كنوز نت - بقلم : شاكر فريد حسن


وسام دلال خلايلة على دروب الإبداع


وسام دلال خلايلة الناهضة والآتية من ربوع عكا وقلاعها وأسوارها التي عجزت أساطيل نابليون عن اختراقها، إنسانة متأدبة تعشق الحرف والكلمة، وتكتب الومضات والخواطر النثرية والشعرية والصور القلمية، وتنشرها على صفحتها في الفيس بوك. وهي تصبو وتطمح بحفر اسمها عميقًا في صخور الإبداع، وإثبات حضورها ووجودها في المشهد الثقافي المحلي. 

كتابتها رقيقة فيها وداعة الهمس، وحنان الندى، ودفء الإحساس، وهي تعيش نصها بكل نبضة وخلجة في أعماقها، وتمتلك مفردة لغوية شعرية وأدبية تأسرك وتتغلغل فيك كنسغ الحياة، فتغذي الروح وتهز الوجدان.

إنها تسخر عناوينها وحروفها وأدواتها لتلامس شغاف القلب بلا استئذان، وتفرض عليك أن تعيش وجعها وألمها وغربتها وقلقها الإنساني وضياع وطنها الذي تحبه وتعشقه.

وسام دلال خلايلة مسكونة بهموم الناس والوطن، وجريئة في وضع إصبعها على الجرح، يتلازم وجعها الشخصي مع وجع الإنسان المقهور المعذب، فبسطاء الناس هم أهلها، تنحاز لهم، وحياتهم ومعاناتهم ملح ومضاتها وخواطرها وصورها. تحيا همومهم اليومية وتنقلها في صور معبرة ولغة مميزة حية ورشيقة، نابعة من عمق الجرح والمأساة، تمتاز في جوهرها بصدق الشعور.

والصورة المؤنسنة لدى وسام ذات نزوع جمالي تأملي استغراقي في مثيرات الطبيعة، بمعنى أن شعريتها انبثاقية تحاول تحريك الأشياء، وغالبًا ما ترتقي صورها المؤنسنة فوق حيز المتوقع والمحتمل، وتبدو في غاية الحس والتكثيف والايحاء، كما لو أنها ترتقي بخيالاتها فوق المدركات والمعطيات الشعورية الحسية البسيطة محفزة جمالياتها بأسلوبها التشكيلي وطرائقها التعبيرية المتعددة. فلسمعها تقول في هذه الومضة :

لكلِّ بُحورِ الأرْضِ شَواطئٌ
إلّا بَحْرِكِ يا عَكا لَهُ طُفولَتُنا
فكيف لا أكونُ غَريقَةً وأَنا المُغتَرِبَةُ .

وفي ومضة رائعة أخرى تقول :
إذا القلبُ اصطفى
تزهّدت الروحُ في محراب عشقه
 وإن خشعت في الصلاة
 هرول الشوْقُ للقائه.

وهي تفعل صورها بإيقاع الأنسنة، وتشخيص الجمادات تبثها مشاعرها وأحاسيسها برؤى تفاعلية تجمع بين الآني والغائب، وبين الحلم والواقع، والشعور والخيال. وتهتم بالتعابير واللوحات الجمالية، وتتصف بجمال اللغة وسلامة التعبير وجودة الصياغة التي يكسوها الفكر المتقد والصور المعبرة والمعنى الجميل والمفيد، بعيدًا عن اللغو والحشو فضلًا عن المعاني الأنيقة والأسلوب الرشيق والاستعارات والايحاءات التي تزيد كتابتها رونقًا وجمالًا. وفي قاموسها يسمو عاليًا صوت الإنسان والوطن والجمال وسحر الطبيعة.

ومن صورها القلمية اخترت هذا النص، حيث تقول :

" بيتُ جدّتي داخلَ الأسوار كباقي أبناءِ حيّنا "شارعنا"... فما أن يدخلَ السبتُ (يوم الجمعة عصرا) ويخرج (السبت مساء)، حنى ينتشرَ الهدوءُ من شارع إلى آخر ليخيّم على جميع البيوت ... وتبدأ طقوسُهم الدينيّة، فلا يستعملون الكهرباء فيضيئون شموعا، يذهبون إلى الكنيس (المقابل لبيتنا غربا وهو بيت عربي) وأخرى ... أمّا نحن نحجّ إلى داخلِ الأسوار لنلعب في أحيائِها مع الأصدقاءِ والأقارب، فيعلو صراخُنا ويدوي بحرّيّة فما من جارٍ يُطلّ من الشباك ليصرخَ بلغته التي لا نفهمها، بل نفهم تعابيرَ وجهِه ولغةَ جسدِه أنّه يحاولُ إسكاتنا...

كالبرزخِ هو الخندقُ فاصلٌ بين مَن يمارسون الحياةَ طقوسا وبين مَن يعشقونَها ".

تحية للصديقة الأستاذة وسام دلال خلايلة التي تقف على تلال الكتابة الإبداعية، متمنيًا لها مستقبلًا أدبيًا واعدًا مبشرًا بالخير، ومزيدًا من العطاء والتألق، وبانتظار كل جديد.