كنوز نت - ( أجرى اللقاء : الشاعر والإعلامي الدكتور حاتم جوعيه – المغار – الجليل )


 لقاء مع الفنان والمخرج المسرحي "محمد عبد الرؤوف " 


         
 بما أن الشخصيات الهامة في مجتمعنا والتي لها نصيب وحصة كبيرة في أن تتوج الحروف العربية بمسيرتها التي يفخر بها كل منا اخترت أن أجري هذا الحوار مع الأستاذ مدرب التنمية البشرية والمؤلف والمخرج المسرحي محمد عبد الرؤوف محاميد من مدينة أم الفحم ليحدثنا عن مسيرته ونجاحاته منذ أن سلك دروب العلم إلى أن استمع لقصص من واقع الحياة المرير الذي دفعه ليكتب سينارو مسرحية القوارير التي أخرجها على مسرح مركز العلوم والفنون في مدينة أم الفحم ومن ثم مسرحية الخازوق من انتاج مسرح وسينماتك أم الفحم وقد لاقتا نجاحا كبيرا في العروض .

حدثنا باختصار عن مسيرتك التعليمية . 


- حصلت على شهادة الماجستير في المسرح عام 2012 , وشهادة تدريب معلمين عام 2007 وشهادة لتعليم الإعلام والاتصال الجماهيري 2002
والشهادة الجامعية الأولى وهي بكالاريوس بالمسرح عام 1980 .
درست العديد من الاستكمالات في عدة مجالات منها العلاج بالطاقة , والتنمية البشرية .

وقد أصدرت ثلاثة أبحاث وهي :

-مسيرة الحركة المسرحية في الضفة الغربية ( ما بين أعوام 1967-1987 ) من إصدار مركز إحياء التراث بالطيبة . 1990
-علامة من الفحم – وهو بحث مشترك مع زميل باسم يتحاق بلاتك , وتم إصداره عام 1989
-تأثير مهرجان مسرحيد على المسرح العربي ( باللغة العبرية ) , صدر عام 2013 . وقد أصدرته باللغة العبرية , لأن مادته كتبت كرسالة ماجستير , وتم تقديمها لجامعة تل أبيب بالعبرية , وقد قمت بتحويل المادة لتتناسب مع كونها كتاب .


أعلم اليوم أنك تحاضر في الكلية الأكاديمية العربية في حيفا والجامعة المفتوحة ما هو الذي جعل الأستاذ محمد ينقل هذه النقلة من حياته العملية في مدارس بلدته إلى كليات أكاديمية ؟

في عام 2010 كانت ابنتي الثالثة بعامها الجامعي الأخير للحصول على شهادة البكلاريوس , وذلك بعد أن أنهت الأولى والثانية تعليمهن . فقلت في نفسي , أنه لقد آن الأوان أن أعطي لنفسي كما أعطيت لعائلتي . فتابعت تعليمي للمسرح لنيل شهادة الماجستير في جامعة تل أبيب . حينها أدركت كم أنا بحاجة للعودة إلى المسرح . فأخبرت مدير المدرسة الثانوية التي كنت أدرس فيها موضوع الإعلام , أنني سأطلب التقاعد من المدرسة حالاً عند حصولي على الشهادة . وفعلاً كان لي ذلك عام 2013 .

لم يمر شهر , وإذا بزميلة لي تدرس في كلية بيت بيرل تتصل بي , وتخبرني أنهم بحاجة لمعلم في مجال المسرح . فبدأت مشوار تعليمي الأكاديمي هناك . وقبل نهاية الفصل الأول عام 2013 , تلقيت مكالمة من صديق لي يخبرني أن الجامعة المفتوحة بحاجة لمعلم مسرح , وباشرت عملي مع بداية الفصل الثاني عام 2014 كمحاضر لمادة المسرح هناك . وأنهيت وظيفتي في بيت بيرل , وانتقلت نهائيا إلى الجامعة المفتوحة . ومنذ عامين أقوم بتدريس مساقات في المسرح في الكلية الأكاديمية العربية في حيفا , وعملي مستمر في الجامعة المفتوحة .


هل تواجه صعوبات في عملك كمحاضر لجيل يختلف عن الأجيال التي كنت تدرسها سنوات طويلة ؟


 بالعكس تماماً . ففي تدريس بالجامعة وبالكليات أجد متعة كبيرة , ذلك لانني أعشق المسرح . وأقوم بتدريس عدة مساقات في هذا المجال , وأجد نفسي صاحب رسالة , وهي التثقيف المسرحي , حيث أتيحت لي الفرصة من خلال هذه الأكاديميات لتعليم ما يزيد عن ماءة طالب وطالبة بكل فصل . فأدخل لكل محاضرة بتجدد ونشاط غير مسبوق , لأجعل من محاضرتي مادة ممتعة ومفيدة للطلبة . والحمد لله أحظى بتقدير مهم أولا ومن زملائي , والقائمين علي .


أنت مدرب تنمية بشرية هل تحدثنا باختصار عن الموضوع ؟


 تجربتي مع التنمية البشرية تعود إلى بداية سنوات الألفين , حين انتقلت للتدريس بمدرسة ثانوية خاصة للبنات . قبل بداية العام الدراسي , أوكلني مدير المدرسة في حينه بتربية صف ثاني عشر . وخُبِرتُ أن هذا من يدرسن في هذا الصف لن يتقدمن لامتحانات البجروت . وقبل بدء العام الدراسي , شرعت في البحث عن وسائل تجعل الطالبات يتقدمن للبجروت , فوجدت بمادة التنمية البشرية ملاذاً لقضيتي . وطلبت من مدير المدرسة , أن يزودني بساعات من أجل تشجيع طالبات هذا الصف للتقدم للبجروت . وفعلاً استجاب لطلبي , وفي آخر السنة تقدمت 14 طالبة لبعض مواضيع البجروت . أدركت حينها أن لا شيء مستحيل , ولنقل أفكاري , التي نضجت بعد دراسة عشرات الكتب حول التطوير الذاتي , بادرت لعقد دورة للمعلمين بالمدرسة حول هذا الموضوع , وانتقلت بالفكرة لأعلمها في مدارس أخرى للمعلمين , وفعلاً لاقت فكرتي رواجاً لديهم , مما رفع مستوى التعليم من جهة , وزاد حميمية العلاقات بين الطلبة والمدرسين من جهة أخرى . وما زلت أنقل هذه لفكرة لطلابي في الجامعة المفتوحة , وكذلك بادرت إلى استمرار عمل كلية " كلية دار المعرفة " , وقدمت لوزارة التعليم برامج فنية وبرنامج لتطوير الذات لتعليمها كمواد مكملة لطلبة المدارس الابتدائية . وتم الموافقة عليها , وهنالك العديد من المدارس التي تطلب تدريب الطلبة عن طريق هذه البرامج .


تدرب مسرح ولك تجارب في هذا . كيف قررت إخراج مسرحية القوارير مع أن موضوعها جريء بعض الشيء , كذلك هل واجهت صعوبات إلى أن تم عرضها التجريبي الأول ؟

 عند تقاعدي من المدرسة الثانوية لم يكن بذهني أي شيء سوى أنني أريد العمل في مجال المسرح , ولم أكن قد رسمت خطتي لهذا العمل , إلا أنني وجدت نفسي أتطوع برفقة زملاء لي في المسرح لتعليم دورة مسرح مهنية في المركز الجماهيري بأم الفحم . فاحتضننا مدير المركز السيد محمد صالح إغبارية مشكوراً .

تقاسمت أنا وزملائي تدريب المجموعة , وبعد أن أنهى كل منهم نصيبه , بقيت أنا مع المجموعة , ومن خلال التدريبات لاحظت ان هنالك ثلاثة نساء كن مطلقات , فجال في خاطري أن أكتب مسرحية حول قضية الطلاق في مجتمعنا العربي , وأجريت مع كل واحدة منهن مقابلة , كما أجريت عدد لا يستهان به من المقابلات مع نساء مطلقات من مناطق مختلفة , ومن هذه المادة قمت بصياغة وإعداد مسرحية , تم إطلاق إسم " القوارير " عليها . قمت بإخراجها , وواكبت جميع المهنيين الذين عملوا معي من أجل إنتاجها , وعرضها .

لاقت المسرحية نجاحاً كبيراً , مع أنها لم تعرض كثيراً . ولأن المسرحية تطرح قصص صعبة , يحاول مجتمعنا إخفائها , مثل قضايا الاغتصاب في البيت , وقضة المثليين . وقد واجهت صعوبة كبيرة في صياغة النص المسرحي فيما يخص هذه القضايا , إلا أن النص جاء موفق , ومنسجم مع باقي أجزاء المسرحية , ولم يلاقي أي اعتراض من قبل الجمهور .


ما هي باعتقادِكَ أهم محطة من محطات حياتكَ ؟؟

 أهم محطة في حياتي كانت عندما قررت أن أتعلم المسرح في الجامعة العبرية بالقدس . حيث كنت بدأت بدراسة موضوع الرياضيات هناك , وبعد أسبوعين قررت ترك الرياضيات , وانتقلت لكلية المسرح . طبعا هذا الأمر لم يرق لوالدي , وكان يقول لي " أخجل أن أقول للناس أنك تتعلم هذا الموضوع " ولكنني درست معه موضوع الأدب العالمي , وهكذا أصبحت مدرسا في ثانوية أم الفحم الشاملة لموضوع الادب العالمي , وهكذا تمكن والدي من رفع رأسه بين الناس , لأن إبنه أصبح مدرساً .

وهناك التقيت بزملاء لي (هم الآن من أعز أصدقائي) , الذين درسوا معي موضوع المسرح , وقمنا بتشكيل نواه لفرقة مسرحية , والتقينا بالمخرج فرنسوا أبو سالم رحمه الله , ومع شباب ممثلين من القدس العربية , وأسسنا فرقة " مسرح الحكواتي " .

حيث نجحت الفرقة من أول مسرحية لها أن ترتقي إلى العالمية , وتعرضها بستة مهرجانات في أوروبا وتونس . وهنا أيضا كانت لي أول محطة نجاح في حياتي بعروض المسرحية في هذه المهرجانات , ومن ثم تتالت نجاحات مسرح الحكواتي , الذي تركته عام 1982 .



ما هي مشاريعك المستقبلية خاصة أنك نجحت نجاحا كاسحا في الإخراج المسرحي هل هناك فكرة أخرى تدور في ذهنك لتخرجها على المسرح ؟


بعد إنتاج مسرحية القوارير , وعرضها عام 2014 كتبت برنامجا أكاديميا لتعليم المسرح في المركز الجماهيري بأم الفحم , وتعلم فيه أربعة عشر شخصاً , ومنهم بقي حتى النهاية ستة أشخاص . ومنذ عام 2016 حين كانت الحرب في غزة , ساورتني أفكاري لكتابة مسرحية حول الموضوع . وبعد عام ونصف تمخضت عن الأفكار مسرحية , أطلقت عليها اسم "الخازوق" . وقمت بإخراجها , وتم العرض الأول لها في أوائل شهر شباط 2019 . تصف المسرحية لحظات من حياة زوج وزوجته , يسكنان في مخيم الشاطئ الفلسطيني . يهربان لحماية نفسهما من القصف عند الحرب على غزة . يقرأ الزوج في صحيفة إعلان حول مسابقة تدعو للبحث عن أعظم خازوق فلسطيني , لتسجيله في دفاتر جنيس . وسيتم منح الفائز مليون دولار .


يبدأ الزوجين في البحث عن اعظم خازوق ذاقه الشعب الفلسطيني : يتم تمثيل كل خازوق كمشهد , مستمد من الواقع الفلسطيني , بأسلوب المسرح العبثي الساخر , وقد تم دمج بعض القصائد والأحداث التي كتبها بعض الكتاب العرب ، ومنهم نزار قباني ، ومظفر النواب , كما ان اطار المسرحية تم استيحائه من مسرحية بانتظار غودو , للكاتب المسرحي الشهير صمويل بيكت , وهنالك بعض الافكار المستوحاة من مسرحيات الكاتب المسرحي العالمي يوجين يونسكو . وتتوج بعض المشاهد بأغنية ساخرة تتناسب مع الحدث .

لقد فازت المسرحية بجائزة أفضل ديكور في المهرجان المسرحي الذي يقيمه مسرح تسافتا في تل أبيب تحت عنوان " مسرح الضواحي " . وتوقف عرضها مع اجتياح الكورونا جميع بلدان العالم .

قبل ذلك شاركت صديقي وزميلي المخرج السينمائي والمسرحي الدكتور ناظم شريدي بإخراج مسرحية بعنوان " حب الوطن " والتي عرضت بتاريخ 12.05.2018 , كان ذلك بمناسبة الاحتفال بأول أيار . وتحدثت المسرحية عن مناضلي أم الفحم , وتجربتهم مع الحكم العسكري الأسرائيلي , خاصة مظاهرة أو أيار عام 1958 , حيث جرت اشتباكات عنيفة مع الحاكم العسكري ورجاله في أم الفحم .

منذ عدة أشهر , باشرت بكتابة مسرحية حول العنف بالوسط العربي , وقد أطلقت عليها إسم " السائرون في النهار " , وأمل أن انتهي من كتابتها مع نهاية العام .


 ماذا تتمنى أن يتحقق لك مستقبلا ؟ 


أتمنى أن يدرك مجتمعنا أهمية المسرح , ودوره في التثقيف , وأن يأخذ المسرح دوراً ريادياً كرافد من روافد التغيير في المجتمع . وأتمنى على زملائي بالمسرح أن يزيدوا من إنتاج المسرحيات الشعبية الجماهيرية , وليس التقوقع في دائرة المسرح المدرسي فقط . أنا لا أنقِص من أهمية المسرح المدرسي , ولكننا مطالبون بان يرتقي مسرحنا العربي الفلسطيني في الداخل إلى مستوى الجمهور , وأن نقدم له ما يلبي حاجته .


 كلمة أخيرة تحبُّ أن تقولها في نهاية هذا اللقاء


 أشكرك جزيلا الشكر على هذا اللقاء الجميل والمطول وأتمنى لك العمر المديد والصحة والعافية والتوفيق والنجاح في جميع المساعي والسبل ..وأدامك الله نبراسا ومنارا للأدب والثقافة والإعلام .


( أجرى اللقاء : حاتم جوعيه - المغار - الجليل )