كنوز نت - محمد سواعد- ابن الحميرة:


مسيرة الحب


جاءت كلمة الحب في لغة العرب لتعبر عن تلك العلاقة المتبادلة بين شخصين أو أمرين متجانسين في الحياة، أو أخلاق في شخص ما تدعو الناس والخلائق إلى حبه، وأعظم الحب هو تلك الأخلاق الربانية التي اتصف بها أهل الإيمان والتي أرسلت شعاع محبتهم إلى ما فوق السماوات السبع فأحبهم ربهم جل وعلا وبادلهم حبا بحب: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) المائدة (54) وجعل جزاء عملهم الصالح مودة ومحبة في القلوب وقبولا في الأرض: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا) مريم- (96)، فالعمل الصالح يورث محبة ومودة في قلوب الخلق وهذا ما لاحظته السيدة خديجة رضي الله عنها في سيرورة حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم: "كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا؛ إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق".

فهي رضي الله عنها كانت تراقب سيرته وأخلاقه صلى الله عليه وسلم حتى وصلت إلى هذه النتيجة العظيمة، لتقول للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كل ما فيك من الأخلاق والشمائل يدعو الناس إلى حبك، ويفتح لك أبواب التوفيق والسعادة عند ربك.


ولا يزال المرء يسعى ويتقلب في طاعة ربه حتى يحصل على درجة المحبة وعندها تفتح له المغاليق وينال الكرامة الربانية: عن أبي هريرةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: إِنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ: منْ عادى لي وَلِيّاً. فقدْ آذنتهُ بالْحرْب. وَمَا تقرَّبَ إِلَيَ عبْدِي بِشْيءٍ أَحبَّ إِلَيَ مِمَّا افْتَرَضْت عليْهِ: وَمَا يَزالُ عَبْدِي يتقرَّبُ إِلى بالنَّوافِل حَتَّى أُحِبَّه، فَإِذا أَحبَبْتُه كُنْتُ سمعهُ الَّذي يسْمعُ بِهِ، وبَصره الَّذِي يُبصِرُ بِهِ، ويدَهُ الَّتي يَبْطِش بِهَا، ورِجلَهُ الَّتِي يمْشِي بِهَا، وَإِنْ سأَلنِي أَعْطيْتَه، ولَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَّنه؛ رواه البخاري.

فالعمل الصالح هو طريق التوفيق ولحب والسعادة في الدنيا والآخرة، وإنما حرم الناس التوفيق وتقطعت بهم السبل وضاقت عليهم الأرض بما رحبت بما أسلفوا من المعاصي والمنكرات: (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) التوبة- 118.

ونحن نتخرج اليوم من مدرسة رمضان فإن أهم درس ينبغي أن نذوّته في النفوس عميقا هو الحرص والمداومة عل العمل الصالح وإن قل، فالقليل الدائم خير من الكثير المنقطع، وفلسفة العمل الصالح في الإسلام هي فلسفة عميقة حيث يشمل العمل الصالح كل مناحي الحياة وليس فقط الصلوات او الحج أو الزكاة، فلين قلبك وحسن توددك للآخرين حتى الشوكة ترفعها عن الطريق حتى الابتسامة تخرج من قلب صادق لتنير حياة الآخرين فإنها أعظم عبادة.
الإنسانية اليوم بحاجة ماسة إلى نثر ثقافة العمل الصالح الذي يعمر دنيا الفرد وآخرته، هذه الفلسفة التي تجمع الناس على الخير وتؤلف قلوبهم على التقوى.