كنوز نت - بقلم : د. منعم حدّاد


شجرة عيد الميلاد



وتغير الاحتفال بعيد الميلاد المجيد بتغيّر الأزمنة والأحوال والأعمال، وصار الناس يهرولون لتزيين بيوتهم بالزينات الكهربائية والبلاستيكية، ويتحكم في هذه الأمور الشركات الصناعية والمستوردون والتجار، وكل عام يأتي بجديد من الزينات من أنواع أشجار إلى تماثيل إلى مغاور وكهوف وأنوار وما إلى ذلك، فمن يقرر في كيفية الاحتفال أصبحت شركات عملاقة ورغبة الناس الشديدة في التمثل بالآخر، خاصة إذا كان هذا الآخر آت من الغرب أو من الصين... 

وتعددت الآراء واختلفت وتضاربت حول أصل شجرة الميلاد ومنشأها، خاصة وأـن الشجرة كانت رمزاً مقدساً جاء ذكره في الكتاب المقدس، حيث ورد أن شجرة الحياة وشجرة المعرفة كانتا في الجنة، وأغوت حواء آدم ليأكل من ثمارها مخالفاً ما أوصاه به الله وليطردا من الجنة ويفقدا حياة الخلود، والمذنب طبعاً حواء، لأن المجتمع الرجولي يحملها كافة الخطايا والاخطاء والجرائر!

وعبادة الأشجار كانت منتشرة ومعروفة منذ أقدم العصور وفي أكثر من دين من الديانات القديمة، فحتى العزى التي عبدها العرب قبل الإسلام كانت شجرة أو مجموعة شجرات كما أوردت بعض المصادر...

والموتيفات التي تتحدث عن عبادة الأشجار القديمة وتقديسها تملأ صفحات كثيرة من فهرس الموتيفات القصصية العالمي، كما يفرد إيكه هولتكرانس فصلاً كاملاً في كتابه علم الفولكلور لتقديس الأشجار وعبادتها...

وكما يبد\و فإن أحد أسباب تقديس الأشجار إلى حدّ العبادة خاصة في المناطق الصحراوية كون ثمارها وحتى أوراقها مصدر غذاء ودواء لبني البشر وللحيوانات أيضاً، مما جعل الناس ينسبون لها القوى الخفية والسحرية والتقديس.


وكما في كتاب من الأرز إلى الزوفا فبداية تقليد شجرة الميلاد قديمة قدم الميلاد نفسه، إذ أن الأشجار جاءت محتفية بميلاد الطفل المجيد يسوع المولود في المغارة، لتسجد له ولتقدم له الهدايا من زهرها وثمرها، محاكية المجوس الذين جاءوا من أقاصي الأرض ليسجدوا له ويقدموا له هدايا من الذهب واللبان والمرّ، إلا شجرة الزيتون التي لم يكن لديها في هذا الموسم القارس ما تقدمه، خجلت من نفسها وحزنت لذلك حزناً شديداً ما زال يظهر متمثلاً بخط أسود في قلب خشبها وصميمه حتى اليوم.

ويرى البعض أن شجرة الميلاد إن هي إلا راسب من رواسب عبادة الأشجار الوثنية القديمة، التي سادت في حقبة تاريخية قديمة سبقت الديانات التوحيدية كلها، ولا يستغرب المرء ذلك خاصة إذا رأى رواسب تقديس الأشجار ماثلة للعيان حتى في أيامنا هذه، فكم من حرش أو أجمة أو بضع شجرات ما زال الناس يقدسونها ويتباركون بها، ولربما أن هذه الرواسب دخلت إلى التقاليد المسيحية وأصبحت جزءاً لا يتجزّأ منها.

ويقول آخرون إنهم في البلاد الباردة كانوا يأتون بجذوع عظيمة قبيل الاحتفال بعيد الساتورناليا الذي يصادف في أول الشتاء ليستدفئوا به خلال أيام العيد، وكانوا يحتفظون بغصن أخضر صغير بنمو على الجذع رمزاً للسنة الجديدة والعام القادم الذي سرعان ما سيبدأ، ومن هنا جاء الاحتفال بشجرة الميلاد.
ويقول باحثون أوروبيون آخرون إن مارتن لوثر المعروف كان عائداً ذات مساء إلى منزله، فمرّ بغابة تكتنف الطريق وذهل عندما رأى فيها منظراً يأسر الألباب والقلوب: رأى أشعة القمر تنعكس على الأغصان المكسوة بالثلوج والصقيع فتنبعث منها أنوار سماوية سحرية عجيبة، فقرر أن يقطع أحد هذه الأغصان ويعود به إلى منزله ليريه لعائلته، ومن هنا ابتدأ تقليد شجرة الميلاد.

ولم يكن في الماضي فيما نعلم احتفال بشجرة الميلاد في بلادنا، ولم يهتم أحد بذلك، حتى ما قبل عقود قليلة، وبعد أن غطت أحراش السرو والصنوبر وما إليها جبال بلادنا وتلالها وهضابها، فراح الناس يقطعون من هذه الأشجار ويزينوا بيوتهم بها، ويعلقون عليها الزينات والتماثيل والدمى ويقيمون في ظلها مغارة تذكر بمغارة الميلاد، وانتشرت هذه العادة إلى أن كادت تصبح خطراً على الأشجار الحرجية، فعمدت دائرة الأحراش إلى قطع الفروع التي تعتزم تقليمها وبيعها بسعر رمزي إلى الناس عشية العيد ليزينوا بيوتهم بها.

لكن الثورة الصناعية التي غزت العالم في العقود الأخيرة قضت على الأشجار الحرجية قضاء مبرماً وقدمت بدلاً منها الأشجار البلاستيكية، والزينات الكهربائية والنايلونية المختلفة، والتي أصبحت تختنق بها المتاجر وتمتلئ بها البيوت والمنازل، إضافة إلى الأضواء والزينات الكهربائية!
كما تمّ "اقتباس" تقليد الباب نويل (أو السانتا كلوز) وتقديم الهدايا ليلة العيد وما إلى ذلك واعتمادها!