كنوز نت - د. منعم حدّاد



هل فسد "الملح"؟


يروي لنا الإصحاح الخامس من إنجيل متى أن السيد المسيح "لَمَّا رَأَى الْجُمُوعَ صَعِدَ إِلَى الْجَبَلِ، فَلَمَّا جَلَسَ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ تَلاَمِيذُهُ، ففتحَ فاهُ وعَلَّمَهُمْ "التطويبات" كاملة، ثمّ قال لهم مخاطباً إياهم: "أَنْتُمْ مِلْحُ الأَرْضِ، وَلكِنْ إِنْ فَسَدَ الْمِلْحُ فَبِمَاذَا يُمَلَّحُ؟ لاَ يَصْلُحُ بَعْدُ لِشَيْءٍ، إِلاَّ لأَنْ يُطْرَحَ خَارِجًا وَيُدَاسَ مِنَ النَّاس"!
وصحيح أن تلاميذه انتقلوا إلى رحمته تعالى منذ ما يقارب الألفي عام، لكن تعاليمهم ما زالت "سارية المفعول" حت يومنا هذا، أو هكذا يفترض على الأقل افتراضاً!

ناهيك عن أن كلام السيد المسيح خالد أبدي سرمدي، يزول العالم ويفنى وكلامه لا يزول...
أو هكذا يجب أن يكون، خاصة بالنسبة لكل من يحمل اسمه!
لكن هل هذا هو الواقع يا ترى؟ وهل ما زال الملح صالحاً؟ أم أنه فسد –كلّه أو بعضه - وأصبح يداس من الناس؟
لا نعتقد أننا نبالغ إن قلنا إن نسبة ليست بالقليلة من حاملي اسم يسوع خانوا الأمانة وفقدوا كل علاقة تقريباً بهذا الكلام!
فـ"الملح" الذي تكلم عنه السيد المسيح يبدو أن "بعضاً" منه قد فسد ولا بد من أن يداس من الناس!
والأدلة على ذلك كثيرة...

فها هو الملح قد أصبح سلعة يتاجر بها الآتون من الغرب، الغرب الذي "مغرب" المسيحية والمسيح رغم كونه شرقيّاً أصيلاً ومن أقحاح الشرق وعيونهم، أولئك الزاحفون منذ القدم شرقاً ليسودوا على الشرق ويذيقوه أسوأ أنواع الذل والهوان ويعيثوا فيه فساداً وإفساداً تحت ألوية رئاساتهم، وبالتعاون مع كثير من الرؤوس الشرقية الكبيرة الجوفاء التي تشترى بالثمن البخس الهزيل ولقاء النزر اليسير!
لقد تحدث السيد المسيح عن "الملح" بعد حديثه عن "التطويبات" فوراً، وحمل تلاميذه المقدسون رسالته...
ومر الزمان وكر ومضت السنون والأعوام والعقود والقرون...

و"استيقظ" الناس بعد دهور على "إكليروس" لا ندري من الذي أرسى أسسه ونظمه وآلياته خلال العصور، وجعل البعض من هذا الاكليروس نفسه وكأنه ممثل له جلّ شأنه، يحكم ويرسم ويصلي ويغفر ويعاقب باسمه، وكأنه يحمل توكيلاً رسمياً من لدنه تعالى، وكل ذلك بناء على صلاحيات أغدقه عليه حكام دنيويون ليكسبوا وده وولاءه أو ليتملقوه ويستميلوه لصفوفهم في نزاعاتهم...!
وذهب بعضه إلى أبعد من ذلك وأسوأ، فباع كل ما يمكن من بيعه مما قدمه الشرق عن طيب خاطر، وكأنه أتى به من بلاده يحمله في حقائبه الغربية الممزقة، فليم يبق أرضاً ولا غرضاً لم يبعه، ولم يبق لا بشراً ولا شجراً ولا حجراً لم يتاجر به ويقبض ثمنه إن كان مباشرة أو غير مباشرة.
وتعدد ذلك "البعض" وتنوع واستبسل واستأسد في ظلم المؤمنين، وتخاذل وتضاءل وتلاشى أمام الناظرين بعيون حمراء في وجهه!
وكنا نحسب أن هؤلاء الزاعمين أنهم يحملون اسم السيد المسيح ورسالته السامية يبقون على العهد ويصونون الود ويحملون أيضاً صفات السيد المسيح ما داموا يزعمون أنهم يحملون رسالته ويمثلونه خير تمثيل...

وإن "غربلنا" هؤلاء لوجدنا أن الأكثرية الساحقة منهم تستحق عن جدارة حمل تلك الرسالة السامية الملقاة على عاتقهم وإيصالها إلى الناس.
أما بعضهم وهم قلّة قليلة منهم لحسن الحظ وكما في كل مجتمع أو مهنة فقد دنّسوا الملح ولوّثوه وأفسدوه واتخذوا من رسالتهم وسيلة حقيرة دنيئة لبسط سلطانهم وكسب السلطة والسلطان والتكسب بها وبثّ الأمور السالبة والدجل والكذب والاحتيال بين أتباعهم.
ووصل بهم الحد حتى إلى قلب الوصايا العشر وتحويلها إلى غير ما هي عليه!

وليت جميع حاملي اسمه وأدعياء تمثيله والمفترض بهم نشر رسالته المقدسة السامية في أن يثبتوا أنهم أهل لذلك!
فكم منهم يسعى لتعزية الحزانى؟

ألا يسعى بعض هؤلاء لإضفاء الحزن على السعداء؟
ومن منهم أشبع جائعاً أو روى غليل عطشان ولو بالماء القراح؟
ومن رحم ولم يبطل الرحمة واستعاض عنها بالقسوة واللؤم والظلم؟
وعصرنوا الوصايا العشر فأصبح هؤلاء يؤلهون أنفسهم أو على الأقل بعضهم بعضاً...
وصنعوا ويصنعون التماثيل والصور لتحويلهم إلى قديسين وأشباه آلهه والعياذ بالله...
وأضافوا إلى معبودهم معبودين آخرين كثيرين...يسجدون لهم ويعبدونهم لينالوا "بركتهم" النقدية رياء ونفاقاً!
وهم ينطقون باسم الرب باطلاً ودون أن يندى لهم جفن.
ويستغلون السبت والأحد وأيام الأعياد والصيام للعمل والكسب غير الحلال دون أن يراعوا للأيام المقدسة حرمة.
هم لا يكرمون أمهاتهم وآباءهم إلا إذا كان هؤلاء ذوي مال وفير وهم يطمعون في الاستيلاء عليه!
هم لا يقتلون ليس بسبب الوصية، وإنما خشية الوقوع تحت طائلة الثأر وطائلة العقاب والقانون!
والزنا هو أقل خطيئة يقومون بها...

والسرقة يشهد ألف شاهد على سرقاتهم العلنية والسرية!
ومثلها شهادة الزور والكذب والافتراء!
وقلما تجد في هذه الحياة ما لا يطمعون فيه ويسعون لنيله، بدءاً بالبيت ومروراً بالمرأة والعبد والأمة، والثور والحمار والسيارة وكل ما للآخرين عن استحقاق أو غيره.
وهل بعد كل هذا بقي من يردد: «أنتم ملح الارض ولكن ان فسد الملح فبماذا يملح؟"
بل يجب لا بدّ من أن يردّد الجميع أن هذا القسم من الملح قد فسد ولا يصلح بعد لشيء الا لان يطرح خارجاً ويداس من الناس"!