كنوز نت - بقلم : د. منعم حدّاد


هل يصبح "يوم التسامح العالمي" يوم عنف؟


صادف يوم السادس عشر من تشرين الثاني / نوفمبر (موقع أهلاً في 16.11.20) وكما في كل عام يوم التسامح العالمي، و"التسامح يعني الاحترام والقبول والتقدير للتنوع الثري لثقافات عالمنا ولأشكال التعبير وللصفات الإنسانية لدينا”. هذا القول مقتبس من إعلان المبادئ بشأن التسامح الذي اعتمدته اليونسكو في عام 1995;، على ذمة موقع "أهلاً" طبعاً.

ويخطر بالبال التساؤل هل يصبح يوم التسامح العالمي يوم عنف عالمي؟
فأين هو التسامح الرائع والفريد: أين يمكن وجوده ولمسه والشعور به والإحساس بوجوده والاحتفاء به؟
أين؟ في أي بلد وفي أية دولة؟

* * *

ولنبدأ بأنفسنا، وبدولتنا الحبيبة وحكومتنا الرشيدة...
ففي دولتنا الحبيبة ما يقارب المليوني عربي، أي حوالي خمس سكانها، يعيشون فيها مواطنين متساوي الحقوق لأول وهلة، ويحظون بالتسامح والمساواة والقبول والتقدير ووو...

لكن هذا لم يمنع رئيس الحكومة نفسه من التحريض ضد هؤلاء عندما أطلق مقولته المشهورة حول تدفقهم بالحافلات إلى صناديق الاقتراع، والتي استثارت غرائز الحقد والعنصرية الكامنة والدفينة في نفوس بعض المتطرفين...
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحدّ، فقد إستثى ممثليهم الخمسة عشر سلفاً من الانضمام لأي ائتلاف حكومي، وراح يعيّر خصومه بأنه سيستعينون بأصوات هؤلاء لتشكيل ائتلاف حكومي!

ولم يتخلف عنه بيني غانتس وزلمه عندما نفى نفياً قاطعاً عزمه على الاعتماد على أصواتهم عند قيامه تشكيل الائتلاف، واستعبدهم هو الآخر...
وفضل الزحف زحفاً كما قالوا صوب نتنياهو على الاعتماد على أصواتهم!
وترى، أليس هؤلاء مواطنين "متساوين في الحقوق والواجبات"؟

* * *

ثم هل يستطيع العربي امتلاك بيت للسكن في أي مكان يريد؟ أليس محرماً عليه السكن في مدن معينة بل حتى في أحياء معينة؟
وحتى أن العرب في هذه البلاد أصبح الانتماء إليهم لدى أوساط متزمتة معينة مجرد سبّة!
فهل هذا هو التسامح الحكومي؟

* * *

أما التسامح في مجتمعنا العربي المحلي فلا نظير له ولا حتى في بلاد واق الواق!
فضحايا العنف يزداد عددها يوماً بعد يوم، فعدد ضحايا العنف في الوسط العربي يقترب بسرعة صوب المئة!
ناهيك عن قتل النساء!

* * *

ولو تركنا بلادنا الحبيبة، وانتقلنا إلى الدول العظمى، فهل نجد التسامح يملأ شوارع المدن الأمريكية ويغسل دماء الزنوج الذين استشهدوا تحت أقدام قوى الشرطة الغاشمة؟


أم نرى التسامح يسود أوساط البيض وتصطبغ به علاقاتهم بمواطنيهم غير البيض؟
أمريكا الدولة الأعظم يقوم فيها قتلة في زي رجال شرطة بالضغط على رقبة مواطن حتى يلفظ أنفاسه!
فهل هذا هو التسامح المنشود؟ أم أن التسامح كالعدل لا وجود له في الواقع؟ وإنما هو مجرد حلم خيالي بعيد المنال؟
ولو انتقلنا إلى روسيا، فمن منا لم يقرأ عن محاولات المسّ برجال المعارضة والقضاء عليهم بأبشع الوسائل؟ فهل هذا هو التسامح؟
ومثل روسيا الصين وكوريا الشمالية وسواها وسواها...

* * *

أما الدول الأوروبية فهي الأرقى والأكثر تسامحاً، فقد استقبلت على أراضيها في السنوات الأخيرة عشرات ملايين المهاجرين والهاربين والفارين من الدول الأفريقية والشرق أوسطية، وهيّأت لهم الظروف المثالية لمن كان في حالهم...
لكن التسامح فرّ من بعض هذه الدول هارباً مولياً الأدبار...

وقوبل التسامح بالغدر والعنصرية والتزمت والتعصب والإرهاب في بعض الأماكن...
ففي فرنسا لجأ البعض إلى حل المشاكل والاعتراض والرفض وعدم قبول الآخر بأعمال العنف!
وترى هل سأل الذين يؤيدون العنف والقتل بحجة حرية التعبير وحرية الرأي وما إليها من ادعاءات أنفسهم فيما إذا كانوا قد نظروا في المرآة ليروا ما في وجوههم، وليفحصوا ما يدور في بلدانهم من تسامح "منقطع النظير"؟

هل نظروا مثلاً إلى أن بعض الدول تمنع من لا ينتمي للدين السائد فيها من ممارسة شعائره الدينية على أراضيها؟

يا سلام!
يريدون حرية كاملة هناك وقمعاً شاملاً هنا؟
فأين هذا كله من التسامح؟
أليس هذا خلاصة العنصرية والتعصب الأعمى والإكراه؟

* * *

وها هم هنا يشربون من مياه الآبار الصافية الرائقة والتي ترويهم في ديار غربتهم التي حنت عليهم وفتحت ذراعيها لاستقبالهم بعد أن طردتهم أوطانهم ولفظتهم دولهم – أو أنهم هربوا منها هروب الحملان الوديعة من أمام الذئاب الكاسرة - ومن ثم يكافئون مضيفيهم برمي هذه الآبار التي ارتووا من مائها حتى الثمالة بالحجارة!

أمثال هؤلاء يريدون كل شيء لهم وحدهم، لهم التسامح والحرية بكل الأنواع والأشكال، لهم وللأوطان التي لفظتهم لفظ النواة وتقيّأتهم أو هربوا منها قبل فوات الأوان وكل ذلك على حساب مضيفيهم وممستقبليهم الذين رحبوا بهم ورصدوا لهم ما يسدّ أودهم ويدفئ قلبوهم ويحفظ لهم العيش الكريم والذي يحفظ ماء وجوههم.

وبعد كل هذا لا بدّ من السؤال: أين هو التسامح؟
ألم يحوله البعض إلى عنف بدلاً من التسامح؟