كنوز نت -  بقلم المهندس باسل قس نصر الله، مستشار مفتي سورية




"تخرّجنا رغم التطرّف"



ألحّت الصبيّة ريم ألوباتي على أن تدعوني إلى مناقشة مشروع تخرّجها لنيل شهادة الهندسة المعمارية من جامعة حلب. كم يمضي هذا الوقت سريعاً! فقد مرّت خمس سنواتٍ منذ نيلها الشهادة الثانوية والتحاقها بكلية الهندسة المعمارية.

كان أهلها مع مجموعةٍ صغيرةٍ من الأهالي يأتون إلى الكنيسة، فيجلسون على درجها، ويتناقشون في آخر الأحداث التي تشهدها مدينتنا، من القذائف والحصار وانقطاع المياه والكهرباء والأغذية وغيرها.

منذ خمس سنوات، نجحت ريم رغم كلّ هذه الصعاب، ورغم الخوف الذي كان ينتاب كل المسيحيين، وليس غالبيتهم فقط. كيف لا والقنوات الفضائية تنقل لنا كل يومٍ أخبار القتل والذبح والخطف، وكل ما يجعلنا نرتعد خوفاً ونرسم خوفنا على درج كنيسةٍ من كنائس حلب!؟

نجحت والتحقت بالجامعة، لتتخرّج من كلّية الهندسة المعمارية. درست خمس سنوات مع كل الخوف من القذائف، وأنا واثقٌ بأنّ كلّ أمهات حلب كنّ يودّعن أولادهنّ إلى المدارس والجامعات، وعلى شفاههنّ دعاء "الله يحميكم".

كنا عندما نسمع صوت انفجارٍ ما، نتّصل بأبنائنا: "أين أنتم؟ لا تتأخَّروا"، وكم من الأهالي من لم يجبهم أبناؤهم، لأن شظيةً أو انفجاراً حصدهم.

مرات كثيرة، كانت القذائف تسقط في جامعة حلب، لتحصد عدداً من أبنائنا وطلبتنا، فننقل الجرحى إلى مستشفى الجامعة وهم يعتصرهم الألم.


رأيت الابتسامة على وجهها، وعلى وجوه أهلها. كيف لا واليوم هو عرسها العلمي؟

كان الطلبة يدخلون لمناقشة مشاريع تخرّجهم مع أهاليهم، ويخرجون والضحكة تسبقهم، فيتراكض رفاقهم من الطلبة، ويلتفّون حولهم للمباركة ومشاركتهم فرحتهم، والأهم من كلّ ذلك أنّ فكر التطرّف لم يستطع أن يفرّقهم.

كانوا يردّدون جميعهم "الهنهونة":

"صلّوا على محمد.. زين زين.. مكحول العين...".

ثم يقولون:

"صلّوا على عيسى.. زين زين.. مكحول العين...".
مسلمون ومسيحيون، شبان وشابات، بحجابٍ أو من دونه، تجمعهم العفوية والمحبة التي علّمتهم إياها سوريا.
صلّوا على محمد... صلّوا على عيسى.

اللهم اشهد أني بلّغت.

نشرت في الميادين