كنوز نت - بقلم : الشَّيخ حمَّاد أبو دعابس رئيس الحركة الإسلامية


نحو مجتمعٍ مؤمنٍ متآخٍ 




في نظرنا نحن الإسلاميِّين ، لا يستقيم حال مجتمعنا الجريح المكلوم ، إلَّا بأن نتبنَّى قيم الإسلام بأجمل رونقها ، وأكمل بهائها . هذه القيم السَّامية تُدخِل المجتمع المسلم إلى دائرة الإيمان ، وهي أدقُّ وأرفع وأبهى صورةً .

▪️ عندما يسود العنف مجتمعاتنا العربيَّة والإسلاميَّة ، فإنَّنا نستحضر مباشرةً خطاب الإمتعاض والتَّحسُّر على ما آلت إليه أحوالنا ، ولسان حالنا يقول : أما آن لهذا المسلسل أن ينتهي ؟ . ما بال النَّاس ما عادوا يحسبون حساباً للقاء الله وعذابه في الآخرة ؟ ، ولا يحسبون للقيم والأعراف ولا القانون أي حساب ؟ 


▪️ كنَّا في السَّابق نقول طيش شباب ، ووفرة سلاحٍ بين أيديهم ، وتكالُبٌ على الدُّنيا ، دون خوفٍ من العواقب ……. ولكن ماذا نقول عن من يُتَّهم بقتل زوج أخته وابنها وعمره ٧٠ عاماً طمعاً في بضعة أمتار من أرض ؟ . وبذلك يخسر الأرض ويخسر الدُّنيا والآخرة ، ويزرع جرحاً لا يندمل ، وحسرةً لا تنتهي ، بحقِّ أُخته ، وسائر أسرته وبلده ومجتمعه ؟ .


▪️ ماذا نقول بحقِّ من يقتل زوجته أمام إبنته أو بنتَيه ، وقد بدا بينهم الحال عاديَّاً قبل القتل بدقائق ، وحاول أن يتصرَّف “عاديَّاً ” بعد القتل بلحظات . كأنَّ المشاعر قد تجلَّطت ، والإنسانيَّة قد تبخَّرت من عقول وقلوب كثير من الناس ؟ .

أزمة الإسلام الشَّكليِّ

▪️نكاد جميعنا نحفظ الحديث النَّبويَّ العظيم : “إنَّ الله لا ينظر إلى صُوَركم ولا إلى أشكالكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم” ( ورواية أخرى : قلوبكم وأعمالكم ) . وقوله عليه الصَّلاة والسَّلام : ” لا يؤمن أحدكم حتَّى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه ” .


▪️نحن في الإحصاءات الرَّسميَّة قرابة ال ٢ مليار مسلم إلَّا قليلاً . ولكن كم هم من هذا العدد الهائل ، الَّذين تجاوزوا التّعريف الرَّسميَّ العدديَّ الشَّكليَّ ، إلى مضامين الإيمان ، وأخلاقيَّات أهل الإيمان ، فباتوا صورةً مقبولةً عن تعاليم كتاب ربِّهم وسنَّةِ نبيِّهم ؟ . إنَّهم ولا شكَّ قليلٌ جدَّاً ، ولربَّما هذا هو الأصل ، أن يكون المميَّزون قلَّةً .

ضعنا ما بين ضعف المؤمنين وسطوة الكافرين ومجاراة المنافقين

▪️ قال سيِّدنا عثمان بن عفَّان ذو النُّورين الخليفة الرَّاشد الثَّالث رضي الله عنه وأرضاه : ” إنَّ الله ليزع بالسُّلطان ما لا يزع بالقرآن ” . فإذا كان السُّلطان الحقيقيُّ بأيدي الكافرين المعادين ، وهم بالتَّالي يسلِّطون أزلامهم من المنافقين والخونه ، على رقاب المسلمين ، ليطبِّقوا أجندة الأعداء ، فيحبسون العلماء الأحرار المخلصين ، ويستبْقون علماء السَّلاطين ، ليفتوهم بما يوطِّد حكمهم ، بتفريق شمل الأُمَّة ، وإبعادها عن شريعة ربِّها ، فمتى إذاً ستسود شريعة الاسلام ، وأخلاق الإيمان ، لنصبح المجتمع المؤمن المتآخي ؟ .


▪️ متى نقضي على الفساد ، والمحسوبيَّات ، ومتى نعزِّز مكانة تعليم الدِّين في مدارسنا ، والشَّريعة الإسلاميَّة في جامعاتنا ، ومتى ستتعزَّز أخوَّتنا بمقابل الخصومات الَّتي تمزِّق صفَّنا ، وتخدم أعداءنا ؟؟؟؟؟؟ .


“حتَّى يكون هواه تبعاً لما جئتُ به ”

▪️ وقفتُ مليَّاً هذه الأيَّام على هذا الحديث النَّبويِّ العظيم : ” لا يؤمن أحدكم حتَّى يكون هواه تبعاً لما جئتُ به ” . فأدركتُ أنَّه يتحدَّث عن درجةٍ عاليةٍ من الإيمان ، لا يبلغها إلَّا الثُّلَّةُ النَّادرة ممَّن اجتباهم ربُّهم جلَّ جلاله ، فأرجو الله تعالى لي ولكم أن يبلِّغنا إيَّاها . ولنتدرَّج سويَّةً مع هذا المثال للتَّوضيح :

▪️ أُعتدي على س من النَّاس ، فردَّ الصَّاع صاعين ، وبالغ في الخصومة والعدوان . فهذا أسوأ رد ٍّ ، يفاقم الأزمة وقد يوصلها إلى القتل والدَّمار .

▪️وقد يرد س الإساءة بمثلها ، فيعتبر نفسه منصفاً ، ولكنَّه ليس الرَّدَّ الأفضل .

▪️قد يكظم غيظه مقهوراً ، فلا يردُّ الإساءة ، ولكنَّه يستبدلها بعداوةٍ وقطيعةٍ أبديَّة ، وهذا غير كافٍ أيضاً . فهو يتعذَّب بداخله لحمله ذاك الغيظ ثقيلاً ومؤلماً .

▪️وأفضل من ذلك كلِّه أن يردَّ الإساءة بالتَّسامح والعفو والإحسان ، لا ليسجِّل موقفاً ، ولكن ليفتح صفحةً جديدةً جميلةً ، ويستبدل العداوة بالمحبَّة ، فلايبقي في قلبه ضغينةً ولا حقداً .

▪️وأكمل الكمال ، ما بلغه النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وكبار صحابته ، أن يشفق على المعتدي لما يعرِّض نفسه لسخط الله وعقابه . ولا تحدِّثه نفسه أن يتمنَّى بداخله بلاءً أو نقمةً ممَّن آذاه .


▪️ واذكروا يوم آذاه أهل الطَّائف ، وجاءه ملك الجبال برفقة الأمين جبريل ، متأهِّباً لإطباق الجبال عليهم ، فقال عليه الصَّلاة والسَّلام : ” لا يا أخي يا جبريل ، بل أدعو الله لهم : اللهمَّ اهدِ قومي فإنَّهم لا يعلمون ، لعلَّ الله أن يخرج من أصلابهم ، من يعبد الله لا يشرك به شيئاً ” .

▪️هذه هي الهمم العالية ، الَّتي لا تتوقَّف عند خلافٍ مادِّيٍّ أو دنيويٍّ ، فتحوِّله إلى ميدان حربٍ أو عنفٍ أو قتلٍ . بل الأصل أن تحكمنا قيم الإيمان والنُّبل والشَّهامة ، فلا نظلِم ، ولا نردَّ الإساءة بمثلها ، ولا نفرِّط في الأخوَّة والجوار والرَّحم ، من أجل دنيا فانية .

▪️دعونا جميعاً نقول لكلِّ من اعتدى علينا من بني جلدتنا : ” إن ظلمتمونا فلن نظلمكم ، وإن فرَّطتُّم في أخوَّتنا فلن نفرِّط نحن فيكم ، وإن تمنَّيتم لنا الشَّرَّ ، فلن نتمنَّى لكم إلَّا الخير . وهل دنيانا هذه كلُّها إلَّا ابتلاءٌ أو امتحانٌ نرجو أن نتخرَّج منه بنجاحٍ لنقبل على الله وهو عنَّا راضٍ ، فيثيبنا على ذلك برفقة الصَّالحين من عباده في جنَّةٍ عرضها السَّماوات والأرض ؟ .

اللهمَّ : ” إيَّاك نعبد ، وإيَّاك نستعين ؛ أهدنا الصِّراط المستقيم ؛ صراط الَّذين أنعمتَ عليهم ، غير المغضوب عليهم ولا الضَّالِّين ” .