كنوز نت - بقلم : د. منعم حدّاد



الفن الرفيع، لا الرقيع ولا الخليع!


عندما يقرأ المرء كتب الجواري والقيان في العصور المختلفة، ووصف الاحتفالات وعلى وجه الخصوص "الليالي الحمراء" التي كانت تقام في قصور الملوك والخلفاء والأمراء، وما يدور فيها من لهو ومجون، يكاد لا يصدّق ما يقرأ وربما يحمرّ وجهه خجلاً، وتكاد "تنقطع أنفاسه" لهول ما كان يتخلل تلك "الاحتفالات" من خلاعة وفجور وعربدة وكشف مستور وإباحية... 

و"تطوّر" العالم، ولم يبق خلفاء، وتقلّص عدد الدول التي ما زال يحكمها ملوك ويعيث في ربوعها أمراء فساداً وبدا وكأن الرذيلة وكل ما يناقض الأخلاق الكريمة هي التي أصبحت سيدة الموقف ولها القول الفصل...

كما تطوّرت التكنولوجيا وغزت كل مجالات الحياة، وأصبحت في متناول الجميع، ومتاحة للصغير قبل الكبير، وازدهر الفن الغنائي من حيث إمكانيات نشره وترويجه اللامنتهية واللامحدودة، وغصّت الساحة بالفنانين والمطربين والمغنين من أصلاء ودخلاء وأدعياء ومزورين ومنشّزين وخلعاء وما إلى ذلك.

والفنّ، كما يستدّل من رأي أرسطو - بحسب بعض المصادر- في فن الشعر خاصّة والأدب عامة، يمنح المرء ما يعرف بالكثارسيس، والكثارسيس في الشعر خاصة والأدب عامة يؤدي دوراً مشابهاً للدور الذي يؤديه الكثارسيس في الموسيقى، والكثارسيس في الموسيقى هو كالكلثارسيس في الطب القديم، والذي يقصد به استبعاد "المواد الإضافية الزائدة واللاضرورية" من جسم الإنسان، والفرق الأكبر هو أن الكلثارسيس في الطب يستبعد "المواد"، بينما يستبعد الكثارسيس في الموسيقى الانطباعات والتأثرات والإيحاءات السلبية ويمنح المرء الشعور بالسعادة والهناء...

والفن الغنائي يخاطب أول ما يخاطبه – وهذه وظيفته الأولى – الأحاسيس المرهفة، ويبعث النشوة والفرح في القلوب والصدور والأرواح والنفوس، هو يخاطب العواطف النبيلة والأحاسيس السامية...

ويسمو بالكلمة الفريدة واللحن البديع الرائع، ويسمو به كل من يسمعه ويستمتع به!


ويفلح في ذلك بناء على احتوائه على الكلمة الفريدة الفذّة، واللحن العبقري السامي، والأداء الرفيع الممتع الراقي...لأنه يخاطب الروح والقلب والفؤاد...

ويحكى أن البعض عاب على الشاعر اللبناني العملاق جورج جرداق كما تقول بعض المصادر لأن كلمات أغنيته "هذه ليلتي" التي لحنها عملاق الموسيقى عبد الوهاب وشدت بها المعجزة أم كلثوم - لأنها "تبعث الخدر في النفوس"، فردّ البعض عليهم بما معناه: "أليس من أول مهام الفن الراقي أن يبعث الخدر بالنفوس ويسمو بالأروح إلى أعالي السموات"؟

أما اليوم فقد تطورت الأمور وليس في اتجاه إيجابي دائماً، فطغا التتجير والاتجار بالفن، وسيطر الفن الهابط، واشتهر من بين أهل الفنّ أدعياء "احتكروا" العري والإيماءات الجنسية والإيحاءات الإباحية و"استأنسوا" بالحركات الخليعة، فغدا جزءاً لا يستهان به من الغناء في الحضيض، وكل همّه استثارة المشاعر والغرائز الوضيعة...

وأصبح الفن الذي من المفترض أن يكون رفيعاً، يصول ويجول بين أقطابه الأصلاء بعض الأدعياء والدخلاء من محترفي العري ومحتكري استثارة الغرائز، ليجعلوا منه فنّاً رقيعاً، خليعاً، هابطاً، لا رفيعاً، والنماذج على ذلك أكثر من أن تعدّ وتحصى...