة وضحاها في بعض – لا في كل ونؤكد ونشدد على جملة لا في كل – السلطات المحلية وسيلة للثراء والسلب والنهب والهدر من المال العام، من جانب المسؤولين و"جماعاتهم"، إن كان بشكل مباشر أو غير مباشر.

وأصبح الإئتلاف والإدارة في مثل هذه السلطات الفاسدة أشبه بقبيلة أو عشيرة تتشكل من البطون والأفخاذ والحمائل، وتقسم بناء على قربها من ذوي الشأن الهبات والصلات والعطايا، فأصبح دستور النهب والسلب واللطش والبطش يقول إن الأقربين أولى بالمعروف و"أطعم الفم تستحي العين"، وكل امريء يحصد ما زرع ويجني ما سبق أن دفع (وجنّد) من أصوات ومؤيدين وهتّافين ومدّاحين والمقايضة واضحة والمبايعة علنية وعلى رؤوس الأشهاد...

وليس الأمر متوقفاً على الدفع النقدي، فهذا قد يورّط فاعليه إذ لا بدّ من وصولات وحسابات وشيكات وحوالات قد تؤدي بأصحابها إلى غرف التحقيق وردهات المحاكم وغياهب السجون ولا ينجو من ذلك أحد.

فحتى معالي وزير الداخلية نفسه كان قد حوكم وأدين وقبع في غياهب السجن زمناً ثم خرج وعاد إلى حيث كان في الزمن الماضي وتبوّأ منصبه الرفيع السابق وكأن شيئاً لم يكن وراح يحكم ويرسم ويصول ويجول من جديد ويدعم هنا وهناك ويقايض بمن وبما يملك حتى أكبر رأس في الحكومة وقد يملي عليه شروطه إذا لزم الأمر...

إذن فالهبش النقدي محرم وتحف به المخاطر والمزالق...والعقل البشري لن يعجز عن ابتكار وسيلة تقي أصحابها شر التحقيق والتوقيف والاعتقال والمحاكمة... والشعار السائد هو قول الشاعر:


لك المرباع منها والصفايا
وحكمك والنشيطة والفضول

فالوظائف المجزية يلونونها بلون الثقة (משרת אימון) أي وظائف ثقة لا يفوز بها إلا من كان مقرباً وموضع ثقة للزعيم وكما تقول العجائز "له فم يأكل وليس له فم يحكي" يكتم السر ويحفظ الظهر ويصون العهد ويلتزم بالوعد...

ومن هم الذين ينالون الثقة عادة إن لم يكونوا من الأهل والأقارب وأقرب المقربين؟

والوظائف المحلية الأخرى تكون من نصيب الأقل قربى من الزعيم، وقد يكون وعلى الأرجح ممثل الكتلة الثانية من حيث عدد الأصوات ودعمهم للزعيم الأوحد الوحيد، وحيد عصره وفريد زمانه...

ومن تفته الوظائف لن يعدم وسيلة للنيل مما "يستحقه" فالسبل كثيرة والطرق متعددة ومتشعبة، فالمقاولات والعطاءات وأعمال التطوير تجري على قدم وساق، وهي "على قفا من يشيل" وضع السعر الذي يناسبك، وإن لم تحصل عليه فوسائل التلاعب والتحايل والاحتيال ليس غير متوفرة، فخذ مثلاً هذه المقاولة بأرخص سعر وأقله، وبعد أن تحصل عليها بشكل قانوني ثم ألف طريقة "لتعويضك" عن الخسارة الناجمة التي قد تلحق بك، ابتداء من احتساب ارتفاع جدول الغلاء (والآخذ في الواقع الحال بالانخفاض) وانتهاء بعوامل طبيعية أعاقتك من إنجاز العمل وتسببت لك في الخسارة المرتقبة، كطلوع الشمس أو كهبوب الريح مثلاً.

وغير هذه الكثير، فتعبيد شارع أمام يبتك يدخل في حسابات تعويض الخسائر "الفادحة" أو شق طريق جديد لأرضك البعيدة، أو إيصال مياه الري مجانا لحقولك، والسبل أكثر من أن تعد وتحصى!

ولتعش الديموقراطية، وليعش العدل والمساوة، وليدم عزك أيها الزعيم وحكمك اللطشوقراطي الفذّ الفريد المودرني العصري السابق لزمانه وأوانه...