كنوز نت - بقلم : د. منعم حدّاد


من الجنّي حتى الفيروس!


يقال إن العرب أخذوا عن سابقيهم من الأمم والشعوب كل ما تفتقت عنه أذهان هؤلاء من علوم ومعارف وممارسات في شتى ميادين الحياة، وعربوها وطبعوها بطابعهم، ونقحوها وغربلوها وأضافوا إليها الكثير الكثير من إبداعاتهم، ومن ثمّ أورثوها للأمم والشعوب المعاصرة واللاحقة...
ومن هذه العلوم كان الطب والصيدلة وسواهما، وكل منهما يحتاج إلى مجلدات للإحاطة بإنجازات العرب في هذا المجال، ويكفي على سبيل المثال أن نذكر الطب العام وطب العيون وطب الأمراض العقلية والعصبية وطب العيون وطب الاسنان والطب البيطري، والمستشفيات والجراحة وما إلى ذلك...مما تفوّق به العرب!


وبرع العرب في طرق العلاج والتداوي المختلفة، فاستغلوا النباتات التي أنعم الله بها على أراضيهم من أزهار وأوراق وسيقان وحتى جذور لكي يستخرجوا منها العقاقير والأدوية والأشربة لشتى الأمراض والعلل وكانت مصدرهم الرئيسي للتداوي، وما زال طب الأعشاب العربي مشهوداً له حتى اليوم في أرجاء المعمورة، وما زال الكثيرون من صانعي الأدوية والعقاقير يلجأون إلى طب الأعشاب العربي للاستعانة به في اختراعاتهم وتجديداتهم وتطويراتهم...
ولم يكتف العرب بالعلاج بالأعشاب، بل اعتمدوا أيضاً المداواة بالرقى والتعاويذ، سحرية كانت أم دينية، أم تدجيلية وخرافية، ووهمية وعالجوا بها!
كما استخدموا أيضاً الجراحة، وبرعوا فيها، فالجراحون والحجامون العرب حازوا قصب السبق في علاجاتهم ومداواتهم!
وإن عجز الطبيب قال إن سبب المرض داء خفي، يسببه الجنّ، يدعى الحنون، والجنون تعني الخفاء، أو المرض الخفي أو المستور..

وكما قال أمير الشعراء أحمد شوقي في "مجنون ليلى":

وإن عجز المطبب قال داء
من الجني ليس له دواء!


والشيء بالشيء يذكر، ففي العالم المتحضر تزداد الحاجة إلى أطباء وطواقم طبية وعلاجية كثيرة، والمقبلون على تعلم هذه المهنة الشاقة أقل مما يجب، لذا نرى في السنوات الأخيرة الإقبال الكبير على هذه المهنة.

ولأن شروط القبول لها ليست بالسهلة، ودراستها تستغرق سنوات طوال، ناهيك عن فترات التمرين المضنية، وسنوات التخصص المقيتة، لذا بدأ ت تظهر الجامعات التجارية التي يبلغ في بعضها الطلاب المستوى الذي يريدونه تبعاً للمبالغ التي يوظفونها، والوساطات التي يعتمدون عليها، خاصة بعد عودتهم إلى بلدانهم ومطالبتهم بالتقدم لامتحانات تأهيل حكومية، تبعد عن الاستحقاق والجدارة بعد الأرض عن الشمس!
والحل؟

الحل كما في ميادين أخرى كثيرة، ف"البراطيل تحلّ السراويل" كما يقولون، وقد تكون هذه براطيل نقدية أو غير نقدية، أو حتى ربما انتماءات قبلية وشعائرية ودينية ومذهبية وسياسية...

ومن الذي يدفع ثمن كل هذا؟

الشعب. والمرضى من الشعب، والذين يقعون بين براثن طبيب غشيم غاشم اشترى شهادته بالمال واجتاز الامتحان بالواسطة والمحسوبية!
وتبرز النتيجة في عشرات آلاف حالات الإهمال والأخطاء الطبية التي تقع في كل عام، ويدفع أثمانها حياتهم أناس أبرياء!
وقد تزور طبيباً كهذا، مرة وانتين وثلاث مرات وأكثر، وعندما يعجز عن اكتشاف سبب الداء، "يبشرك" بفرخ عظيم إن ما تعانيه سببه الفيروس؟
لكنه لا يعرف ما هو هذا الفيروس وما نوعه وما شكله وما علاجه...

فهو فيروس وكفى...وخليها على الله!

أيام زمان كانوا يقولون جنّ وجني، واليوم يقولون فيروس!