كنوز نت - بقلم المهندس باسل قس نصر الله مستشار مفتي سورية



"المسيحيون إلى بيروت" 



في بداياتِ الأزمةِ السوريةِ، صَرخَ شخصٌ - بِلحيةٍ وشكلٍ مخيف - أمام الكاميرات والخليويات وقال: "العلويون على التابوت والمسيحيون على بيروت".

كما صَرخَ شابٌ بشكلٍ هستيري - خلال هيجانٍ جنوني في مدينةِ حلب: "سنأتيكم في الأسبوع القادم يا أهل العزيزية" وهو يُلوّح بسكينٍ كبيرة، والعزيزية منطقة في مدينة "حلب" تقطُنها غالبية مسيحية وفيها العديد من الكنائسِ.

وتَوالت الأحداث وخَرَجت مِن الذاكرة الكثير مِن مشاكلِ الماضي البعيد، والخوف من الآخر، مُعتقدين أن هؤلاءِ الموتورين والمُتطرِّفين مِن المسلمين يُمثِّلون كل المسلمين.

وَبدأ الخوف ينتابُ المُكوِن المسيحي، وأصبَحت مجالس اللِقاءات تتناول الأحداث، وتُفسِّر، وتُحَلِّل، وتزيد من حالاتِ الخوفِ المُستَتِر لِتحيلهُ إلى هَلعٍ بِصوتٍ مُتزايد.

وَتَزايدَ تناقل المراحل السوداوية في تاريخ البلاد - وهي بغالبيتها صحيحة – وتراجَعت الصفحات الناصِعة من التآلف والتحابُب.

كُنتُ أستيقظُ صباحاً في مدينتي "حلب" وعلى مقربة قليلة يرتفع علمَ "داعش"، الذي شوّهوا كلماته وَرمزه للسماحةِ فأصبحَ في العالمِ أجمع يُمثِّل رمزاً للقتل والخوف.

هذا يقول: "يا أستاذ، الأمور واضحة، المتوكِّل العباسي أمرَ بِهدمِ كنائس المسيحيين وبأخذِ العُشر مِن منازلهم، وإذا كان الدار واسعاً صودر وبُني مسجداً وإن لم يَصلح جعله أرضاً مَمسوحة، يا أستاذ هؤلاء أحفادهم" 

والثاني يقول مؤكِّداً كلام الأول: "نعم، وأمَرَ المسيحيين بوضع صوراً للشياطين على أبوابِ منازِلهم للتفريق بينهم وبين المسلمين، يا أستاذ بالرقة وإدلب وضعوا اليوم حرف "نون" للدلالة على نصراني، وغداً سَيُجبِرونهم على وضع صور الشياطين".

والثالث يتكلم ويقول: أستاذ ... المُقتدر أمرَ بأن لا يَبقى أحدٌ مِن غير المُسلمين في الوظائف، وغداً سنُصبح بِلا عَملٍ ... وتُريدنا أن نبقى؟

"يا أستاذ سَيَمنعون أولادنا مِن التَعلّم في المدارس كما مُنِعوا على ذلك أيام المتوكل الذي علَّل ذلك بأنه يريد إعزاز الإسلام وإذْلال الكفار"

ثم يتمُّ النِقاش حول أينَ نَذهَب؟
كيفَ نَذهب؟

وبدأ الهروبُ وليس الهجرة، فالجميع يَبحثُ ويُفَتِّش في تلافيفِ دِماغهِ عن أقارب لِيَسألهم ويَستَشيرهم.

نعم حَدَثَ هذا وبقي الجَمر مُشتعلاً قروناً طَويلة، وكانَت النفوس تَختَزِن وتَمتَلىء الذاكرة، وأحياناً كانت تَخرج كلمات منددة بذلك.


فمثلاً كانت مآدب الإفطار يَشترك فيها المسيحي مع أخيه المسلم، وأقول وأصرخ بالفم الملآن "أخيه المسلم"، وفي مأدبة إفطار أقامَها في 11 نيسان 1957 رئيس الجمهورية السورية آنذاك شكري القوتلي لكلِّ رؤساءِ الطوائفِ الإسلامية والمسيحية، قامَ البطريَرك مكسيموس الصايغ قائلا: "إنَّنا نَحنُ المسيحيين، سكان وطننا السوري لا نَبخل بشيء، حتى بِدَمنا في سبيل خدمته. ومع ذلك نَسمع من وقت الى آخر بِأننا كافرون ومشركون ... بلْ بِالعكس نَحن، قَبلكم جميعاً نؤمنُ بوحدانيةِ الله، وبفضلنا انتشرت هذه العقيدة التوحيدية ... هذا هو ايماننا. وأيضا نأسفُ أن العروبة هي صفة يَحتكِرها فقط المسلمون.

أنتَ الذي تريد إخافتنا وأنت الذي تُريد ترحيلنا وذبح المكوِّنات الأخرى، هل تعرف التاريخ؟

هل تتَذكّر السورة 48 من آية المائدة؟: "وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ" 

هل تَرحيلنا وتخويفنا وذبحِنا يَندرجُ ضمن الخَيرات؟ 

هل ستَحذِف سورة مريم من القرآن الكريم؟ 
هذهِ السورة التي حَمَلها المسلمون المهاجرون مَعهم إلى الحَبشة لتَشفع فِيهم عِندَ النَجاشي المَسيحي، وقَد تَلاها جَعفَر بن أبي طَالب بِحَضرتِه : فاحتَضَنَهم النجاشي، وحَمَاهم.

أنتَ يا مَن تُلَوِّح بالسكين والساطور هل تَعرِف أننا نستخدِم السكين في العمليات الجراحية لإنقاذ إنسانٍ ودون أن نسألَ عن دينه؟

للأسف جَعلتمونا نَحنُ المَسيحيين لا نَزال غَير واثقينَ من انتِمائِنا لأرضِنا، فباتَ الكثير يبحثُ عن أرضٍ جديدةٍ وبلادٍ جديدةٍ ويفتخرُ بِأنه أصبحَ من مواطنيها.

أصبحَ لدى الكثير إحساسٌ بالخَوفِ مِنَ المُستقبَل، لأن المَجازِر التي وقعت في أيام العثمانيين تتراءى أمَامَهم، وكأن كلّ المُسلمين يَستعدون لشنِّ حملة اضطِهادٍ على المسيحيينَ في أي لَحظة.

أنتَ أيها الشاب الذي لوَّحتَ بِسكينكَ دونَ أن تَعرفَ أن هِستيريتكَ أعادتِ الخوف والهلع إلى المسيحيين وجَعَلَتهم يأخذون بِنَصيحَتك الجوهرية لِلهروبِ ليس إلى بيروت فقط، بل أصبحت بيروت مَحَطّة للهجرة الى جميع أصقاعِ العالم. 

أنتَ بدَل أن تُطمئننا، تُخيفُنا، ويَعتقدُ المسيحيون أنَّ كلّ المسلمينَ سيخيفونَهم.

اعتذر لأنني استَخدَمتُ معكَ كلمة "أنتَ" 
أما مع المسلمين الحقيقيين أبناء سورية
فلقد تعودنا أن نستخدم سوية كلمة "نحن"

اللهم اشهد اني بلغت


تم نشر المقال  في "الميادين"