كنوز نت - محمد إبراهيم سواعد- ابن الحميرة


بين الفعل ورده:


تقول علوم الفيزياء والمادة أن لكل فعل ردة فعل مساوية له في القوة ومخالفة في الاتجاه، أي أن لكل فعل ارتداده العكسي على كل من يتأثر بهذا الفعل سواء الفاعل أو المتلقي، وهذا هو طبيعة التدافع الاجتماعي الذي هو سنة من سنن الله في الكون؛ (فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) البقرة؛ (251).

فالتدافع الاجتماعي ضرورة لبقاء واستمرار الحياة الإنسانية وحفظ المقدرات والمقدسات ومقومات الحياة على ظهر البسيطة، ومن عوامل هذا التدافع إرسال الرسل لمواجهة الطواغيت في كل فترة وفترة من تاريخ الإنسانية.

وعندما ننظر إلى سيرورة عمل الأنبياء نجد أنهم لم ينتظروا فعل الطغاة ليبادروهم بردة فعل تساوي فعلهم وتخالفه في الاتجاه وإنما نجد أن الرسل باشروا الفعل ليكونوا هم أصحاب المبادرة ويتحكموا في سيرورة الفعل والتدافع الاجتماعي، فكل من يبادر إلى الفعل يكون هو الأقوى بين الشعوب والأمم.
فعندما ننظر إلى قصة نوح عليه السلام مع قومه نجد أنه بادرهم أولا بالدعوة إلى الإصلاح والتوبة وترك عبادة الأصنام وصبر معهم زمنا طويلا في الدعوة والبيان والإرشاد بغير ما كلل أو ملل، فلما شعر وأيقن بكفرهم وجحودهم وأنهم لن يؤمنوا بعد كل هذا المشوار (وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27)) نوح، فلجأ عليه السلام على صناعة فعل جديد وهو بناء السفينة، فما كان من قومه إلا أن سخروا منه واستهزأوا (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ ۚ قَالَ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ) هود؛ (38).


وكذلك نجد كل نبي من الأنبياء كان يبادر إلى الفعل ويترك للطغاة ردة الفعل، فأصبح الطغاة هم الحلقة الأضعف في سيرورة التدافع الاجتماعي، ولعل أعظم تدافع اجتماعي سطره تاريخ البشرية هو ما كان بين موسى عليه السلام وفرعون طاغية مصر، هذا التدافع بدأ قبل مولد موسى عليه السلام وانتهى بغرق الطاغية في البحر، والملاحظ أن هذا التدافع الذي اتخذ طابعا مختلفا في كل مرحلة من مراحله، وكان النبي موسى عليه السلام يجدد نفسه وفكره مع كل مرحلة من مراحل سيرورة هذا التدافع، وكان هو القوي والمسيطر والموجه لدفة الصراع حتى استطاع بأمر الله تعالى أن يهزم فرعون وقومه.
كما نجد المبادرة إلى صناعة الحدث في سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وكانت قريش مع كل قوتها وجبروتها في موضع ردة الفعل، ومع أن ردة فعلهم كانت صعبة ومؤلمة في معركة أحد، ولكن صانع الفعل رغم شدة ما تلقى من ردود الأفعال يبقى هو الأقوى حتى تمكن صلى الله عليه وسلم من هزيمة قريش وإنهاء دورها يوم فتح مكة، بل إنه صلى الله عليه بادر إلى صناعة حدث جديد لم تتوقعه قريش فضلا عن البشرية جمعاء، عندما عفا وسامح أهل قريش فدخل الناس في دين الله أفواجا.

إن صناعة الفعل تعني حيوية المجتمع وقوته بينما ردة الفعل تعني القوة والهامشية، ونحن نعيش اليوم في عالم ديناميكي متحرك يرصد الأحداث ويفتعلها ويستبقها أحيانا كثيرة حتى يكون الفاعل هو المتحكم بكل خيوط اللعب.

في الفترة الأخيرة وخلال السجال الإعلامي بين الأحزاب العربية عشنا مع مئات المقابلات الإعلامية والتي من خلالها يحاول كل طرف أن يثبت صدق توجهه والطعن في الآخرين وتسفيه رأيهم، ولم نشهد ولو مبادرة واحدة فعالة وجادة لتغيير الواقع والبحث عن عوامل القوة التي تنتج عن اجتماعنا، وعندها سرت من تحت أقدامنا ساحرة إلى البئر وألقت فيه بضع نقاد من سائل غريب فانتشر الجنون والعصبية في المجتمع ومضت خفافيش الظلام تنشر رائحة الموت والقتل في أنفسنا وأرواحنا حتى أصبحنا نبحث عن الحياة في ركام جثث الأبرياء.