كنوز نت - بقلم : محمد إبراهيم سواعد- ابن الحميرة


حركة وركود:


محمد إبراهيم سواعد- ابن الحميرة



تمتاز الحياة الإنسانية على الأرض بالحركة والتجدد والديناميكية كما يقال، فهي تجدد وتلائم نفسها تبعا لظروف الزمان والمكان والأشخاص، وكل جماعة لا تتحرك أو تجدد نفسها مع مسيرة الحياة فإنها معرضة للزوال والاندثار عن مسرح الكون، فالحياة تعطي نفسها لمن يفرض وجوده الحضاري والأخلاقي والقيمي والإنتاجي، أما المستهلك فيبقى رقما في حسابات المنتجين.

وأعظم حركة تفرض الوجود الحضاري للأمم هي الحركة الفكرية التي تسبق أي نهضة، فالفكرة هي بداية النهضة ومحورها وهي محفز الانطلاق والإصلاح في سيرورة الإنسانية، وما البشر ومشاعرهم وتحركاتهم إلا حصائد أفكارهم، فمن فكر بالسعادة نالها، بل أتت إليه، ومن فكر في الشقاء جاء إليه يسعى ليلتقيا في منتصف الطريق، والأمة التي تبحث لنفسها وأفردها عن السيادة والخلود والمجد فلا بد أن تصل إليه بإذن الله تعالى، كما قال الله تعالى: 

(إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) الأنفال، 

والشاعر العربي أبو القاسم الشابي يقول:

إذا الشعب أراد الحياة يوما 
      فلا بد أن يستجيب القدر
ومن يتهيب صعود الجبال

        يعش ابد الدهر بين الحفر

إذا حياة الأمم وموتها رهينة أفكارها، وكلما حملت الأمة أفكارا عظيمة كان قدرها عظيما في الحياة، ومتى سقطت أفكارها سقط حجمها ودورها، ونجد ذلك في توجيهات النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه عندما كان دائما يوجه أنظارهم وأفكارهم ليس إلى الجنة فحسب، بل إلى الفردوس الأعلى وهو أعلى مراتب الجنة، وكان صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يستفز الهمم لأمر ما فإنه يجعل جائزة ذلك الجنة وليس عرضا من أعراض الدنيا، وهذا أسلوب تربوي عميق ليحفز الناس للنظر والتطلع على الجنة حيث الخلود والبقاء السرمدي هناك، أما الدنيا وأعراضها مهما تكاثرت بين يدي المرء فهي إما أن تزول عنه أو أن يزول عنها.

الحياة البشرية اليوم تشهد حراكا غير متناهٍ في الأفكار والأحداث، بل إن تسارع الأحداث أصبح ينسي بعضه بعضا، وما كان بالأمس جديدا أصبح اليوم من الماضي، ونشهد في زماننا من يخطط ويبرمج مجتمعه لعشرين أو خمسين عاما في أقل تقدير.

ومع كل الحراك الفكري والإنتاجي الذي تشهده عجلة الحياة المعاصرة إلا أننا لا زلنا نشهد ركودا وجمودا فكريا وحضاريا في صفوف الأمة العربية والإسلامية، ونعيش نقاشات عقيمة حول أحداث جرت قبل سنوات طويلة ولا معنى لأي نقاش او إضاعة الأوقات فيها؛ ومن أروع ما ورد أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه سئل عما وقع بين الصحابة فقال: تلك دماء طهر الله منها يدي فلا أحب أن أخضب بها لساني، وأصبحت حياتنا مجرد ردود أفعال وسجالات فكرية عقيمة بين التيارات الفكرية بمختلف مشاربها، وقلما تجد تكاملا أو انسجاما حتى بين أفراد الجماعة الواحدة أحيانا.

خيم الركود على حياتنا وأصبحنا نعيش اللحظة وقلما نفكر في الغد أو ما ينتظرنا بعد سنوات، وأصبح همنا البحث عن مناصب وانتصارات وهمية، بل ارتبطت حياتنا بدورات الانتخابات التي تشهدها البلاد، وكلٌ يخطط للفوز والانتصار، وعندما يصل المنصب يلعن ويهدم كل ما بناه السابقون ويعتقد أن الحياة ابتدأت من عنده، ولعل أسوا رجلين في حياة الأمم هما رجل ظن الحياة تنتهي عنده وآخر ظن الحياة تبدأ من عنده.

الأمة العربية والإسلامية التي تملك كل مقومات نهوض واستقرار الإنسانية كلها من مشرقها ومغربها، حيث انها تملك الميزان القيمي والأخلاقي الحضاري الذي جاءت به رسالات الأنبياء جميعا، وهذا الرصيد الإنساني هو مصدر استقرار الإنسانية وسعادتها، وكل المبادئ والقيم التي حاول الإنسان أن يشبع بها روحه ويخدر بها قلبه، انقلبت وبالا عليه ونغصت عليه مقومات السعادة التي يبحث عنها.

" الإنسانية المعذبة" تبحث في هذه الأيام عن حصانة فكرية تربوية تعيد للإنسان كرامته وللحياة جمالها وللزهرة بسمتها وللفراشة خفتها، فهل تملك الأمة العربية والإسلامية أن تنفض عنها رداء الجمود والركود وتبادر إلى طروحات فكرية إنسانية تتجاوب مع حاجة الفطرة الإنسانية التي أوشكت أن تنهار تحت مطارق الجشع والاستبداد والاستكبار العالمي؟.


محمد إبراهيم سواعد- ابن الحميرة
مدير عام جمعية الأقصى