كنوز نت - محمد إبراهيم سواعد-ابن الحميرة


روافع للنهوض (4)


محمد إبراهيم سواعد-ابن الحميرة


تحدثنا في مقال الأمس عن مصطلح "خلق الحاجة" نحو التغيير والإصلاح في حياة الأمم والأفراد حتى تتمكن من ضبط سيرها وإصلاح طريقها ومراجعة حساباتها والمضي في طريق العزم والإباء في حياتها. 

وفي مقال اليوم نعرض لواقع المجتمع العربي الفلسطيني المشرد في وطنه منذ نكبة عام 1948، حيث عاش هذا الشعب مرحلة النكبة بكل تفاصيلها ومآسيها، والتي كان من تداعياتها حالة الضياع والشتات النفسي والتمزق التي عانى منها المواطن بشكل فردي والمجتمع بشكل عام.

ومع استمرار الحياة وقوة جريانها بدأ الشعب الفلسطيني يرمم نفسه ويطبب جراحه ويستأنف مسيرة الحياة رويدا رويدا بما أوتي من وسائل ومقدرات، ومن العوامل التي ساعدت:

1- طرق أبواب الجامعات المحلية والعالمية خاصة في الدول الشيوعية الأمر الذي أثمر عن خروج نخب أكاديمية قادت ووجهت العمل الوطني السياسي والتي ظهرت ثمارها في منتصف سنوات الستين من القرن الماضي وما بعدها.

2- الأحزاب والحركات السياسية والتي كان في مقدمتها الحزب الشيوعي والذي أسهم في غرس الوعي الوطني وقاد المظاهرات والاحتجاجات ضد سياسات دولة الاحتلال، ثم ظهرت الحركة الإسلامية البعد الديني مع مطلع السبعينيات من القرن الماضي وخاصة بعد نكسة 1967 وفتح المعاهد والكليات الشرعية في الضفة الغربية.


هذه التحركات الأكاديمية والحزبية أسهمت بشكل كبير في رفع مستوى الانتماء للقضية الفلسطينية، قضية الوطن والنكبة والاحتلال.

ومع تقدم الحياة وبناء المجتمع بدأت تطفو على مسرح الحياة الفلسطينية مظاهر هدامة سواء في الحياة العامة أو الخاصة، ومنها الصراعات والتنافس العائلي على الزعامة والقيادة ودخول مصطلح عائلات الإجرام الى المجتمع العربي، انعدام الرؤيا الواضحة نحو بناء مستقبل مشرق بالأمل لهذا الشعب، وضعف المنظومة القيادية والتي لم تلبِ تطلعات وآمال مواطنيها، اضف إلى ذلك المناكفات الحزبية والتي اضعفت روح الانتماء الحزبي لدى المواطنين، وهذه الأمور مجتمعة مع غيرها أدت إلى استفحال الجريمة والقتل والتمزق الداخلي من جديد في المجتمع.

نحو "خلق الحاجة":

لا شك أن الجميع بات يستطيع تشخيص الواقع بكل ابعاده ومستوياته ومسبباته، ولكن القليل من يملك القدرة على تشخيص الحلول الإبداعية الخلاقة لهذا الحصاد المر الأليم، ولعل أول ما ينبغي القيام به هو خلق الحاجة والدافعية الفردية والجماعية نحو الإصلاح والتغيير، فنحن نتحدث جميعا عن عمق الحاجة الى التغيير في معظم مناحي الحياة، ولكن في مواطن الجدّ والعمل فالكثيرون يتخاذلون أو يجبنون أو ينسحبون ويطعنون في غيرهم، ولعل مرد هذا على عامل نفسي مهم جدا؛ وهو أننا رضينا بهذا الحصاد العلقم واستسلمنا له أو أننا نخاف من نجاحنا في الإصلاح والتغيير، فالمريض الذي لا يقتنع بمرضه لن يلجأ إلى تناول الدواء، مما يفاقم حالة المرض ويعصب العلاج لاحقا، ولعل أول مراحل علاج أي مشكلة أو أزمة في الحياة هو الاعتراف بوجودها ثم البحث عن وسائل العلاج والدواء.

فهل بتنا ندرك عميقا مدى حاجتنا إلى الإصلاح والتغيير، أم أننا سنبقى نبكي ونعد المآسي ونتجرع الهموم ونلقي اللوم على غيرنا.

المسؤولية التاريخية:


الشعب العربي في الداخل الفلسطيني يقف اليوم أمام مسؤولية تاريخية ومنعطف خطير جدا تجاه قضيته وتجاه نفسه ثم تجاه الأجيال القادمة، بل وتجاه البشرية بأكملها، فقضية مصير الشعوب وإن اختلفت مكانا وزمانا إلا أنها تبقى مجتمعة تحت سقف الحق الإنساني المقدس في تقرير المصير لكل امة وشعب، لذا علينا اليوم أن نذوت عميقا في نفوسنا مسالة الحاجة إلى الإصلاح ونبذ عوامل الفرقة والخلاف والبحث عن مواطن الاتفاق التي نلتقي عليها وهي كثيرة جدا في حياتنا، ثم نبدأ بخطوات عملية مستندة إلى دراسات أكاديمية للنهوض بمجتمعنا نحو غد مشرق بإذن الله تعالى، وإلا فإننا سنبقى نئن بين مطارق عدو يتربض بنا ويثير النزعات والأحقاد وسندان الجهل والتعصب الذي يغذي مواطن الفتن ويزيدها اشتعالا، فالأمر بأيدينا ونحن من سيذوق العواقب إن خيرا فخيرا وإن شرا فنحن من اخترنا الطريق.


محمد إبراهيم سواعد-ابن الحميرة
مدير جمعية الأقصى