كنوز نت - د. منعم حدّاد



كيف احتفلوا بعيد الميلاد المجيد؟


تحكي إحدى الحكايات أن خوري ضيعة لبنانية سأله المؤمنون والمصلون عن موعد عيد الميلاد القادم فقال لهم بتاريخ كذا وكذا...
فقال له بعض الحضور وكان ملمّاً بالتاريخ الصحيح: لا يا أبونا، عيد الميلاد مش بهذا اليوم وإنما يتاربخ كذا وكذا...
فقال له الخوري وعلى مرأى ومسمع من الجميع: وبدك تكذبني يا ابني؟ وبدك تكذب غيري كمان؟ ومن غيرك يا أبونا؟ ومن قال لك عن هذا التاريخ؟ قال الرجل

فرد الخوري: هيك قالت أم مطانس ع التنور، والخورية جابت لي الخبر...
وتعكس هذه الحكاية الأوضاع التي كانت سائدة آنذاك، فالخوري هو الكل في الكل، وهو الذي يحفظ تاريخ العيد أو يقرره، لكن بعض الخوارنة كانوا من الجهل في موضع رفيع، يستلهمون معلوماتهم –حتى الدينية – مما تقوله النسوة المتجمعات حول التنور ليخبزن خبزهن، ويتناقلنه إلى بيوتهن، والخورية إحداهن، تنقل المعلومات إلى الخوري، وهو يتقبلها رغم أنها غير دقيقة...

فمكانة الخوري كانت في القمة، فهو الراعي والمصلي والمبارك والموجه والقائد والمقرر كل ما يرتبط بالعيد، بحكم مكانته الدينية والاجتماعية وبحكم من وما يمثله، على عكس البعض في هذه الأيام والذين لا يستحقّون هذا اللقب المقدّس!

وتغيرت الأحوال وتبدلت، وتطورت وسائل التواصل والاتصالات، وأصبح بمقدور الجميع الاطلاع على أدق المعلومات والتفاصيل المتعلقة بالعيد، أو حتى بكيفية الاحتفال بالعيد في شتي أقاصي الأرض وبلدان العالم البعيدة قبل القريبة.

ولو عدنا إلى بعض المسنين – أطال الله أعمارهم – وسألناهم عن كيفية احتفالهم بعيد الميلاد المجيد أيام زمان لأنكروا الاحتفالات المعاصرة وندّدوا بها ورفضوها جملة وتفصيلاً، فللعيد في زمانهم كان رونق خاص وبهجة وفرح واحتفالية لا تضاهى، على عكس ما هو الحال اليوم!


فأيام زمان كانوا يستقبلون العيد باستعدادات هامّة تبدأ قبل حلوله بأيام عديدة وربما حتى بأسابيع، حيث يروح الناس يبحثون أول ما يبحثون عنه هو الملابس المناسبة للاحتفال بالعيد، إذ كانت مواسم الأعياد في العادة مواسم شراء الملابس الجديدة لمن يتمكن من ذلك، ولم تكن الملابس تباع أيام ذاك جاهزة، لذا كان الناس يسرعون في البحث عن الأقمشة المناسبة لكل واحد من أفراد العائلة (الميسورة عادة) ومن ثم يشترون ما يكفيهم من القماش، ويأخذونه إلى الخياطة، وينتظرون دورهم، لتقوم بتفصيله ومن ثم خياطته حللاً وبدلات وثياباً لهم، وكان يتم كل ذلك في وقت مبكر، لكي يتمكنوا من إنجاز المهمة وتكون الملابس جاهزة "على العيد".

وعمل آخر من أهم الأعمال التي كانت تقوم به النسوة على الغالب هو ترميم البيت وتنظيفه، خاصة إذا كان الموسم ماطراً جدّاً والمطر الغزير يتسرب من خلال الثقوب التي قد تكون في سقوف البيوت وسطوحها إلى الداخل مكوّناً "الدلف"، فكان لا بدّ قبل كل شيء من "دحل" السطوح بالمدحلة (وهي تلك الأسطوانة الحجرية التي كانوا يدفعونها بما يسمى الماعوص الذي يدخل في تجويفين في جانبيها لدحلها) لرصّ الطين الذي يغطي السطوح وسدّ الثقوب والشقوق التي قد تكون فيه وينفذ ماء المطر منها، أو حتى إضافة بعض الطين أحياناً لسدّ تلك الثقوب والشقوق، ومن ثم لمحاولة تنظيف البقع التي كونها "الدلف" على الحيطان الداخلية والمصاطب وتبييض ما يمكن تبييضه!

كما يجري الاهتمام بتنظيف الفراش وغسل ما يستلزم الغسل احتفالاً بالعيد!
كما كانوا يهتمون بتوفير ما يلزم من "الذبائح" من دجاج ومن ماعز ومن خراف والتي سينحرونها على العيد، ومن توابل وقمح سوف يسلقونه ويهرسونه للطعام، والفحم للشواء وما إليها...