كنوز نت - محمد إبراهيم سواعد- ابن الحميرة



فويبا النجاح:


الخوف من النجاح أو فوبيا النجاح هو مرض بصيب الأفراد والمجتمعات مما يجعلها ترضى وتستسلم لكل واقع مر وأليم تعيش فيه أو تضطر إليه خلال مسيرة حياتها، ولا شك أن الخوف من النجاح أصعب وأشد من الخوف من الفشل، وذلك أن من يخاف الفشل ربما يلجأ إلى التجربة وإذا فشل فلا شيء يخسره ويكفيه أنه حاول وقرر التغيير، أما الخوف من النجاح فإنه يقف حائلا أمام المجتمعات من المبادرة إلى مجرد التفكير في الإصلاح والتغيير وبناء واقع جديد، وربما نحن العرب رضينا ببعض الأمثلة التي عششت في ثقافتنا وجعلتنا نرضى ونقبل بكل مصيبة أو واقع مر نصل إليه، ومن هذه الأمثلة: (خليك ع منحوسك لا يجيك أنحس منه)، وقديما قال كفار مكة للنبي صلى عليه وسلم عندما دعاهم إلى التغيير والإصلاح ( إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون) الزخرف.

مجتمعنا العربي الفلسطيني منذ قرن من الزمان مر بتجارب عديدة وتراوحت بين النجاح والفشل وبين العمل الفردي والجماعي وبين الهم المجتمعي الذي يوحد الصفوف ويرفع الهمم وبين من اهتم وعمل من أجل نفسه وجماعته وعائلته، وربما أدت الخلافات العائلية والتناحرات العصبية بين التنظيمات الفلسطينية على مر التجربة الطويلة إلى القتل والتخوين والطعن والتعامل مع العدو لأجل إجهاض الطرف الأخر، وما تجربة الثورة العربية الكبرى عنا ببعيد وغيرها من التجارب.


منذ نكبة فلسطين عام 1948 وتششت المجتمع الفلسطيني بين من أراد الانخراط والذوبان في الكيان الجديد وبين من أرادوا السعي إلى التحرر قامت معارك فكرية وكتبت الكتب والمقالات التي تبرر وجهة كل طرف، حتى اتفق أطراف الخلاف قبل خمسة أعوام على تجربة فريدة في تاريخ الشعب الفلسطيني؛ ألا وهي القائمة المشتركة التي جمعت الأحزاب والتنظيمات العربية في الداخل الفلسطيني تحت مظلة واحدة نحو الهم الفلسطيني والسعي إلى نيل حرية الشعب الفلسطيني وتحصيل حقوقه اليومية ورفع المعاناة عن المواطن المسكين، ولم تحاول أطراف المشتركة يوما أن تناقش العمق الفكري لكل طرف لأنها أرادته جسما كبيرا يجمع الكل على نقاط التقاء كبيرة ولا يتعثر عند تفاصيل حزبية خاصة، وإنما ترك لكل حزب آراءه وافكاره رغم ما بينها من تناقض وتباين، ولنا قدوة في رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ائتمن كافرا على روحه يوم الهجرة لما عرف عن هذا الكافر من خبرة في طرق الصحراء، فايهما أخطر على الأمة كافر لا يؤمن بالله واليوم الأخر أم مخالف فكري في جزئيات ولو كانت كبيرة.

إن مجتمعنا اليوم يمر بمرحلة تمحيص وغربلة بين من يعاني فعلا من ظاهرة الخوف من النجاح وبين من يريد أن يتقدم ويتطور؛ ولعل القائمة المشتركة هي أكبر إنجاز وحدوي في المرحلة الحرجة التي نمر بها، لذا ينبغي ألا نقف عند تفاصيل كل شيء وأن نجتهد لتفادي نقاط الاختلاف ونبحث عن كل نقاط الالتقاء التي تجمع بيننا، ويمكن أن يكون بين أطراف المشتركة نقاش واختلاف على كل اجتهاد يقوم به أي فرد من أفرادها ولكن ينبغي التمسك بهذا الجسم، فأعضاء الجسم الإنساني تعمل بانسجام وتناغم رغم اختلاف أدوارها لتشكل نسيجا رائعا في الدفاع والحفاظ على هذا الجسم، والجسم يتجاوب مع رغبات كل عضو فيه لأجل بقاء هذا الجسم، وما راينا الجسم البشري يوما يتخلى عن عضو فيه لمجرد أي خلل في أداء وظيفته.


محمد إبراهيم سواعد- ابن الحميرة
مدير عام جمعية الأقصى