كنوز نت - د. منعم حدّاد


ضمان صحّيّ قديم!


تفاخر معظم الدول والمجتمعات العصرية الحديثة برعايتها لمواطنيها وتقديم الخدمات الطبية والاجتماعية لهم طيلة حياتهم وبشكل خاص عندما يبلغون من العمر ما لا يمكنهم من مواصلة الكد والجد والعمل الدؤوب وكسب الرزق، ويقاس تقدم الدول والمجتمعات العصرية في كثير من الحالات وتطورها بمدى ما تقدمه لمواطنيها من هذه الرعاية بأشكالها المختلفة! 

فتقديم الخدمات الاجتماعية والطبية للمواطنين هي من أولويات مهام الدولة والمجتمع الحديثين والعصريين تجاه المواطنين، أو هكذا على الأقل يدرك البعض في أيامنا هذه، ويعمل على تطبيق هذه النظريات والفلسفات عملاً لا قولاً فقط!

ومما لا بدّ من الإشارة إليه هو أن هذه الخدمات والتأمينات الصحية والطبية وما إليها تقدم عادة وفي الدول الحديثة مقابل ما تجبيه من مواطنيها من أجور ورواتب ومداخيل وعرق الجبين طيلة الفترة التي كانوا يعملون فيها ويكسبون، وليس مجاناً ولا إحساناً ولا خدمة لوجه الله...

ولا ندري إن كانت الدول العربية في مقدمة هذه الدول في تقديم الخدمات لمواطنيها ورعايتها لهم، ونكاد نجزم أن الكثير منها مثل سوريا واليمن وليبيا والسودان والعراق سواها لا يفكر – حتى مجرد تفكير - بذلك، لأنها غارقة في الاقتتال وسفك الدماء إلى ما فوق أذنيها، والهمّ الأكبر والأول لحكامها ولمعارضيهم هو المحافظة على مصالحهم والسيطرة على مقدرات دولهم وشعوبهم لمصلحتهم هم وحلفائهم وأتباعهم ودحر معارضيهم والقضاء على مناوئيهم من مواطنيهم أنفسهم.

وللأسف فإن مثل هذه الدول بلغت الحضيض بعد أن كانت في الماضي البعيد نموذجاً ومثالاً وقدوة لمن يقتدي بها ويحذو حذوها وبشكل خاص في تقديم الرعاية الطبية والمعيشية لمواطنيها المحتاجين.

ويكاد المتصفح لكتب التاريخ لا يصدق ما تخبره هذه الكتب عن اهتمام بعض خلفاء الأمويين برعاياهم ومواطنيهم، والخدمات التي أمروا بتقديمها لهم، وذلك بالإضافة إلى فتوحاتهم وعماراتهم وإنشاءاتهم والمدن والمساجد والقصور التي أمروا ببنائها والتي ما زال الكثير منها بادياً للعيان حتى اليوم.


فهذا الوليد بن عبد الملك مثلاً والذي حكم ما بين عامي 705 و 715 تمّ في زمانه فتح بلاد ما وراء النهر، وفتح بلاد السند وفتح بلاد المغرب، وفتح الأندلس، ومن اهتمامه بشؤون الناس والدولة أنه "أمن طرق الدولة في مختلف الاتجاهات من دمشق إلى الحجاز وإلى أفريقية وإلى كافة الاتجاهات كما حفر الآبار على طول هذه الطرق، ووظف من يعنى بهذه الآبار ويمد الناس بمياهها".

ومن آثاره العمرانية الخالدة الجامع الأموي بدمشق، والمسجد النبوي والمسجد الأقصى المبارك الذي بدأ به أبوه (كما في ويكيبيديا مثلاً).

والأهمّ من ذلك أنّه "أول من أقام المستشفيات في الإسلام وحجز المجذومين وأجرى لهم الأرزاق، وأعطى لكل أعمى قائدًا ولكل مقعدًا خادماً، يتقاضون نفقاتهم من بيت المال في دمشق، وتعهد الأيتام وكفلهم ورتب المؤدبين، وأقام بيوتا ومنازل لإقامة الغرباء".

أجل، من أهم إنجازاته التي تفخر بمثلها كل دولة عصرية أنه كان "هو أول من أنشأ المستشفيات في الإسلام. فقد أقام مستشفى للمجذومين والعميان في دمشق (88 هـ / 707 م) على نفقة بيت المال وجعل حق العلاج فيه لكل مريض فقيرا كان أو غنيا، مسلما كان أو ذميآ وقدم المعونة والمساعدة للمحتاج واقام دور الرعاية وجعل لذلك موظفين... وشاع بناء المستشفيات في العصر الأموي حتى أصبح في الكثير من المدن الإسلامية. ولم يكن المغرب الإسلامي اقل اهتماما من المشرق ببناء المستشفيات، إذ كان في قرطبة أيام الدولة الأموية 50 مستشفى".

فأين من كل ذلك الدول والمجتمعات العصرية والمتطورة؟؟؟
source: https://www.knooznet.com