كنوز نت - بقلم : د. منعم حدّاد


عيد بأية حال عدت يا عيد؟



العيد كما يقال "هو كل يوم فيه جمع، وأصل الكلمة من عاد يعود، قال ابن الأعرابي: سمي العيد عيداً لأنه يعود كل سنة بفرح مجدد"! ويقول الفولكلوريون إن العيد يستمد احتفاليته من كونه يعود بجذوره إلى إيمان أو عقيدة دينية مهما كانت، وقد عرفت الأعياد والاحتفال بها منذ أقدم العصور. 

ولا بد للعيد في الديانات التوحيدية السماوية من أن يتّسم بسمات الإيمان الديني والعقيدة، ويأتي كل عام ليذكر الناس بذكرى دينية مقدسة معينة، إن كانت مفرحة أو غير مفرحة، ليستعيدوها ويستذكروها ويتّعظوا بها هي وما رافقها من نفحات الإيمان وهفو القلوب وأشواق السماء!

وكان من الطبيعي أن يلتفت الناس في الأعياد إلى إخوانهم في الدين والإيمان والعقيدة والإنسانية، وكما أوصى الأنبياء والمرسلون، ويبذلون ما في وسعهم لإسعادهم في هذا اليوم المبارك، ومواساتهم وتبديد أحزانهم وبثّ الفرح والسعادة والنشوة في قلوبهم وأرواحهم، لكي يزيلوا عنهم بعض همومهم، فيمدّون له يد العون والمساعدة عن طيب خاطر، خاصة وأن كل الديانات تأمر بفعل الخير والاهتمام بالقريب والغريب، وفعل الخير ما استطاعوا إليه سبيلاً.

فالعيد في نظر الكثيرين ليس بالصلاة فحسب، رغم أن الصلاة هي الركن الأساسي والرئيسي للإيمان الحقيقي والعميق في كل عيد ولكل عيد، فكيف لشخص يعرف الله أن يحتفل بعيده بفرح وبحبوحة وسعادة وهناء ويرى جاره الفقير يتحسر ولو على لقمة خبز سائغة أو ثوب ولو كان عتيقاً أو إلى أي شيء يعينه على شظف العيش ويسد أوده ورمقه؟

لذا نرى الديانات كلها تأمر بالخير وبمساعدة من هو بحاجة للمساعدة، وبالفعل كانت وما زالت هيئات كثيرة تبادر إلى مثل هذه الأعمال الخيرة، فترفد الفقير والمحتاج طاقتها لتخفف عنهما عناء المعاناة، وكلما كان هذا الدعم خفياً أكثر ومستوراً أكثر كان ثوابه أهم وأعظم، لأنه من أجل فعل الخير وللخير لا للمباهاة والمفاخرة وتحميل الآخرين الجميل والمنّ عليهم...

أجل، هكا درج الناس من أقدم العصور وهكذا عاشوا وهكذا اعتادوا، يتضامنون مع بعضهم البعض ويشدون أزر بعضهم، ومن يدري فقد يكون فلان اليوم فقيراً معدماً ويرزقه الله المال الوفير ويغدق عليه نعماءه فيصبح غداً من ذوي المال والجاه والحول والطول، وليس من شيء على الله ببعيد أو بمستحيل...

لكن الأحوال تبدلت والمفاهيم تغيرت، وبعد أن كان المجتمع متعاضداً متكاتفاً أصبح الكثيرون منه يقولو "أسألك يا ربّ نفسي" ولا يهم الواحد منهم سوى نفسه هو – وربما أقرباءه المقربين جداً فقط لا غير.

وأصبح فعل الخير نافلة لا يكترث به الكثيرون ولا يحمل وزره إلا القلائل، خاصة عندما يصل الأمر إلى جيوبهم...

وترى الواحد يجد ألف سبب وسبب لكي لا يمد يده لمساعدة سواه، وقد يحمله مسؤولية وضعه السيء والمزري رغم أنه لا يحمل وزر ذلك!

وتراهم يسرفون في الإنفاق والتبذير واللهو والأكل والشراب ويضنّون بمبلغ زهيد لفعل الخير ومساعدة من هم في أمس الحاجة لمساعدة كهذه...

تراهم ينفقون الآلاف وعشرات الآلاف ومئات الآلاف في الاحتفال بالعيد ويضنون بمبلغ زهيد لفعل الخير، ولا يهمهم من أمرهم سوى الطعام والشراب واللهو والعبث والمجون والسهر والإنفاق وما إليها...

وتقف إزاء كل ذلك متعجباً من هذا التنكر والتباعد الاجتماعي وتكاد تندب وترثي مردداً بيت المتنبي:"عيد بأية حال عدت يا عيد...؟"