كنوز نت - د. منعم حدّاد


"العدل العدل تتبع؟"



جاء في الاصحاح السادس عشر من سفر التثنية المنسوب تأليفه إلى النبي موسى عليه السلام: «قُضَاةً وَعُرَفَاءَ تَجْعَلُ لَكَ فِي جَمِيعِ أَبْوَابِكَ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ حَسَبَ أَسْبَاطِكَ، فَيَقْضُونَ لِلشَّعْبِ قَضَاءً عَادِلًا. لاَ تُحَرِّفِ الْقَضَاءَ، وَلاَ تَنْظُرْ إِلَى الْوُجُوهِ، وَلاَ تَأْخُذْ رَشْوَةً لأَنَّ الرَّشْوَةَ تُعْمِي أَعْيُنَ الْحُكَمَاءِ وَتُعَوِّجُ كَلاَمَ الصِّدِّيقِينَ.

الْعَدْلَ الْعَدْلَ تَتَّبعُ، لِكَيْ تَحْيَا وَتَمْتَلِكَ الأَرْضَ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ".

أما جبران العظيم فيقول :

" العدل في الأرض يبكي الجن لو سمعوا به ويستضحك الأموات لو نظروا"

ورغم احترامنا الشديد بل تقديسنا للكتاب المقدس فإننا نميل إلى تصديق جبران وتقديم ما قاله عما في سفر التثنية!
فـ"العدل شيء طواه الناس في الكتب"، والباحث عن العدل في دنيانا هذه كمن يبحث عن السراب في الصحراء أو عن حقيقة الأوهام في الحياة الدنيا.
ففي بلادنا – واحة الديموقراطية والعدل والمساواة الوحيدة في الشرق الأوسط – نفتقد العدل أكثر من مرة!

فحتى الذين من المفروض أن يقضوا ويحكموا بالعدل تراهم أحياناً - بعضهم إن لم يكن جلّهم لا كلّهم - وكما يقال عنهم من حين لآخر، لا يقيم للعدل وزناً ويسدّ أمامه المنافذ جميعها.

والأدلة على ذلك أكثر من أن تعد وتحصى!

* * *
وعلى الصعيد العالمي إذا اعتدت دولة قوية على دولة ضعيفة فماذا سيحدث؟
وهل ثم ما يقوم به "العالم المتنور والمتحضر" أكثر من إصدار البيانات والتصريحات؟
فهل ثمّ من يقيم العدل وينفذه ويفرضه؟


ولماذا نذكر الدول، فالأقوياء في المجتمع، أي مجتمع كان، والذين يستمدون قوتهم ممن يقف وراءهم ويدعمهم من السلطات، لا يقيمون للضعفاء وزناً، ويرتكبون ما يرتكبون والعالم واقف يتفرج لا يحرك ساكناً...

أما إذا كان المظلوم والمعتدى عليه يعتمد على الملايين يجيّشهم لحسابه فالويل كل الويل للمعتدي ولمن تخول له نفسه الامارة بالسوء أن يرتكب بحقه ولو أقل إساءة، فعند ذلك يقيم الأعوان والأحلاف والمناصرون الدنيا ولا يقعدونها.

ولنأخذ مثلاً ما حدث في أمريكا العظيمة من قتل زنوج من قبل رجال الشرطة، فما الذي حدث وماذا كان ردّ الفعل؟

أما عندما ينشب خلاف ما بين أمريكي أو غير أمريكي وبين يهودي على سبيل المثال حتى ولو كان الخلاف بسبب صفقة تجارية أو لسبب مالي آخر فقد يتجند بعض اليهود ومنظماتهم محلياً وعالمياً لنصرة "أخيهم المظلوم"، وقد يتعامل الجميع مع هذا العدوان كعمل إجرامي أو حتى لا ساميّ بغيض وحقير.
أما عندما يرتكب يهودي جناية لا تغتفر بحق فلسطينيين مثلاً فإنه قد يحظى بتأييد منقطع النظير حتى من أعلى السلطات هنا في بلادنا، ومن لا يصدق ذلك فليراجع قضية إليئور عزاريا إياه ومجرمي الدوابشة والمرحوم أبو القيعان الذي جعلوا منه "إرهابياً" وهو "ليس عند قريشه خبر"، وغيرهم...

* * *

وقد قام أحدهم مؤخراً بمحاولة حرق كنيسة الجسمانية في القدس وهي على ما هي عليه من القداسة، فكم شخصاً اهتم بالأمر وكم شخصاً ندّد وكم هيئة أو سلطة عبرت عن استبشاعها هذه الجريمة النكراء وأدانتها؟

ولقد سبقت هذه الكنيسة كنيسة الطابغة التي أحرقها متعصبون يهود، فبماذا حكموا وكيف ومتى؟

أما لو كان تعرض للحرق أو محاولة الحرق كنيس يهودي لا سمح الله فلن يبقى صاحب مركز أو مسؤول أو سلطة أو هيئة لا يستنكرون وقد يصفون عملاً إجرامياً كهذا باللاسامية وبما هو أقذع وأسوأ من ذلك!

والنماذج وكما أسلفنا لا تعد ولا تحصى، فمنذ واحد وخمسين عاماً على الأقل ونحن نشاهد مثل هذه الجرائم ومحاولات التستر عليها والتقليل من رهبتها وخطورتها، ابتداء من محاولة إحراق المسجد الأقصى المبارك في العام 1969 وحتى اليوم!

* * *

ولنعد إلى سفر التثنية، فالشارحون والمفسّرون يقولون إن القصد من "العدل العدل تتبع" هو أو تقيم العدل وتنفذه وتتبعه في محاكماتك، لكن الواقع يبدو وكأن المقصود به – وما ينفذ أحياناً في زماننا – أن تطارد العدل وأن تلاحقه وتضطهده وألا تبقيه في ديارك وألا تقيم له وزناً أو تعمل له حساباً!
وختاماً لا بدّ من أن نسأل أولاً وقبل أي شيء: أين أنتم يا "رعاة" المسيحية والمسيحيين ومنصبي أنفسكم مسؤولين عنهم وممثلين لهم والذين طالما تحدثتم باسمهم وعنهم، أين أنتم من هذا العدوان الحقير الوضيع؟ وماذا فعلتم وبماذا قمتم؟ ولماذا لا تنتصروا برئاساتكم وبإخوانكم وخلانكم في دول الغرب ودول أوروبا "المسيحية"؟

وهل قام هؤلاء- وأنتم معهم – بأي عمل وخطوات فعلية – عدا التصريحات والخطابات الرنانة - لحماية المقدسات المسيحية في هذه البلاد وللحفاظ على المسيحيين وحقوقهم والحيلولة دون المس بها؟

إنكم ستستحقّون الشكر الجزيل لو تكرمتم وعممتم أخبار "إنجازاتكم المميزة" في هذا المجال على الملأ!