كنوز نت - البيان الشرعي رقم (28)

دار الإفتاء والبحوث الإسلامية في الداخل الفلسطيني 48


دار الإفتاء توصي باعتماد "المسلك الآمن للأعراس" للحد من تفشي وباء الكورونا

ثبت أن المشاركة في الأعراس بأعداد كبيرة من ناحية، وعدم الانضباط والالتزام من ناحية أخرى، من أسباب تفشي وباء الكورونا وارتفاع عدد الإصابات.

"المسلك الآمن للأعراس" يضمن عدم تعطيل الزواج، وفيه دعوة إلى تغيير العادات والتقاليد، والتأقلم مع ظرف الكورونا بما يناسب واقع الحال.

الاقتصار على عدد محدود من عائلتي العروسين، يفي بالغرض حسب الشريعة الإسلامية.

الجاهة، وقراءة الفاتحة، والخطبة، و"التلبيسة"، و"التعاليل"، وغيرها من العادات والمقدمات العرفية نحو الزفاف، غير ملزمة من ناحية شرعية، ويمكن الاستغناء عنها.

النقوط لا ينبغي أن يكون سببًا لتأجيل أو تعطيل العرس، وممكن أن يتفق الناس على آلية أخرى لائقة لتقديم النقوط.

كل من يرى تأجيل العرس حتى يتسنى له الفرح كما جرت عليه العادة، عليه أن يأخذ بالحسبان جهالة اختفاء الكورونا

لا نلزم الناس بهذا المسلك، ولهم الحرية والحق في التعبير عن كيفية أفراحهم وأعراسهم ضمن الضوابط الشرعية.

 - - - - -
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه واتّبع هداه بإحسان إلى يوم الدين، وبعد؛

قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (الروم: 21). وقال صلى الله عليه وسلم: "يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج. ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء". متفق عليه.


تنبع أهمية الزواج في الإسلام من كونه السبيل الوحيد الذي يعطي شرعية لإشباع الغرائز الإنسانية، وما انطبع عليه الإنسان من تكوين أسرة، وتحقيق الأبوة والأمومة، واستمرار النوع الإنساني بالتوالد، وتعزيز المودة والرحمة، وتقوية الروابط بين أفراد المجتمع، وبناء وإنشاء صلات جديدة تؤدي إلى تماسك المجتمع بطريق سوي شرعي صحيح.

لقد حث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على الزواج، وأكد على أن العادات والتقاليد والشكليات ليست من أصوله، ولا من شروط صحته. بل أزال كل عقبة يمكن أن تعطل مشروع الزواج. لذا، تجده يقول لشاب مُقبل على الزواج ولا يملك مهرًا: "اذْهَبْ فَالْتَمِسْ ولو خَاتَمًا مِن حَدِيدٍ". رواه البخاري. وعن أنس بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه: "أنَّ عبدَ الرَّحمنِ بنَ عَوفٍ جاء إلى رَسولِ الله- صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- وبه أثَرُ صُفرةٍ، فسأله رَسولُ الله- صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-، فأخبَرَه أنَّه تزوَّج امرأةً مِن الأنصارِ، قال: كم سُقتَ إليها؟ قال: زِنةَ نَواةٍ مِن ذهَبٍ، قال رَسولُ الله- صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: "أولِمْ ولو بشاةٍ". رواه البخاري.

ولقد ثبت أن المشاركة في الأعراس بأعداد كبيرة من ناحية، وعدم الانضباط والالتزام من ناحية أخرى، من أسباب تفشي وباء الكورونا (كوفيد 19) وارتفاع عدد الإصابات في المجتمع العربي. وعليه؛ فقد ارتأت دار الإفتاء توجيه الجمهور نحو "مسلك آمن للأعراس" في عام الكورونا هذا، حرصًا على سلامة المجتمع والناس أجمعين. ويقوم تصور دار الإفتاء على الآتي:

 أولًا: الأعراس في "عام الكورونا" تخضع لفقه الموازنات والأوليات على قاعدة "عدم تعطيل المصالح". وإن "المسلك الآمن للأعراس" يضمن عدم تعطيل الزواج، وفيه دعوة إلى تغيير العادات والتقاليد، والتأقلم مع ظرف الكورونا بما يناسب واقع الحال.

ثانيًا: إن شروط صحة عقد الزواج تقوم على الرضى، وموافقة الولي، وموافقة الخاطب والمخطوبة، وحضور شاهدين، وإشهار الزواج على الناس، بحيث يتم الإعلان أنّ فلانًا عقد على فلانة. ويتم العرس والزفاف بوليمة يُدعى إليها أقرب الناس. وتؤكد دار الإفتاء على أن الاقتصار على عدد محدود من عائلتي العروسين، يفي بالغرض حسب الشريعة الإسلامية. 

ثالثًا: إن الجاهة، وقراءة الفاتحة، والخطبة، و"التلبيسة"، و"التعاليل"، وغيرها من العادات والمقدمات العرفية نحو الزفاف، غير ملزمة من ناحية شرعية، ويمكن الاستغناء عنها. وعلى جمهورنا الكريم استيعاب ظرف الكورونا، والتصرف بموجب ذلك.

رابعًا: النقوط، سواءً نظر الناس إليه على أنه دين في أعناقهم، أو واجب نحو الآخرين، أو هبة، أو هدية، فلا ينبغي أن يكون ذلك عقبة وسببًا لتأجيل العرس أو تعطيل الزواج. وأي آلية يتفق عليها الناس لتكون مخرجًا لائقًا لتقديم النقوط أو الواجب المتعارف عليه للعروسين أو ذويهما، سواءً بالزيارة أم غيرها، ستكون هذه الآلية معتبرة. وهذا أولى من تعطيل الزواج أو تأجيله لأجل غير مسمى.

خامسًا: إن مدة اختفاء الكورونا أو توفر اللقاح مجهولة. ومعلومات الوقاية في الموجة الثانية أكثر وضوحًا من الموجة الأولى. ولذا، لا مفر من التعايش مع الكورونا في كل مجالات الحياة. واستراتيجية "التعايش مع الكورونا" تقوم على الوقاية والحزم في التزام التعليمات. وكل من يرى تأجيل العرس حتى يتسنى له الفرح كما جرت عليه العادة، عليه ان يأخذ بالحسبان جهالة اختفاء الكورونا، وعدم توفر اللقاح المطلوب. وهذه أمور غيبية لا يعلمها إلا الله، والخير فيما اختاره الله.

سادسًا: لا نلزم الناس بهذا المسلك، ولهم الحرية والحق في التعبير عن كيفية أفراحهم وأعراسهم ضمن الضوابط الشرعية. لكن الذي نشير إليه أن الاستمرار على العادات والتقاليد، وتجمع المئات أو الآلاف في عرس واحد، على الهيئات المتعارف عليها قبل كورنا، ثبت أنه قد يكون بؤرة لتفشي الوباء، أو للتسبب بالأذى والضرر للآخرين. وهذا ما نهت عنه الشريعة. فلا ضرر ولا ضرار، ولو كان الضرر احتماليًا يؤدي إلى انتشار العدوى واحتمالية نقلها، وهذا نهت عنه الشريعة الإسلامية ولو كان محتملًا.

 في الموجة الثانية: دار الافتاء في حالة انعقاد مستمرة، تحسبًا لحدوث أي طارئ، وستوافي جمهورنا بالبيانات تباعًا. وتؤكد على أن هذا البيان يمثل الموقف الرسمي لدار الإفتاء منذ لحظة تعميمه على الإعلام حتى صدور بيان جديد. وإنه يصلح لكتابة هذه السطور وهذه اللحظة. وإنه موجه لفلسطينيي 1948 كما وضّحتْ في البيانات السابقة.

والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل

الثلاثاء 14/7/2020 م - 23 ذو القعدة 1441 هـ