كنوز نت - محمد إبراهيم سواعد- ابن الحميرة


العقل:


ميز الله تعالى الإنسان ورفع قدره وأعلى شأنه بالعقل، وكما قالت العرب: "إنما سمي العقل عقلا لأنه يعقل صاحبه عن المنكرات والرذائل"، والعقل يعني الربط والإحكام والمنع عن الفوضى والتسيب: روى الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رجلاً جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعه ناقته فقال:" أعقلها وأتوكل، أم أتركها وأتوكل؟ فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -:" اعقلها وتوكل، الحديث هنا يفيد بأن الرجل قد سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - هل يربط الناقة بالحبل ثم يتوكل على الله، أم يتركها دون رباط ويتوكل على الله، فكان رد النبي - صلى الله عليه وسلم - واضحاً ودرساً له ولغيره من أمته، أن يربطها ثم يتوكل. 

فنحن نرى العقل هنا في إحكام رباط الدابة حتى لا تنفر وتترك صاحبها أو تؤذي الآخرين بفعالها، وهنا يكمن دور العقل في حياة الإنسانية وفي سير الفرد والمجتمع.

وعند استقراء آيات القرآن الكريم نجد دعوة صريحة إلى إعمال العقل للنظر والتأمل والتدبر في الكون حتى ندرك عظمة الخالق سبحانه: (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) سورة الذاريات، ونجد كثيرا من الآيات القرآنية تختم بقوله تعالى: (أفلا يتفكرون) (أفلا يعقلون)، بل إن الله تعالى أمر عباده بإعمال العقل للنظر في عواقب الأمور ونهايتها وليس فقط في بدايتها، (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) الملك؛ 10)، وغير ذلك من الشواهد القرآنية التي تشيد وتثني على دور العقل في قيادة الإنسان والمجتمع إلى بر الأمان، بل إن الشريعة أسقطت الفرائض الدينية والأحكام الشرعية عمن فقد الأهلية وهو من فقد العقل والإدراك: (الحديث: "رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يعقل"، رواه الإمام أحمد في مسنده).

وفي رحلة سريعة مع العقل نجد أن العقل البشري يمر بثلاث مراحل هامة ومفصلية في حياة الفرد:

1-العقل المميز: وهو العقل الذي يبدأ بالتشكل مع ولادة الإنسان ومعرفته أن بكاءه سيلبي حاجته ثم يتطور العقل المميز حتى يتمكن الطفل من التمييز بين الأشياء المختلفة، ويتعرف على أسمائها وصفاتها وطبائعها، وهذا العقل يبقى مع الفرد طالما بقيت في العقل حياة ليميز بين الأشياء المختلفة.


2-العقل الواعي أو الناضج: وهو مرحلة من مراحل الكمال والنضوج التي تطرأ على عقل الفرد بعد أن يتعلم ويعاشر الحياة ويتعامل مع الناس فيبدأ العقل بالتشكل والنضوج، ليدعو صاحبه إلى ركوب الفضائل واجتناب الرذائل وهذه درجة أرقى وأفضل من درجة العقل المميز حيث أن العقل هنا بات مكلفا بالأحكام الشرعية والأخلاق الاجتماعية وهي مرحلة التكليف كما يعرفها الفقهاء، والعقل هنا دوره أن يميز بين الخير والشر وبين الحق والباطل وأن يدعو صاحبه إلى الخير وينهاه عن الشر، وهذه المرحلة تبدأ منذ البلوغ وتستمر إلى الموت، ومن الناس من يفقد هذه الخاصية لمرض أو غيره.


3-العقل المدرك (الكامل): وقد أشار الى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ( كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء غير مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ) صحيح البخاري، وهذا العقل هو أشرف درجات العقل وأرفعها وأعلاها مرتبة في سيرورة المرء والمجتمع نحو بناء ذاته وتحقيق آماله، ويتميز هذا العقل ليس في أنه يميز ويفرق بين الحق والباطل أو بين الخير والشر، بل إن كمال إدراك هذا العقل وخاصيته في كونه يفرق ويفاضل بين خير الخيرين وشر الشرين، فإذا عرض له بابان من الخير فإنه ينظر في كل منهما ويختار لنفسه الأكمل والأصوب منهما، وإذا نزل به نوعان من الشر اختار أقلها ضررا وشرا على نفسه وعلى مجتمعه، وهو العقل الذي ينسحب من المواجهات بأقل الخسائر الممكنة إذا لم يكن بد من الخسارة ويفوز بأعلى درجات الخير وأزكاها عندما يخير بين خيرين في مسيرته.

ومن نافلة القول أن هذا العقل هو الذي يرتقي بالأمم فضلا عن الأفراد، وهو الذي يرفع مكانة صاحبه ويجعل له موضعا تحت الشمس بل إنه ليرتقي بأصحابه حتى ينزلهم الفردوس الأعلى من الجنة، والوصول إلى هذا العقل إنما يكون بالنظر والتأمل وقراءة سير الأولين ومن تبعهم وبكثرة سماع الأخبار والروايات وتمحيصها بالعقل والبيان، والطريق الأكمل إلى ذلك عبر القراءة والدراسة والبحث في بطون الكتب والمراجع وقراءة تاريخ الأمم والشعوب وسبل نهضاتها وأسباب كبواتها.


محمد إبراهيم سواعد- ابن الحميرة
مدير عام جمعية الأقصى