كنوز نت - بقلم : الشَّيخ حمَّاد أبو دعابس - رئيس الحركة الإسلاميَّة


عاشوراء ....... بين عالميَّة الإسلام وشخصنة التَّاريخ


▪️ لمَّا قدم النَّبيُّ الكريم صلَّى الله عليه وسلَّم المدينة المنوَّرة ، وجد يهود المدينة يصومون يوم عاشوراء ، ولمَّا سأل عن سبب صيامه ، قالوا : هذا يومٌ مباركٌ نجَّى الله فيه موسى عليه السَّلام من بطش فرعون وجنوده . فقال عليه الصَّلاة والسَّلام ، أنا أولى بموسى منهم ، فصام عاشوراء . وفي آخر سنوات عمره ذكر عاشوراء وقال : لئن حييت إلى قابل لأصومنَّ التَّاسع ( مخالفةً لصيام اليهود ) . الشَّاهد في الموضوع أنَّ نظرة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم للأنبياء من قبله ليست نظرة أندادٍ ولا خصومٍ ولا أعداء ، كما هي نظرة من ينسبون أنفسهم للشرائع السَّماويَّة ، فيتعادون ويتقاتلون تحت راياتهم وشعاراتهم الطَّائفيَّة والدِّينيَّة المختلفة . بل نظرته نظرة الدِّين الواحد ، على اختلاف الأزمنة ، والأماكن والمواقع والأشخاص .

▪️ في عقيدتنا : الأنبياء أخوةٌ ، والدِّين واحد هو دين التَّوحيد ، والشَّريعة تختلف بين زمان نبيٍّ وآخر . قال تعالى : " إنَّ الدِّين عند الله الإسلام " . ومن أركان الإيمان الَّتي لا يكتمل الإيمان إلَّا بها ، الإيمان بجميع الأنبياء والمرسلين ، بما فيهم موسى وعيسى عليهم السَّلام . وأنَّ رسالة جميع المرسلين رسالةٌ واحدةٌ ، ولكنَّ شرائعهم مختلفة ، لاختلاف الزَّمان والظُّروف ، ولمحدوديَّة القوم والفترة الزَّمنيَّة لشريعة كلِّ نبيٍّ ونبيٍّ . إلَّا رسالة الحبيب محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم ، الَّتي جاءت متمِّمةً وملخِّصةً وجامعةً ، لكلِّ ما يلزم البشريَّة لكافَّة شعوبها وأجيالها وبيئاتها ، حتَّى قيام السَّاعة .
▪️ في ظلِّ هذا الوصف المقتضب لعالميَّة رسالة الإسلام ، الَّتي عبَّرت عنها ذكرى عاشوراء وسنَّة صيام يومها ، فلنلقِ نظرةً عاجلةً على احتفالات عاشوراء لدى الشِّيعة .

▪️ فالقوم يحيون في هذا اليوم ذكرى استشهاد سيِّدنا الحسين بن عليٍّ رضي الله عنهما ، وعن آل بيت رسول الله أجمعين . رغم أنَّ أهل العراق الَّذين تباكوا على دم الحسين طويلاً ، هم الَّذين خذلوه ، فكانت قلوبهم معه ، وسيوفهم عليه ، رضي الله عنه وعن آل البيت الكرام .

▪️ الشِّيعة يتباكون على استشهاد سيِّدنا الحسين ، ويحيون لذلك يوماً خاصَّاً هو يوم العاشر من محرَّم ، يعلنون الحداد ، ويلبسون السَّواد ، يلطمون الخدود ويشقُّون الجيوب ، ويطبِّرون أجسادهم فيسيلون دماءهم ، جهلاً وغباءً وعصبيَّةً ، ما أنزل الله بها من سلطانٍ . ثمَّ يتبعون ذلك بأربعينيَّة لوفاته ، والمسيرات والمهرجانات وزيارات الأضرحة والتَّزاحم الَّذي يسقط فيه القتلى في الحرِّ والتَّزاحم .

▪️ كم قُتِل واستُشهد من خيرة الصَّحابة وآل البيت الكرام . بل مات خيرة البشريَّة محمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّم ، ثمَّ استُشهد صهره وابن عمِّه عليٌّ كرَّم الله وجهه ، ثمَّ الحسن بن عليٍّ ، ومواكب الشُّهداء والقادة العظماء تطول ، فما رأينا أحداً أوقف عجلة التَّاريخ عند موت أحدٍ كما يفعل الشِّيعة مع ذكرى استشهاد الحسين .


▪️ لماذا الحسين وحده دون أخيه الحسن ، مثلاً ؟ ، ودون أبيه أو أمِّه أو جدِّه المصطفى صلوات الله عليه وسلامه ؟ . ولماذا يجب أن يتوقَّف التَّاريخ عند مقتل سيِّدنا الحسين ؟ ، مع أنَّ القرآن العظيم نبَّهنا إلى أنَّ التَّاريخ لا ينبغي أن يتوقَّف حتَّى لو مات أو قُتِل محمَّدٌ سيِّد البشر صلَّى الله عليه وسلَّم ؟ . قال تعالى : " وما محمَّدٌ إلَّا رسولٌ قد خلت من قبله الرُّسل ، أفإن مَّات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضرَّ الله شيئاً وسيجزي الله الشَّاكرين " .

▪️هذا هو الفارق الأعظم بين صيامنا ليوم عاشىوراء ، الَّذي نطمع فيه بكفَّارة ذنوب عامٍ مضى ، كما بشَّر النَّبيُّ الكريم صلَّى الله عليه وسلَّم . ونصومه لأن حبيبنا صامه لأولويَّته بموسى ممَّن ينتسبون لشريعته ، فنعبِّر بذلك عن سعة الإسلام للبشريَّة وللرِّسالات كافَّة ، وعمقه بمعاني المحبَّة والإنسانيَّة والإحترام ...... وبين من يحصرون التَّاريخ والدِّين في مقتل شخصٍ بارزٍ ، يقدِّسونه ، ويعظِّمونه ، ويشركونه مع الله ، ويحرِّفون الدِّين كلَّه تحت ذريعة الإنتماء إليه .

 قسَّموا الأُمَّة ، نشروا الشِّرك ، يبثُّون العداء لكلِّ أجيال المسلمين ، وكأنَّ مليار ونصف مليار من المسلمين السُّنَّة المعاصرين ، كلُّهم من نسل يزيد بن معاوية ، وكلُّهم شركاء في قتل الحسين رضي الله عنه ، وجمعنا به وبآل بيت رسول الله على حوض جدِّه المصطفى ، وفي مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدرٍ .
▪️نعبد الله ولا نقدِّس الأشخاص .


▪️نصوم عاشوراء ولا نلطم الخدود أو نشقُّ الجيوب .

▪️ندعوا للإسلام الَّذي يحبُّ الخير والهداية للبشريَّة جميعاً ، لا لبثِّ العداوات والأحقاد إنتصاراً لشخصٍ أو أشخاصٍ في قديمٍ أو حديثٍ .

" والله غالبٌ على أمره ، ولكنَّ أكثر النَّاس لا يعلمون " .