
كنوز نت - البيان الشرعي رقم (30)
مع حلول غرة ذي الحجة غدًا الأربعاء:
دار الإفتاء تدعو إلى تعظيم حرمات الله وحقن الدماء والتوبة
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه واتبع هداه بإحسان إلى يوم الدين، وبعد؛
يهل علينا، غدًا الأربعاء، الأول من ذي الحجة، وهو شهر من الأشهر الحرم التي لها مكانتها منذ أن خلق الله عز وجل الزمان إلى جانب المكان. قال تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ [التوبة: 36]. وقال رسوله الكريم- صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبٌ شَهْرُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ". متفق عليه.
وتعد الأشهر الحرم بمثابة الخارطة الزمنية للمسلك الآمن، بكل أنواع الأمان النفسي والجسدي والغذائي والدوائي، منذ خلق المكان وخلق الزمان. حيث اصطفى عز وجل هذه الأشهر، وألزمَ توقفَ القتال فيها أو تجنّبه في الغالب الأعم، حتى يتزود الناس من حاجاتهم الأساسية، وحتى يذوقوا الفارق بين الزمنين، زمن الهدنة وحقن الدماء والأمان، وزمن القتال والحرب وعدم الأمان. وتأتي العشر الأوائل من ذي الحجة كتاج لهذه الأشهر بعبادة الحج، والتي يحتاج فيها الحجاج إلى أمن وأمان وزاد.
إن دار الإفتاء والبحوث الإسلامية، رغم سوء الأحوال، وشدة الأهوال، تهنئ شعبنا الفلسطيني والأمتين العربية والإسلامية بحلول غرة شهر ذي الحجة، وتؤكد على الآتي:
- أولًا: لقد أقسم الله تعالى بالعشر الأوائل تعظيمًا لشأنها، وتفخيمًا لمنزلتها، فقال: (وَالْفَجْرِ(1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ(2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ(3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ(4) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ(5)). سورة الفجر.
- ثانيًا: إنّ الأمن للناس جميعًا هو الغاية من هذه الأيام، وخاصة أنّها تسبق يوم التروية ويوم عرفة ويوم النحر، وفيها إشارة إلى التوقف عن أي مظهر من مظاهر زعزعة الأمن والأمان.
- ثالثًا: لا يتوقف العمل الصالح في هذه الأيام عند منزلة الثواب والأجر أو الحسنات، بل يتشرف العمل الصالح من المؤمن، بمحبة الله تعالى له. فالحديث يشير إلى المحبة، وهي من أعظم درجات القرب من الله تعالى. فالله سبحانه وتعالى يحب العمل الصالح فيها. قال صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ما من أَيَّامٍ العملُ الصالحُ فِيهنَّ أَحبُّ إِلى الله من هَذِهِ الأَيَّامِ العَشرِ، فَقَالُوا يا رَسُولَ الله: ولا الجِهَادُ في سبيلِ الله؟ فَقَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ولا الجِهَادُ في سبيلِ الله، إِلاَّ رجلٌ خَرَجَ بنفْسِهِ ومالِهِ، فَلَمْ يَرجِعْ من ذَلكَ بشَيءٍ". أخرجه البخاري.
- رابعًا: تُذكّر دار الإفتاء، مرة أخرى الموسرين في عام الكورونا هذا، أن يضحوا عمّن مات من آبائهم وأمهاتهم وأقربائهم وأصدقائهم- رحمهم الله جميعًا- أو أن يتصدقوا بثمن أضحية عنهم عند تعذّر إيصال لحوم الأضاحي إليهم لأسباب مشروعة. وهذا يدخل في العمل الصالح بما يعود بالنفع والأجر والثواب على المتوفين- رحمهم الله تعالى ـ ويعود بالنفع في زمن جائحة كورونا على المساكين، ويغطي حاجة المحتاجين والفقراء المتزايدة أعدادهم في زمن الوباء. عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ". أخرجه مسلم في صحيحه. وهذا يفيد أنّ الولد الصالح لا يهمل من مات له. ومن أراد الأضحية فمن السنة أنْ لا يأخذ من شعره وأظفاره مع دخول العشر، ومن فعل، فليس عليه شيء.
- خامسًا: التقرب إلى الله سبحانه وتعالى مطلوب في كل وقت، ويتأكّد في هذه الأيام، بكل الأعمال الصالحة بمفهومها العام، من الدعاء والاستغفار والصوم والصدقة والأضحية. وتجنّب المعصية مطلوب كذلك في كل حين، ويتأكد تجنّبها والتوبة منها في هذه العشر الأوائل من ذي الحجة، خاصة وأنّ هذه العشر، حلّت هذا العام في ظل جائحة كورونا، لذا تزداد الحاجة إلى التوبة إلى الله سبحانه وتعالى والدعاء.
- سادسًا: تدعو دار الإفتاء إلى تطهير القلوب، وتزكية النفوس، وتبييض الصفحات على شبكات التواصل الاجتماعي، وحذف كل ما له علاقة بالفاحشة والرذيلة والغيبة والنميمة والتشهير والخطايا والآثام. كما تدعو دار الإفتاء إلى اغتنام هذه الأيام المباركة، للخلوة مع الله، والتوبة، والندم على ما فات، والاستعداد لما هو آت.
- سابعا: تدعو دار الإفتاء جماهير شعبنا في الداخل الفلسطيني إلى تعظيم حرمات الله، ونبذ العنف، وحقن الدماء، والتراحم، وإصلاح ذات البين. وكما أنّ إراقة دماء الأضاحي دليل على تقوى القلوب، فإنّ حقن الدماء الآدمية، دليل آخر على حفظ النفوس والتزام الحدود. ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه، قبل العيد وأثناءه وبعده.
هذا البيان يمثل الموقف الرسمي لدار الإفتاء منذ لحظة تعميمه على الإعلام حتى صدور بيان جديد. وهو موجّه لفلسطينيي 1948 ابتداء، كما وضحتْ في البيانات السابقة.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
دار الإفتاء والبحوث الإسلامية في الداخل الفلسطيني 48

21/07/2020 07:45 pm 8,384
.jpg)
.jpg)