كنوز نت - محمد سواعد


من واقع الخيال


محمد سواعد- ابن الحميرة 



لا تخلو حياة المجتمعات والأمم والأفراد من الأحزان والمصائب، بل إن هذه الأحوال هي جزء من حياة الفرد كما أشار الله تعالى في أكثر من آية في كتابه العزيز (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) الملك؛ 1-2 والكثير من المواقف في القرآن التي أشارت إلى معاني البلاء والابتلاء في حياة الأفراد والمجتمعات، بل إن هذه الأحزان هي بوابة الثواب والأجر العظيم في مسيرة الفرد إلى جنات الخلد، ويمكن التعامل معها بالصبر والاحتساب والرضا والنظر في عواقبها لعل الله يحدث أمرا؛ فعَنْ أبي يَحْيَى صُهَيْبِ بْنِ سِنَانٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: ع"َجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْراً لَهُ"؛ رواه مسلم. 


وكم من الأشخاص من رفعت الابتلاءات أقدارهم وأعلت من شأنهم، فهذا الخليل إبراهيم عليه السلام يبتليه ربه سبحانه بابتلاءات متعددة فلما تميز ونجح فيها كلها جعله الله تعالى إماما للناس وقائدا ( وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) البقرة؛ 124)، وكل نبي أرسله الله تعالى إلى قوم من الأقوام مر عليه من البلاء والعذاب فصبر ونجح حتى ارتفع شأن دعوته، وغني عن التعريف ذلك المثل العامي الذي يتكرر في حياة الناس عندما ينزل بهم البلاء (يا صبر أيوب).



ولعل أغرب ما مر في حياة الأنبياء ان يوسف عليه السلام وهو صغير في حجر الده يتخيل عاقبة ونتيجة البلاء الذي سيحل به في مستقبله (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) يوسف؛ 4)؛ فقد رأى في المنام رؤيا سجود الشمس والقمر والنجوم له، ولم يدرك أن طريق ذلك لا بد أن يمر ببلاء ومصيبة تمر عليه في حياته، ولكن والده عليه السلام أدرك ذلك وتيقن أن ابنه لا بد أن يبتلى فأشار إليه قائلا: (قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) يوسف؛ 5)، وفعلا صدق يعقوب عليه السلام في قراءة واقع الابتلاء والمحن في حياة القادة والعظماء، فمر ابنه يوسف بسلسلة مرعبة من الابتلاءات من كيد إخوته إلى فتنة زوجة العزيز إلى الحياة في السجن حتى حررته رؤيا رآها الملك، فكانت سببا في الإفراج عنه وتوليه منصب وزير الاقتصاد في مصر، حتى جاء إخوته الذين كادوه يستعطفونه ويسالونه الطعام والشراب.
نعم إنه واقع الخيال في حياة العظماء، أن يبحر الإنسان في تصور حياة أجمل وأرقى وأعز لمجتمعه ثم بعد ذلك يبدأ في سبل الوصول إلى ذلك الحلم الجميل؛ ومن اللطائف ما قالته هيلين كيلر الإنسانة الملهمة (أفضل أن أعيش طوال حياتي كفيفة من أن أعيش حياة بدون حلم).


إننا اليوم في غمرة الأحزان والمصائب التي ترجمنا بحممها صباح مساء أصبحنا ندور في فلكها ونسينا أن نحلم بواقع ومستقبل أفضل، بل إننا نرمي أولئك الذين يحلمون بذلك الواقع الجميل بالجنون والسخافة، نعم إننا اليوم في أمس الحاجة الى رجال عظماء يحلمون ويفكرون وينظرون لمستقبل وردي تسجد لنا فيه الشمس والقمر والنجوم والكواكب والأفلاك كلها، وهذا ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم في أكثر من مناسبة وموقف في حياة الدعوة الإسلامية فكان يستشرف للناس ذلك المستقبل الزاهر مما حرضهم على العمل والاجتهاد حتى حققوا ذلك الحلم الذي كان مستحيلا في نظر من يريدون أن يحصروا أفكارهم في قراءة موازين القوى التي عاشها المسلمون في مكة المكرمة.


ومما يذكر في هذا المعنى أن ملكا طلب من وزيره أن يرسم له نقشا على خاتمه فكتب الوزير الحكيم "إن هذا الزمن سيمر" فكان الملك إذا مر ببلاء ومصيبة قرأ هذه العبارة فطابت نفسه وتحسن مزاجه، ونحن على يقين أن هذه الابتلاءات التي تمر على الإنسانية كلها وعلى أمتنا العربية والإسلامية وعلى مجتمعنا سيعقبها الفرج الواسع العميق وما ذلك على الله بعزيز.



محمد سواعد- ابن الحميرة
مدير عام جمعية الأقصى