كنوز نت - كفرياسيف -يوسف جريس شحادة


أ لعنْصَرة _ يوم الخمْسِين | عنْدَ المَسيحيّين 

{لا بدّ من كلمة،وصلتنا رسالة على الخاص من احد الخوارنة يلوم النشر، وكأنّ النشر يقصد هذا الشخص أو ذاك، قلناها ونرددها ما ننشر لا يمت بصلة لا لمكان ولا لزمان ما، ومن يفهم انه المقصود فهو يدين نفسه انه مقصّر في الخدمة والشرح،بحيث لا نذكر اسم خوري أو مطران ولا مكان،فكيف فهم انه هو؟تذكّرنا بقصّة تلمودية عن سارق بإحدى القرى، فقرر الحاكم جمع كل الرجال وأجبرهم بلبس "طاقية" قبّعة وسألهم من السارق فأنكروا جميعا، وعند خروجهم وظهرهم للحاكم قال الحاكم بصوت جهير:" القبّعة ملتهبة على رأس السارق" فقام احدهم بوضع يده على قبّعته ليفحص ويتاكّد ،فعلم الحاكم انه السارق، وبذلك أدان نفسه، وهكذا ما دمنا لا نذكر اسم ولا ضيعة لماذا يقول أنا المقصود؟وسائل التواصل مليئة بنشر الخدم الكنسية،ونقول، الساكت على خطأ، شريك بالجريمة. نحن لا ننشر لننتقد بل للإصلاح فلا يجوز لخوري العبث في الليترجيا والنص المقدس، وواجب المسؤول ضبط الأمور وإيقاف الانفلات المستفحل في الليترجيا،وبدلا من ضبط خوارنة جاهلة فاسدة يلوم من يلفت نظره لإصلاح الحال،وجب التوضيح}
{الراقد على رجاء القيامة صديقي الأستاذ ميخائيل بولس،المادة من كتاب "الأعياد السيدية " من إصدار جمعية أبناء المخلص في الأراضي المقدسة.}.
" مُبارك أنت أيّها المسِيح إلهنا يا مَن أظهرتَ الصّيّادين جزيلِي الحِكمَة إذ سَكبتَ عليهِم الرّوح القُدس وبهِم اصْطَدت المسْكونة يا مُحِبّ البَشر المجدُ لَك".

" العنصَرة _ يوم الخمْسين " عنْد المسيحيّين 

الإسم ومعناه وسبب التّسمِية:

أصْل كلمة "عنصرة" من كلمة" עצרת " _عتسيرت_ بالعبريَّة.وتعني توقّف_توقّف الزّمان كما يُفسّرون ذلك بأنَّ الربّ قال أنّه يصعب عليه فراق شعبه، لذلك طَلب الربّ من بني إسرائيل أن يعْملوا يوما طيّبًا آخر فيوقَف به شعب إسرائيل أمام الرب ليكونوا معه يوما آخر؛وكان ذلك حين أُعطِيت الشَّريعة{الوصايا العشر}لموسى على جبل سيناء وحيث كان بنو إسرائيل يقِفون.

و من هنا صارت كلمة "עצרת"{عتسيرت} تعني التجمّع أو التجمْهر في مكان واحد لغرض معيّن؛ والعنصرة عند اليهود هي إسم آخر لعيد الأسابيع{חג השבועות}المذكور في الكِتاب المقدّس وهو أيضًا عيد الخمسين.أمَّا العنصرة بالنِّسبة للمسيحيّين فهي ذكرى حُلول الرّوح القُدُس على التّلاميذ في اليوم الخمسين أي بعد مرور خمسين يومًا من قيامة المسيح _الفِصْح.

ولأنَّ حادثة حُلول الرّوح القدُس على التّلاميذ تمّت في عيد الأسابيع أو يوم الخمسين أو العنْصرة اليهوديّة فدُعِيت هذه الحادثة الجَليلَة عند المسيحيّين بالعنصرة أو يوم الخمسين أيضًا.ومَع مرور الزّمن قُلِبت التاء الملفُوظة مَع الصَّاد {צ} بالعبرية وغير المكتوبة إلى نون تسهيلاً للفظ وَصارت "عنصرة" بدلا من "עצרת"{عتسيرت}وفي اليونانيَّة يُسمّى هذا اليوم بِ Pentecoste أي يوم الخَمسين. فسِوى التّسْمية الواحدة للعيدَين اليهودي والمسيحي لا توجَد أيّ صلة أو علاقة بين العنصرة اليهوديّة والعنصرة المسيحيّة.

ويقع يوم الخمسين الذي حلّ فيه الرّوح القدُس على التّلاميذ يوم الأحَد لأنَّ المسيح صُلِب في يوم الجمْعة وهو بِداية عيد الفِصح عند اليهود. ويقول الكتاب المقدَّس: "واحسبوا لكم من غد السبت السَّابع من يوم إتيانكم بحزمة التحريك سبعة أسابيع تامّة تكون إلى غد السَّبت السابع تَحسبون خمسين يوماً ثمّ تقرّبون{لاويّين16_15: 23}.وعليه يكون حساب الخمسين يوماً كالآتي:كان عيد الفصح يوم الجمعة واليوم التّالي هو سَبت الفصْح وهو موافقاً للسّبت الأسبوعي ولذلك سيكون كل أسبوع من السّبعة أسابيع يبدأ من يوم الأحد وينْتهي يوم السبت لأنَّ الكتاب المقدّس يقول: "واحسبوا لكم من غد يوم السبت" أي اليوم التّالي لسبت الفِصح أي يوم الأحد،ومع نهاية الأسبوع السّابع يكتمل 49 يوماً وبذلك كان يوم الخمسين هو يوم الأحد،اليوم الذي بدأ الله فيه الخلق وهو يوم قِيامة مخلِّصنا يسوع المسيح من بين الأموات.وفيه حلّ الروح القُدُس على التّلاميذ وهذا الأحَد هو يوم الخمْسين أو يوم العنصرة{أعمال الرسل4 ـ 1: 2 } .

" الكنيسة الأولى في أورشليم في عهد الرسل ":

أسّس الربّ يسوع المسيح كنيسَته على الرّسل الذين اختارهم{أعمال 1:2}فكان على هذه الكنيسة أن تنتَشِر في كلّ العالم بواسِطة هؤلاء التّلاميذ المختارين، وقد وعَدهم يسوع أنَّهم سيلبسون قوّة من العلاء، وأوصاهم ألا يبرَحوا أورشليم بل عليهم أن ينتظروا موعد الآب{ أعمال4 :1}وبأنَّهم سينالون قوّة الروح القدس الذي سيحلّ عليهم فيكونون شهوداً له في أورشليم واليهوديّة كلّها وفي السّامرة وفي أقاصي الأرض{أعمال1:8}وبوعدِه للتّلاميذ بالروح القدس أنهى المخلّص توصياته للرّسل بشأن نشر وتنظيم الكنيسة ثمّ صَعد إلى السَّماء.

" تأثير القيامة ":

تكوّنت الكنيسة بشكلِها البدائي بعد أنْ اقتنع التّلاميذ بقيامة السّيد المسيح فأينَما ظهر المسيح ومهْما كان الأسلوب الذي ظهر فيه بعد القيامة للنساء في البستان أو لبطرس وحده أو لتلميذَي عمواس أو للأحد عشر وهم مجتَمِعون في العلّية في خوف أو عَلى شاطئ بحيرة طبريَّا أو للخمس مائة من الإخوة الذين يذْكرهم بولس الرسول{ كورنتوس الأولى7: 15}فأن روحاً جديدة تظهر واضحة ملموسة دبّت في التلاميذ ممْلوءة بالبهجًة والفرَح والشّكر ومفْعَمة بالثقة القويّة ومتطلّعة إلى مُستقبل مُشرِق بانتصارات عظِيمة .

ذلك أنّ سيّدهم لم يُهزم ولم يَتركهم بل أعطاهم المواعِد وتمّمها فلم يكن إيمانهم به عبثاً.لقد أنتدبهم لأعمال عظيمة وكانوا بدورِهم مُستعدّين لذلك وهكذا ظهرت الكنيسة فكراً وروحاً.

وبعد صُعود السيد المسيح،عاد التَّلاميذ إلى أورشليم كَما أمرهم ودَخلوها وصَعدوا إلى العِليّة التي كانوا يقيمون فيها وكانوا كلّهم مواظبين على الصّلاة بنفس واحدة وكان معهم بعض النِّسوة وَوالدة الإله وغيرهم من الإخوة المؤمنين وكانوا ينتظرون حُلول الرّوح القدس { أعمال 14 – 12 :1 }

إنتخاب متيا:

وفي أحد تلك الأيّام وكان عدد المجتمعين نحو 120 من المؤمنين عرَض علَيهم بطرس الرّسول أنتخاب أحَد المؤمنين من مرافِقي المخلّص وشهود قيامته لأجْل الخدْمة الرسولية ليحلّ محلّ الخائن يهوذا الإسخريوطي فقدّم المجتمِعون للرّسل اثنين:الأوَّل يوسف المسمّى برْسابا " أي ان القسم أو الراحة ولقَبه يستيس أي العادل وهو لقب روماني " والثاني متيا "أي" عَطيّة الربّ والمعروف عنه ما ذُكر هنا فقط" وَبعد الصّلاة ألقوا القُرعة فوقَعت على متيا فحُسِب مع الرسل الأحد عشر{ أعمال 26 – 15 :1 } .

حُلول الرّوح القُدس _ يوم الخَمْسين :

لم يَبرح التلاميذ أورشليم كما أوصاهم الربّ يسوع بل ظلّوا ينتظرون فيها تنفيذ وعده لهم بحلول الرّوح القدس عليهم. وفي يوم الخمسين بعد القِيامة في العنصرة بعد مضي عشرة أيّام على صُعود المخلّص حيث كان التّلاميذ مجْتمعين في العلّية وكان عدد الإخوة المجتمعين نحو 120 {أعمال15 :1} وإذا صوت من السّماء كصَوت ريح شديدة تعصف قد أنفجر وملأ جوانب البيت الذي كانوا مُقيمين فيه وظهَرت لهم ألسنة مُنقَسمة كأنَّها من نار{وهي ترمز هنا إلى قوّة الروح القدس} واسْتقَرّت على كلّ واحِد منهم فامتلأ داخلهم من الرُّوح القدس{ أعمال4ـ 1 :2}الذي منَحهم موهِبة الكلام بألسِنَة جديدة ومَفاهيم جديدَة فتكلّموا بأكثَر من خمْس عَشرة لُغَة.

ولم يكن يوم الخمسين مجرّد حدث تاريخي بل هو حدث حيّ له الأثر العميق في حياة التّلاميذ والكنيسة،فبدأ هؤلاء المسيحيّون يشعرون بهويتهم ويشعرون أنَّهم شركة وجماعة مميزة،وبدأت بعض الصّفات الهامّة تظهر في جماعتِهم هذه ولم يكونوا قد أطلقوا بعد على أنفسهم لقب مسيحيّين بل كانوا جماعة من اليهود الذين آمنوا بالمسيح بأنّه ابن الله وكانوا يبشّرون بمجيئه ثانية ومنذ القيامة اكتسبوا روح الشَّجاعة والإقدام،فكانوا يدْخلون الهيكل يتعبّدون ويكرِزون فكان الهيكل هيكلهم بقدر ما كان هيكل المسيح ربّهم من قبل ولم تكن سلطات الهيكل قد اتَّخذت منهم موقف العداء الصريح فكانوا يكتفون بتوجيه اللوم لهم ويطلبون منهم الرجوع عن إيمانهم هذا.

يوم بدْء العَهد الجَديد:

عِظة بطرُس

عندَ حلول الروح القدُس في اليوم الخمسين على التّلاميذ، كان مجتمعًا في أورشليم بمناسَبة عيد الخمسين اليهودي{عيد الأسابيع}كثير من يهود الشّتات{أعمال11 ـ 6 :2}وكانوا يتكلّمون بلغات البلاد التي يقطنونها وعندما سمُِع الضّجيج من الجوّ اجتمع كثيرون منهم تجاه البيت حيث كان الرسل وقد تملّكتهم الدّهشة والحيرة، ماذا عسى أن يكون هذا وماذا يعني كل هذا؟وتساءلوا كيف يمكن لهؤلاء الجليليّين أن يخاطبوهم باللغات التي ولدوا فيها، واتَّهم البعض منهم التّلاميذ مستهزئين بأنهم سكارى{أعمال13 ـ 7 :2}فأنبرى لهم بطرس الرسول وألقَى في المجتمعين خطبة حماسيّة اختلطت فيها العاطفة المتّقدة بالخِبرة الروحيّة وشهادة الإيمان الصّادقة واستطاع في خطبتِه هذه أن يجمع العناصر الجوهرية للأنجيل، وجاء خطابه في أربعة أقسام :

1 ـ تبرئَة الرسل من تهمة السّكر { أعمال 15 ـ 14 :2 } .
2 ـ أنّ الظاهرة التي حدثت تنبّأ عنها الأنبياء{أعمال21 ـ 16 :2 } .
3ـ أنّ يسُوع المسيح قام من الموت طبقا للنبوءة{أعمال32 ـ22 :2 }.
4 ـ أنَّ الرّسل شهود لقيامة الرب وسيادته فالعهد القديم الذي أشار إلى مجيء المسيح قد تمّت نبوءاته والمسيح قد صُلب بأيدي الأثمة وقام من بين الأموات وصَعد إلى السّماء بيمين الآب فهو ربّ ومخلّص.

بدأ بطرس خطابه بتبرئة الرّسل من تهمَة السّكر{أعمال15 ـ 14 :2} وأوضَح أنَّ السّاعة كانت الثالثةـ أي السّاعة التاسِعة صَباحا في حسابنا،وكان من عادة اليهود في الأعياد أنّهم لا يأكُلون ولا يشْربون إلا بعدَ صلاة السّاعة الثالثة.

ثمّ أوضح لهم أنَّ ما حَدث قد تنبّأ عنه الأنبياء فقال: {بل هذا ما قيل في يوئيل النبي} " ويكون في الأيّام الأخيرة، يقول الله: أني أفيض من روحي على كلّ بشر فيتنبّأ بنوكم وبناتكم ويرى شبّانكم رؤى ويحلم شيوخكم أحلاما " {أعمال17 _ 16 :2}وعند الرجوع إلى سِفر يوئيل{29 _ 28 : 2 }لا نجد عبارة {ويكون في الأيَّام الأخيرة} التي أضافها بطرس في هذا الموقف الاسخاتولوجي بل يَذكر عبارة{في تلك الأيّام}{يوئيل 2:29 و3:1}وقد فسّر بطرس أحداث يوم الخمسين، بأن نبوءات العهد القديم قد تمّت فيهم فهذه الأحداث هي جزء من أحداث الأيَّام الأخيرة.

و تعبير{الأيّام الأخيرة אחרית הימים}لا يعني نهاية التاريخ لأنها في اصْطلاح اليهود تبدأ بمجيء المسيح وتنتهي بنهاية العالم؛وقيل الأخيرة مقابلة بالأيام الأولى وهي أيام الآباء والملوك والأنبياء{أشعياء2 : 2}. فتعبير الأيَّام الأخيرة هو تعبير فنّي يشير إلى زمن المسيح أو زمن العهد الجديد؛ فقد كان اليهود يميّزون بين تلك الأيّام בימים ההם أي الأيّام الأولى أيّام الآباء والملوك والأنبياء والأيَّام الأخيرة אחרית הימים أي زمن الحكم الكامِل لله والأعْمال التي سيعمل الله فيها أمرا جديدا{ أشعياء 43:19}وسيقطع عهدا جديدا{أرمياء31 : 31 }{راجع ما جاء عن يوم الرب في مقالة ابن البشر _ في الجزء الأوَّل من كتابنا دراسات مسيحيّة} وسيفيض من روحه على كلّ بشر{أشعياء 32:15 }وسيقيم مسكن داود الذي سقط{عاموس 9:11 }.

أن تعبير الأيَّام الأخِيرة אחרית הימיםلم يخترعه بطرس بل استعمله كما ورد وكما هو في العهد القديم،فورد في سِفر التكوين أن يعقوب جمَع بنيه لينبئهم بما سيصيبهم في آخر الأيام אחרית _ הימים فقال:" لا يزول صولجان من يهوذا ومشترع من صلبه حتى يأتي{شيلو שלה} وتطيعه الشعوب" {تكوين10 و1 :49 } وتنبَّأ بلعام بما سيحدث في آخر الأيَّام فقال: "أراه وليس حاضرا أبصره وليس بقريب يسعى كوكب يعقوب ويقوم صولجان من إسرائيل.."{عدد 14 و17: 24 }.

في ضوء هذا المفهوم بدأ يسوع كرازته بالقول: "قد تمّ الزمان {قد كمل الزمان} _ מלאה העת "{مر5 1 : 1} وقال بولس الرسول في رسالته إلى العبرانيّين:" أنّ الله الذي كلّم الآباء قديما في الأنبياء .....كلّمنا أخيرا אחרית_הימים في هذه الأيّام في الإبن"{عبرانيين 1 و 2 :1}وأعلن بولس: "نحن الذين أنتهت إلينا أواخر الدهور " קצה העולמים{كورنثوس الأولى 10:11}ومن هنا ندرك أن بطرس قد استخدم تعبير الأيام الأخيرة"אחרית הימים"،بوعي ليوضح أن عصْر العهد الجدِيد عصْر إتمام الوعود قد بدأ وكأنَّه يريد أن يقول:" الصولجان الذي ننتظره قد جاء שלה "شيلو" وأسّس كنيسته وأفاض عليها من روحه". وعندما كان بطرس يتحدّث عن حلُول الروح القدُس على كرنيليوس وجماعته قال:" ولمّا ابتدأت أكلّمهم حلّ الرّوح القدس عليهم كما حلّ علينا في البدء فتذكّرت كلام الربّ حيث قال أن يوحنّا عمّد بالماء أمَّا أنتم فسَتعمّدون بالروح القدس" {أعمال الرسل16 _ 15 :11}؛وكلّمة في " البدء בראשית " هي الكلمة التي يبدأ فيها أنجيل يوحنّا{1:1 }ورسالته الأولى،وفي كل مرّة تشير إلى وقت مختلف،ففي الأنجيل تشير إلى بدء خدمة السيد،أمّا في كلمات بطرس هنا فأنها تشير إلى يوم الخمسين الذي فيه كان بدء النظام المسيحي وبدء العهد الجديد أي أنّه في يوم الخمسين أنطوى العهد القديم وحلّ محلّه العهد الجديد والرسول يصف هذا البدء في حلول الروح القدس على التلاميذ في أورشليم في يوم الخمسين.وحلول الروح القدس على الأمم{גויים}في بيت كرنيليوس وهذا يعني أن اليهود والأمم دخلوا معا في العهد الجديد وأنهم جميعا كانوا في عصر العهد القديم قبل حلول الروح القدس.

إحتوت عظة بطرس{أعمال 42_14 :2}على أربعة أسس في المواعظ المسيحيّة:

1- كريجماkerygma معناها "إعلان البشير" أي الحقائق المسيحيّة وهي حقائق أساسيّة لا تُناقَش ولا يمكن أنكارها .
2- ذيذاخيDidache ومعناها "تعليم" أي دراسة المعاني المتضمّنة في الحقائق التي تنادي بها المسيحية.
3- Paraklesis براكليسيس ومعناها "الحث"، أي حثّ النَّاس على تطبيق ما تعلّموه من الكريجما والذيذاخي على حياتهم.
4- Homilia هوميليا ومعناها " معالجة " أيّ موضوع أو أيّ جزء من الحياة على ضوء الرسالة المسيحيّة.
5- وعلى العموم كان الوعظ{ الكرازة }يشمل جزءا من كلّ أساس من هذه الأسُس الأربعة فقد بسّطوا الحقائق المسيحيَّة الواضحة ثمّ شَرحوا هذه الحقائق ثمّ حثّوا الناس على تطبيقها على حياتهم ومعالجة كلّ النشاط الأنساني على ضوء الرسالة المسِيحيَّة.

وسِفر أعمال الرسل معظمه من الكريجما،لأنَّه ينادي بحقائق الأنجيل لأولئك الذين لم يسْمعوها من قبْل وهذه الكريجما تتّبع نمطا يتكرّر مرّات عديدة في كلّ العهد الجديد .

يؤكّد بطرس{أعمال36_22 :2 }أنّ الصّلب لم يكن حدثا عارِضا، بل كان في خطّة الله الأزلية:" لمّا أُسْلِم بحسب مَشورة الله المحدودَة وعلْمه السّابق،صلبتموه وقتلتموه بأيدي الأثمة".{أعمال 2:23 } { يتردّد هذا المعنى في أعمال 8 :3 و 28 :4 و 29 : 13 }.

ولم يقلّل بطرس من جريمة الأثمة الذين صَلبوا يسوع المسيح،وفي الحديث عن الصّلب نجد الاشمئزاز والرّعب من الجريمة البشِعة التي ارتكبها الأثمة. { أعمال 23 :2 و13 :3 و 10 :4 و 30 :5 }.

وأوضح بطرس أن آلام المسيح وموته هو تتْميم للنبوءات.وأكّد قيامته، وسِفر الأعمال يلقّب "بأنجيل القيامة" وَ "أنجيل الرّوح القُدس".فبِدون القِيامة لمَا قامت كنيسة المسيح،وأنَّ القيامة جعَلت منَ التلاميذ ممتَلئين حماسا وجرأة.قال يسوع :" وأنا إذا ارتفعت عن الأرض جلبت إليّ الجميع " { يوحنّا32 : 12}.

وطالب بطرس الناس بالتّوبة، أي تغيير الفكر والفعْل، وهذه هي التوبة الحقيقيّة، لأنَّ التّوبة هي غفران الخطايا،وهي المصالحة والسّلام مع الله، فمن تاب وآمن واعتَمد له عطيّة الرّوح القُدس وله الخَلاص.

ثمّ يتكلّم بطرس عن المجيء الثاني للمَسيح، ومعنى هذا أنّ الحياة لا تسير على غير هدى بل إلى هَدف محدود.

ويصرّ بطرس على أنّ كل ما حدث قد سبق التنبؤ به، ولقد رفَض اليهود أن يقبلوا أن المسيح هو ابن الله، وأنّه هو المسيح المنتظر، فلو فتّشوا الكتب لوجدوا أنّ كلّ هذا مُدوّن فيها.

ثمّ أنَّ بطرس يذكّرهم بامتيازاتهم،فقد كان اليهود شَعب الله المختار، ويوضح لهم الحقيقة التي لا يمكن الهروب منها،وهي أنَّ هذا الامتياز هو امتياز تكليف وخدمة،وليس لكرامة خاصّة أو امتياز معيّن فعلَيهم أن يتصرّفوا لا كما يرغبون هم، بل كما يريدهم الله أن يتصرّفوا،اذ لم يخطر ببالهم أن الله اختارهم للخدمة ولادخال العالم في نفس العلاقة الوثيقة بالله، التي تمتّعوا بها.

وفي نهاية عظته{اعمال41_ 37 :2 }عندَما أظهر للنّاس الفعل السيء الذي ارتُكب في صَلب المسيح كُسرت قلوبهم وتفطّرت واقتنعوا بأن الذي صَلبوه هو المسيح المخلِّص،فخافوا أن لا يكون لهم خلاص من الشرّ العظيم الذي ارتكبوه. فبيّن لهم أنّ مغفرة الخطايا تَتمّ عن طريق التّوبة والاعتماد فقال: "توبوا،وليعْتمد كلّ واحِد منكم باسم يسوع المسيح لمغفِرة خطاياكم فتنالوا موهبة الرّوح القدس".{أعمال 38 : 2 }{راجع اعمال 30 :16 ومت 2 :3 ولو 10 :3 }.

ولقد رسم الربّ يسُوع أن تكون المعموديّة باسْم الثّالوث الأقدس" الآب والإبن والروح القدس"{متَّى19 :28}وقول بطرس هنا " وليعتمد كلّ واحِد منكم باسم يسوع المسيح" غايته أنَّ المعتمِد يرتبط اعتماده "باسم يسوع المسيح" :{أعمال 16 :8 و48 :10 و5 :19 و 16 : 22 }.أي أنَّ المعتمِد يُصبح على صِلة وثيقة ب " الإسم" أي بشخص يسوع المسيح نفسه القائم من الموت.{راجع أعمال 16 :3 }وأنَّه " يلبس" المسيح .{ غلاطية 27 :3 }.

ويبدو أن هذا الطّلب لم يسبّب استغرابا لدى سامعي بطرس اذ،ربّما كانت لهم معرفة بممارسة المعموديّة،فمعْمودية يوحنّا كانت بالماء لأجْل التوبة،وأمّا المعمُوديّة المسيحيَّة فكانت باسم يسوع ومصْحوبة بعطيّة الرّوح القدس،فكانت تحقيقًا لما تُشير إليه معْمودية يوحنّا{قارن عدد 39 مع أشعيا19 :57 ويوئيل 32 :2 }."فاعتَمد الذين قبلوا كلامه، فأنضمّ في ذلك اليوم نحو ثلاثة آلاف نفس" .{أعْمال 41 : 2 }.

يوم الخمْسين هُو يوم نوال بَركات العَهْد الجَدِيد:

بعد أنْ أسّس المسِيح العهد الجدِيد بِدمِه على الصّليب{متَّى 28 :26، عبرانيّين 22 :7 و 13_1 :8 }وقام من بين الأموات وقد قال لتلاميذه:"....هكذا كُتِب وهكذا ينبغي للمسيح أنْ يتألّم وأن يقُوم في اليوم الثالث مِن بَين الأموات وأن يُكرَز باسمِه بالتّوبة ومغفِرة الخطايا في جميع الأمم ابتداء من أورشَليم وأنتُم شهود لذلك وأنا أرسِل إليكم موعد أبي فامكثوا أنتم في المدينة إلى أن تلبسوا قوّة من العلاء" {لوقا 49_46 :24 }وقبل صعوده أوصاهم أن لا يبْرحوا أورشليم بل أنْ ينتظروا موعِد الآب الذي سَمعوه منه.{أعمال الرسل 4 :1}.

فما هُو موعِد الآب ؟

هو الوعد الذي كرّره الله للشّعب مرارا كثيرة على فمِ أنبيائه في العَهد القديم وأعْلن فيه أنّ في أيام المسِيح سَيفيض روحه بطريقة جديدة ومميّزة، وسَيكون في استطاعة الكل أنْ ينالوه، فقال في أشعياء:" فأني أفيض الماء على الظمآن والسّيول على اليَبَس أفيض روحي على ذرّيتك وبركتي على أعقابك " {أشعياء 3 :44 }وقال في حزقيال في معْرض حديثه عن العهد الجديد: "و أعطيكم قلبا جديدا واجعل في أحشائكم روحا جديدا......واجْعل روحي في أحشائكم....".{حزقيال 27 و 26 :36 }وقال في يوئيل:" وسيكون بعد هذه أني أفيض روحي على كلّ بشر"{يوئيل 28 :2، راجع أيضا أشعياء 15 :32 وأرميا 33_31 :31 وحزقيال 28 :39 }فموعِد الآب إذن هو " موعِد الرّوح القدس". لذلك قال بطرس:" فيَسوع هذا قد أقامه الله ونحنُ جميعًا شهود بذلك وإذ رفعه الله بيمينه أخذ من الآب الرّوح القدس الموعود وأفاضَه كما تنظرون وتسمعون".{أعمال الرسل 33_ 32 :2 }

وموعد الروح القدس هو " إفاضَة الرّوح القُدس " أو " معموديّة الروح القدس" فقَد قال يوحنّا المعمدان آخر أنبياء العهد القديم لليهود:" أنا أعمِّدكم بالماء أمَّا هو فسيعمّدكم بالرّوح القُدس "{مرقس 8: 1 } ولقد جدّد المسيح الوعد لتَلاميذه في العليّة قبل صُعوده فقال: " فأن يوحنّا عمَّد بالماء وأمّا أنتم فستعمِّدون بالروح القدس بعد أيّام قليلة"{ أعمال5 :1}؛ "ومعمودية الرُّسُل بالروح القدُس" لا تعني هنا سرّ المعموديّة بمعْناه الحصري بل بمعنى" احتلال" الرّوح القدُس للتّلاميذ، فكأنهم اجتازوا في أتونه وخرجوا منه شهب نار تنشر نور الأنجيل ودفئه في العالمََيَن اليهودي والوثني، فأنّهم في عملهم الرسولي يعملون مع الروح القدس، فهو الملْهم والمحرك ومجري المعجزات على أيديهم.

ويربط الرسول بولس بين " موعد الروح " و بين" بركة إبراهيم " في القديم،ويوضح لنَا أنّهما تعبيران مترادفان فيقول: "...لتكون على الأمم بركة إبراهيم في يسوع المسيح وننال بالإيمان الروح الذي وعدنا به " {غلاطية 14 : 3 }ويقول: " أيّها الاخوة ها آنذا أتَكلّم على طرِيقَة البشر أنَّ الوصية وأن تكن من أنسان إذا ما قرِّرت لا يبطلها أحد ولا يزيد عليها شيئا والحال أن المواعيد قد قيلت لإبراهيم ولنسله،{راجع تكوين8 : 22 و 18 : 18 و5 و4: 17و 5و 12:3}أنّه لا يقول لأعقابه _ لأنساله بالجمع بل لنسله بالأفراد و نسله "هو المسيح"{ غلاطيه 16 _ 15 :3}وبرهان بولس هو أنَّ النَّاموس أعطي بعد المواعد والحال أن المواعد عهد ثابت وإذن لا قِبَل للناموس أن يُبطل مفعولها. وبولس لا يجْهل أنَّ لفظة "نسل" إسم جمع،بيد أنه يرى في ارتياح أن الكتاب المقدس قد استعمل هنا لفظة تنطبق تماما على المسيح بذاته وعليه مع جسده " {غلاطيه 18 _17 :3}.

و هذا الوعد الذي أعطي للتلاميذ يشمل جميع بركات الأنجيل، قد ضمّنه كل ما يُنسب إلى الروح القدس من تبكيت و غفرأن و تقديس للنفس و تعزية لأبناء الله و رجاء حقيقي وسلام بلا حدود.


وفي يوم الخمسين تحقَّقت جميع هذه الوعود،وأصبح العهد الجديد حقيقة واقعة في حياة الكنيسة وبدأت الكنيسة عصرا جديدا، عصر الرّوح القدس فقد أفاض الله روحه القدّوس على كنيسته؛وعمّد المسيح كنيسَته بالروح القدس،وأصبح الروح القدس يحلّ على الجميع.

وهذا لا يعني أنَّ الروح القدس لم يكن موجودا في العهد القديم، فالروح القدس هو الله بكلّ أزليته،كما أنّه لا يعني أنَّه لم يكن نشِطا قبل ذلك فلقد كان الروح نشيطا باستمرار في كل أزمنة العهد القديم: في الخليقة وحفظ الكون و الإعلان و في بعض المهمَّات الخاصة.

لقد كان الروح القدس يحلّ في العهد القديم على شخصيّات محدَّدة لأنجاز مهمَّات خاصَّة؛وكان حلولا مؤقَّتا وبطريقة متقطّعة وغير متوقّعة مثلما حلَّ على شمشون{قضاة 9و6 :14} ونثانئيل{قضاة 10 :3 } ويفتاح{ قضاة 29 :11 }وشاؤول {صموئيل الأوَّل 6 :11 }، ولم نسمع أن الروح القدس حلّ على أيّ شخص من الأمم _ أمّا في اليوم الخمسين فقد أدرك بطرس أنّه يوم تحقيق "بركة إبراهيم" أو موعد الآب فأعلن بكل وضوح: "هذا ما قيل بيوئيل النبي...أفيض روحي على كل بشر..." {أعمال الرسل17 _ 16 :2 }وأعلن أن هذه البركة للجميع، فقال: "توبوا وليعتمد كل واحِد منكُم باسم يسوع المسيح لمغفِرة خطاياكم فتنالوا موهِبة الروح القدس،فأن الموعد هو لكم ولبنيكم ولكلّ الذين على بعد {أي مبعدين} كلّ من يدعوه الربّ إلهنا " { أعمال 39 _38 :2 }.فالمقصود هنا أن المعتمد يرتبط باعتماده ارتباطا روحيًّا حياتيًّا "باسم" يسوع المنتصر على الموت بموته،أنّه يلبس المسيح{غلاطية27 :3 }.وقال:هذا الوعد لكم" :أي الوعد بالمسيح، لأنّهم كانوا شعب الله المختار،البعيدون والوثنيون{أشعياء19 :57 }.

فاليهود أوّلا ثمّ الوثنيّين،ذلك هو مخطَّط عمل الرّسل التبشيري وهكذا نرى أنَّ الرّوح القدس يحلّ على أهل السّامرة{أعمال 17_14 :8}. وعلى الأمم في بيت كرنيليوس{أعمال 44 _ 43 : 10}.

أن حضور يسوع من بعد قيامته لم يعُد حضورا مادّيا بل صار حضورا بالروح، فالروح القدُس هوَ حضور الله الربّ يسوع المسيح الممجّد لكنيسته ولكل مؤمن.

وحلول الروح القدس وسكناه في المؤمنين يوم الخمسين معناه أنَّ المسيح الرب الإله فيهم، قال بولس: "إذ ما تعلمون أنَّكم هيكل الله و أنَّ روح الله ساكن فيكم ؟" {كورنثوس الأولى 16 :3 }وفي موقف آخر يقول: " المسيح فيكم " {رومية 10 :8 }.

و قال: " فلست أنا أحيا بعد بل هو المسيح يحيا فيَّ " {غلاطية 20 :2 } وقال المسيح: "إذا أحبّني أحد يحفَظ كلامي فيحبّه أبى و إليه نأتي وعنده نجعل مقامَنا " {يوحنّا 23 : 14}.

وهكذا بحلول الروح القدس في قلب الأنسان دخلت الطبيعة البشَرية في شركة حية وفعَّالة مع الطبيعة الإلهيّة فأصبحنا في المسيح،والمسيح فينا؛ ولذلك يطالب بولس الرسول المؤمن الذي أصْبح هيكلا لله،لأنَّ روح الله ساكن فيه {كورنثوس الأولى 16 :13 }بأنْ يتذكَّر هذه الحقيقة وأن تكون نصب عينيه دائما فلا يغفل عنها فيحوط نفسه وجسده بالإحترام اللائق بمسكن الله وأن لا يفسده لأنه مقدّس.{كورنثوس الأولى17 :3 } "وقد أخذنا روح التبنّي الذي ندعو به أبّا أيها الاب. والروح نفسه يشهد لأرواحنا بأنا أبناء الله "{رومية 16_15 :8 }.

وقبل الخمسين كان التلاميذ يعرفون أن المسيح هو إبن الله الحي { متى16 :24 } وآمنوا به ووثقوا بقدرته {لوقا 5 : 5 }وأنّه يستطيع أن يعمل المعجزات{يوحنّا 21 :11 }ولكن في يوم الخمسين أصبح إيمانهم هو إيمان التسليم الكلّي له،وعبّر بطرس عن هذا النوع من الإيمان عند حديثه عن الموقف في بيت كرنيليوس بقوله: "فأن كان الله أعطاهم نظير الموهبة التي أعطانا،نحن الذين آمنّا بالرب يسوع المسيح فمن أنا حتى أستطيع أنْ أمْنع الله؟" {أعمال 17 : 11 }{والموهبة هنا هي نعمة الروح القدس}.وهذا يعني أنّهم قد سلّموا حياتهم للمسيح الإله متَّكلين عليه؛ وكان هذا الإيمان هو قوّة الدفع للكنيسة ومَصدر الثبات والمثابَرة لكي تؤدّي رسالتها المطلوبة منها في العالم.

لم تكن حياة السيد المسيح على الأرض مجرّد ذِكرى قصّة خالدة لأسمه وسلطانه،ولكنَّه ما زال حيًّا قويًّا،فهو لم يكن حيًّا في فترة زمنيَّة محدودة أنتهى بأنتهائها لكنه ما زال ألهًا حيًّا وحياته خالدة مستمرة في كنيسته وإذا كانت الأناجيل الشَّريفة تروي قصّة يسوع ما عمله وقاساه،فأن سفر أعمال الرُّسل يروي ما عمله الرسل وما علّموا به وكيف أنهم كانوا ينفّذون رسالة المسيح على الأرض.فسِفر الأعمال يظهر لنا الكنيسة _كنيسة الله _ التي تحمل المشعل وتتمّم رسالة المسيح،وهذه الكنيسة التي امتلأت بقوة الروح القدس،والروح القدس هو البرقليط المعزّي،وهي في اللغة اللاتينيةfortis أي الشّجاع،والمعزّي هو الشخص الذي يملأ الناس شجاعة وقوّة،وليس من السَّهل الفصْل بين عمل الرّوح القدس وعمل المسيح أن كان هذا العمل في الأناجيل الشريفة أم في سفر الأعمال، لأنَّ حلول الروح القدس هو تحقيق لوعد المسيح " وها أنا معَكم كل الأيَّام إلى أنقضاء الدهر" {متَّى20 :28 }. و"أمّا الراجون الربّ يتجدّدون قوّة". {أشعيا 31 : 40 }.

" بِداية الكرازة العظْمى في المسيح ":

قبل يوم الخمسين لم يدرك الرّسل معنى رسالتهم إدراكا كامِلا فنجد يعقوب ويوحنّا يريدان أن يطلبا نارا من السّماء فتنزل وتحرق السامريّين {لوقا 54 : 9 }فزجرهما يسوع المسيح بقوله:" أنكما لا تعلمان من أيّ روح أنتما" {لوقا 55 :9 }فالمسيح لم يأتِ ليهلك النَّاس أو أنْ ينْشر روح الأنتِقام بل أنما أتى ليغمر البشرية بنعمته الخلاصية،وقبل ذلك منَع التلاميذ شَخصًا كان يُخرج الشياطين باسْم يسوع لأنَّه ليس معهم{مرقس38 :9،لوقا 49 :9}لذلك أمرهم يسوع عندما إختارهم في بداية خدمته بقوله: "إلى طريق الأمَم لا تتّجهوا ومدن السامريّين لا تدخلوا " {متَّى5 :10}هذا لأنَّه كان صعبا عليهم إدراك المعنى الدقيق لرسالته،ولكنَّه قبل صعوده قال لهم: "لكنكم ستنالون قوَّة الرّوح القدُس الذي يحل علَيكم فتكونون لي شهودا في أورشليم وجميع اليهوديّة وفي السامرة وإلى أقصى الأرض " { أعمال 8 :1}.

فعندما حلَّ عليهم الروح القدس يوم الخمسين أدركوا معنى رسالتهم العظمى فأنطلقوا إلى كلّ بلاد المعمورة ليكرزوا بالأنجيل.أن أوَّل ما يسترعي أنتباه قارىء سِفر الأعمال هو سرعة التبدّل المدهِشة في سلوك التلاميذ بعد حلول الروح القدس عليهم.اذ أنطلقوا بقوّة للشهادة بقيامة المسيح.ويعزى سبب ذلك إلى أن الروح القدس قد ملأ عليهم أجسادهم وعقولهم،فأزال عنهم الإحساس بالعجز واليأس ومنحهم الأماني وفتح عقولهم وتفهمّوا أسباب القيامة المجيدَة وسرّها العجيب فأنطلقوا في الحال يُبشّرون بقيامة المسيح مِن بَين الأموات بقوّة وحكمة وإقناع لا يقاوم وبفرح أذهل كلّ من سمعهم أو رآهم.

أن الروح القدس بحلوله على الرسُل أعطاهم قوّة وقدْرة على التَّبشير والكرازة بالمسيح وجعَل منهم كنيسة شاهِدة،فأنّ وقوف بطرس في تلك السَّاعة وخطابه للناس من حوله لم يكن عن استعداد سابق بل كان بطرس مدفوعا بقوّة الروح القدُس الذي ذكّره بكل شيء،فبطرس الذي حاول أن يزجر المسيح ويردعه عندما أعلن أنَّه لا بدَّ وأن يذهب إلى أورشليم وأن يتألَّم ويصلب {متى21 :16}هو الذي يقف الآن أمام الجماهير المحتشِدة ويقول: "أنّ يسوع الناصري...لمَّا أسلم بحسب مشورة الله{تصميم الله}المحدودة وعلمه السَّابق صلبتُموه وقتلتُموه بأيدي الأثمة فأقامه الله ناقضا آلام الموت إذ لم يكن ممكنا أن يمسكه الموت "{أعمال24 _ 23 :2} وقال: "فيسوع هذا أقامه الله ونحن كلّنا شهود بذلك وإذ كان قد ارتفع بيمين الله وأخذ من الآب الموعِد بالرّوح القدُس أفاض هذا الروح الذي ترونه و تسمعونه...فليعلم يقينا جميع بني إسرائيل أنَّ الله جعل يسوع هذا الذي صلبتموه ربّا ومسيحا " {أعمال36و33 _32 :2}فآمن وتاب في ذلك اليوم ثلاثة آلاف نفس{أعمال41 :2 }.وهذا ما أيّده بولس الرسول بقوله: "ولم يكن كلامي وكرازتي بكلام بليغ من حكمة بشرية بل بإبداء الروح القدس والقوة لكي لا يكون إيمأنكم عن حكمة الناس بل عن قوة الله "{ كورنثوس الأولى 5_4 : 2 }وقال لأهل تسالونيكي: "لأنَّ تبشيرنا لم يصر إليكم بالكلام فقط بل بالقوّة أيضا و بالروح القدس"{ تسالونيكي الأولى 5 :1}.

ولقد أعطاهم الروح القدس موهبة التكلم بألسنة مختلفة فامتلأوا كلّهم من الروح القدس وطفقوا ينطقون بألسنة أخرى على حَسب ما آتاهم الروح القدس أن ينطقوا " {أعمال 4 :2}.وهنا تبرز معجزة مزدوجة فأوّلا: يتكلّم الرسل مخبرين بآيات الله وهم يتكلّمون بلغة هي صورة من صور الموهبة الروحيّة. وثانيا: أن كان الكلام بالألسن غير مفهوم في ذاته إلا أن جميع الحاضرين فهموه: " فأن الذي ينطق بلسان لا يكلّم الناس بل الله إذ ما من أحد يفهمه بل في الروح ينطق بأسرار"{ كورنثوس الأولى2 : 14}فعند حلول الرّوح القدس وسماع ذلك الصوت "إجتمع الجمهور فتحيّروا لأنَّ كل واحد كان يسمعهم ينطقون بلغته فدهشوا وتعجبوا قائلين أليس هؤلاء المتكلّمون كلهم جليليون؟ فكيف يسمع كل منّا لغته التي ولد فيها "{أعمال8_6 :2} و" نسمعهم ينطقون بعظائم {بآيات} الله بلغاتنا {أعمال2:11 } إذ كان الجمهور الذي احتشد أمام العليّة من جنسيات مختلفة ويتكلّمون نحو خمس عشرة لغة.فهذه المعجزة الثانية القائمة في الإستماع علامة من علامات دعوة الكنيسة الجامعة حيث يأتي إليها المسيحيّون من مختَلف العالم إذ كان التكلّم بألسنة تعبيرا عن سقوط كلّ الحواجز والقُيود التي كانت تفصلهم عن كافة الشعوب الأخرى وأصبح بإمكان الرسل أن يكرزوا بالبشارة لأيّ فرد أو جماعة أخرى مهما اختلفت عنهم لغة أو فكرا أو تقاليد،فلقد وهبهم الروح القدس قدرة فائقة على الإتصال والتواصل مع الآخرين.والروح القدس هو الذي قال لفيليبُّس أن يقترب من المركبة ويرافقها {أعمال 8:29}ليلتقي بالخصي الحبشي،وهو الذي يدفع بطرس إلى بيت كورنيليوس{أعمال10:19}،وهو الذي يختار بولس و برنابا للرسالة{ أعمال4 ـ 2 :13}وهو الذي يمنَع بولس من الذِّهاب إلى منطقة معينة{أعمال7_6 :16}،فأن كان الروح القدس هو العامِل معهم وفيهم فنجحت كرازتهم و استطاعوا أن يفتنوا المسكونة.

" يَوم الخَمسين هُو يوم تأسِيس "

كنيسَة العهْد الجَديد:

قبْل يوم الخمسين كان الرسُل جماعة صغيرة لا يجمعها كيان؛ وكانت الشّكوك تساورهم، أما في يوم الخمسين فقد أعطاهم الروح القدس كل مقوّمات بناء الجماعة أو الكنيسة.فعندما سألت الجموع بطرس والتلاميذ عما يفعلونه أجاب الرسول: "قوموا وليعتمد كلّ واحد منكم باسم يسوع المسيح" {أعمال 28 :2}لقد كان يوحنّا المعمدان يعمد وكانت معموديته للتوبة وكان التلاميذ يعمّدون قبل صلب المسيح وقيامته{يوحنّا2 : 4}ولكن الكتاب المقدس لم يكشِف لنا عن صيغة تلك المعموديّة، أمَّا المعمودية المسيحيّة الأساسية فقد بدأت يوم الخمسين وأصبحت تجري باسم يسوع المسيح.

كذلك بدأوا يواظبون على الشركة وكسر الخبز والصلاة "وكانوا مواظبين على تعليم الرسل والشركة وعلى كسر الخبز والصلاة"{ أعمال42 :2}{يعني بتعليم الرسل، التبسط في تعليم يسوع وتفسير الكتاب المقدس على ضوء الواقع المسيحي والشركة أي الحياة الأخويَّة القائمة على وصية المحبة والتعاطف وكسر الخبز أي الإفخارستيا، يقيمونها في أحد البيوت، ولم تكن منفصَلة عن طعام العشاء العادي { كورنثوس الأولى34_20 :11}والصّلاة هي الصلوات الطقسية اليهودية في الهيكل،{أعمال46 :2 }وفي هذه الآيات وصف نمط من الاشتراكية زاولها المسيحيون الأولون في أورشليم ولكنها كانت عفوية حرة لا إكراه فيها وهذا النمط من الحياة المشتركة اتخذه الرهبان من بعد}وارتبط كسر الخبز بذكرى موت المسيح إلى أن يجيء " فأنّكم كلما أكلتم هذا الخبز وشربتم هذه الكأس تخبرون بموت الرب إلى أن يجيء "{كورنثوس الأولى 26 :11}.كذلك أصبح لهم قواعد إيمانية يقرون بها وتربطهم معا أهمّها: أن المسيح صلب وهذا ما أعلنه بطرس: " صلبتموه وقتلتموه بأيدي أثمَة " {أعمال 23 :2}وأنَّه قام من بين الأموات، "الذي أقامه الله ناقضا آلام الموت إذ لم يكن ممكنا أن يمسكه الموت " {أعمال 24 :2}وأنه صعد إلى السّماء "وإذ كان قد ارتفع بيمين الله " {أعمال 33 :2}وأنه رب "أن الله جعل يسوع هذا الذي صلبتموه ربا ومسيحا" {أعمال 36 :2 }وأكّد هذا الإقرار في بيت كورنيليوس "الذي هُو ربّ الكل"{أعمال 10:36}ولم يتوقف عند الإعتراف بأنَّه ربّ بل أعْلن أنّ " كل من يدعو باسْم الرَّب يخلص" { أعمال21 :2 }وأكّد هذا في بيْت كورنيليوس قائلا : "...أنَّ كلّ من يؤمن به ينال مغفرة الخطايا باسمه " {أعمال 43 : 10}وأنّه سيدين الأحياء و الأموات: "ونشهد بأنّه هو الذي عينه الله ديانا للأحياء والأموات" {أعمال 42 :2 }.ولقد أدرك الرسل في اليوم الخمسين أنّهم أصبحوا كيانا جديدا حلّ محلّ الكيان اليهودي وقد كان هذا الكيان ينمو بسرعة عظيمة فلقد إعتمد وأنضم إلى الكنيسة في يوم الخمسين ذاته ثلاثة آلاف نفس؛{أعمال2:41 }وبعدها بقليل نقرأ أنّ عدد الرجال فقط الذين آمنوا أصبح خمسة آلاف؛{أعمال4 : 4} وبعدها نقرأ "وكان المؤمنون بالرب يأخذون في الإزدياد جماعات من الرجِّال والنساء" {أعمال14 :5 }ولذلك وجَد التلاميذ أنَّه من الضرورة تنظيم هذا المجتمع الجديد فاختاروا سبعة لخدمة الموائد{ أعمال3 :6}وأرسلوا بطرس ويوحنّا إلى السامرة {أعمال 8:14 } وأرسلوا برنابا إلى أنطاكيا{أعمال 11:22}ورسموا كهنة في كل كنيسة أسَّسوها {أعمال 23 :14}. وكان يتمّ فرز الخدام {كهنة الكنيسة}بوضع الأيدي {أعمال13:3 }فلقد أدركت الجماعة ذاتها، كما أنها أدركت هدف وجودها؛ويدلّ نموّ الكنيسة السريع بكل وضوح على أنّ الكنيسة قد اتخذت القرار الحاسم بالعمل لتقديم يسوع إلى العالم غير عابئة بما يجره عليها هذا العمل،والبحث وأصبحت خطواتها ثابتة بقوَّة الروح القدس،فحقا أن يوم الخمسين هو يوم ميلاد الكنيسة.

في يوم الخمْسِين اسْتوعَب الرُّسل إنجِيل المسِيح:

قبل يوم الخمسين كانت أسئلة التلاميذ للمسيح وتساؤلاتهم كثيرة، فقال لهم يسوع:" في ذلك اليوم لا تسألونني عن شيء" {يوحنّا 23 :16}وعبارة "في ذلك اليوم"،تشير إلى الفترة التي تلي قيامة الرب من بين الأموات،وكأن هذه الفترة هي يوم واحد،عندما راح يسوع يتراءى للرّسل في أحوال مختلفة،وفي يوحنّا{12 :21 }تأكيد على هذا المعنى. وكثرة الأسئلة تدلّ على عدم استيعاب التلاميذ لرسالة المسيح،فلم يكونوا بعد على مستوى العهد الجديد،فقبل يوم الخمسين رفضوا فكرة الصلب،{متى 22 و16 :16}وكانوا لا يعلمون إلى اين سيذهب، ولا يعلمون الطريق{يوحنّا 5 :14}وكانوا يردّدون :" أنه كلام عسير فمن يطيق سماعه " {يوحنّا 60 :6 }و "ما هذا الذي يقوله لنا " {يوحنّا 17 :16 }وكان وعد المسيح لهم: "وأمَّا المعزّي {البرقليط} الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلّمكم كل شيء ويذكّركم كل ما قلته لكم " {يوحنّا 26 :14 }.

وقد كان التلاميذ قد نسوا تعاليم كثيرة مما قاله السيد لهم،ولم يفهموا تعاليم أخرى،ولكن عندما حلّ عليهم الروح القدس ذكّرهم بكل شيء،وكشف لهم عن معاني أفعال وتعاليم المسيح.فمثلا قال المسيح لليهود: "أنقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه" {يوحنّا 18 :2 } ولم يفهم التلاميذ هذا الكلام "ولما قام من بين الأموات تذكّر تلاميذه أنه قال هذا فآمنوا بما كُتب وبالكلام الذي قاله يسوع"{يوحنّا 22 :2 }.

ولمّا دخَل المسيح إلى أورشليم وقوبِل باشارات النصر والفَرح وبالهتاف:" هوشعنا مبارك الآتي باسم الربّ "{يوحنّا 18 :12}فلمْ يفهم التلاميذ هذه الامور،يقول يوحنّا: "وهذه الأشياء لم يفهمها تلاميذه أوَّلا" ولكن لمّا مُجّد يسوع حينئذٍ تذكّروا أنَّ هذه أنما كُتبت عنه، وأنهم عملوها له" {يوحنّا 16 :12}.

لقد أعطاهم الروح القدس فهما واستيعابا لكلّ ما عمله المسيح أمامهم، ولكل التعاليم التي علّمها لهم،وذكّرهم بكل شيء.أن الروح القدس لم يضف تعاليم جديدة،بل ذكّر وأرشد إلى تعاليم المسيح كما نطق بها بمزيد من الإستنارة وقوّة البصيرة،ولذلك قال المسيح: "هو يمجّدني لأنَّه يأخذ ممَّا لي ويخبركم" {يوحنّا 14 :16 }،وتمْجيد الروح القدس للمسيح لا يعني أنَّه سيزيد على حقيقة المسيح شيئا، لأنّ مجده كامل، بل أنّه عندما يعلن حقيقة المسيح الإلهيّة،كابن الله الوحيد،وحقيقة ما عمله لأجلنا فهذا كمال التَّمجيد.أن عمل الروح القدس في تمجيد الإبن هو المكمّل لتمجيد الإبن للآب وإعلان حقيقته لكل العالم.

أن موهبة الروح القدس ليست عطيّة مؤقّتة لفترة محدودة،بل هي عطيّة الله الآب الدائمة في كنيسته،وهذا ما قاله المسيح لتلاميذه: "لأنّه مقيم عندكم ويكون فيكم" {يوحنّا17 :14 }.وكان معهم لما كان المسيح مقيما معهم،ولمّا رُفِع بيمين الله،أقام الروح القدس فيهم،وكان هذا في يوم الخمسين.وهو قائم في كنيسة السيد المسيح إلى حين مجيئه الثاني.

والروح القدس أفاض محبّة الله في قلوبنا "لأنّ محبة الله قد أُفيضت في قلوبنا بالروح القدس الذي أُعطِي لنا "{رومية 5:5 }.فالروح القدس يعلّمنا كيف نحبّ، ويمنحنا القوّة لكي نحب.

والروح القدس روح القيامة،أصبح ساكنا فينا: "أن كان روح الذي أقام يسوع من بين الأموات حالاًّ فيكم فالذي أقام المسيح من بين الأموات يحيي أيضًا أجسادكم المائتة من أجل روحه الحالّ فيكم"{ رومية 11 :8 }وروح القيامة ينزع الخوف والقلق من الإنسان،فبعد القيامة كان التّلاميذ مجتمعين والأبواب مُغلَّقَةً خوفا من اليهود {يوحنّا 19 :20 }ولكن بعد حلول الروح القدس أنطلقوا للبشارة في كل مكان دون خوف من الموت أو من القبر،حتَّى حين أمسكهم اليهود وضربوهم وجلدوهم بقوا فرحين لأنهم حُسبوا مستأهلين أن يهانوا من أجل اسمه.{ أعمال 41 :15 }.

وبالروح القدس قبلوا التحدّي والمغامرة في حياتهم وفي خدمتهم، قال بولس الرسول: "والآن ها أنا سائر إلى أورشليم مأسورا بالروح لا أدري ما سيَعرِض لي هناك.الا أنّ الروح القدس يشهد في كل مدينة قائلا: " أن قيودا ومضايق معدّة لي في أورشليم " {اعمال23 و22 :20 } فبولس لا يهرب من الشدائد والمضايق والعراقيل،بل يواجهها بكل تحدٍّ دون خوف أو وجل فالروح القدُس السّاكن فيه يعطيه هذه المواهب ويقوّيه.

وروح الله هو روح الرجاء { كولوسي 27 :1 }. الرَّجاء أن يرشدنا إلى طريق الأبديّة، ويحمينا من كل خطر وضيق وشدّة،يزرع فينا الأمل والحبّ ويقتلع من قلوبنا اليأس والحزن.

فللروح القدس،الرب المحيي، المنبثق من الآب الذي هو مع الآب والابن الناطق بالأنبياء نسجد ونمجّد.

العنْصرة بين عهْدين: العهْد القَديم والعهْد الجَدِيد:


إن ذكرى العنصرة هي ذكرى مزدوجة لليهود والمسيحيّين.لليهود وهي اليوم الذي تمّ فيه إعطاء الشريعة لموسى،وللمسيحيّين هي اليوم الذي فيه تحقّقت النبوءات ووعد المسيح بحلول الروح القدس.

فأن النبيّين إرميا{33_31 :31}وحزقيال{27 :36}تنبئا بإعطاء شريعة جديدة روحيّة يكتبها الله في النفوس والقلوب لا في الألواح.

وثمّ: هذا يوم أفاض الله روحه القدّوس على الأرض ليجعل الأنسان خليقة جديدة،ففي الأزمنة الأخيرة يحلّ روح الله على كل بشر يختارهم كما تنبّأ يوئيل،وكما تنبّأ أيضا حزقيال،فتجديد العهد،وتجديد الشريعة قَد تمّا عنْد حلول الروح القدس على البشر:التّلاميذ واليهود والأمم الذين تابوا واعتمدوا باسم يسوع المسيح.

والكِتاب المقدّس والأنبِياء يقرنون ذلك كله بظهور المسِيح،لذلك تميّزت دعوة السيد عمّا سبقه بأنها عهد الروح القدُس الذي وعدهم به طيلة مدة رسالته،وقبل رفعه إلى السّماء حدد زمن الوعد للتّلاميذ بقوله: " بعد أيّام قليلة " {أعمال 5 :1 }.

ويمكننا أن نجمل الفروق بين العنصرتين _ العهدين: اليهوديّة والمسِيحيَّة، بعد كل ما تقدّم بما يلي:

1- فالعهد المسيحي _ العهد الجديد،هو عهْد الروح لا عهْد الحرْف. وهذا ما أعلنه الرسول بطرس بعد حلول الروح القدس،في خطابه الأوّل للتلاميذ والشعب جميعا _ الكنيسة مستشْهِدا بنبوءة يوئيل مُعلنا تحقيقها في هذا اليوم قائلا: "يسوع هذا قد أقامه الله ونحن جميعا شهود بذلك، وإذ قد ارتفع بيمين الله وأخذ من الآب الروح القدس، أفاضه الله كما تنظرون وتسمعون" {أعمال33_ 32 : 2}فالمسيحيّة التي أسّسها المسيح، ودعا إليها تلاميذه ورسله هي عهد الروح في تاريخ البشرية. ففي العنصرة تمّ وعد الكتاب المقدس _ العهد القديم ووعد الإنجيل _ العهد الجديد بحلول الروح القدس على البشر.

2_وفي العنصرة المسيحيَّة تمّ وعد الكتاب المقدس بحلول شريعة جديدة روحية في نفوس المؤمنين،لتكون شريعة روحية فيهم بدَل شريعة الحرف.
فاليهود يعيّدون لاعطاء حَرْف التوراة والمسيحيّون يعيّدون في العنصرة لحلول الروح شريعة جديدة روحيَّة في النفوس.فالروح القدس بحلوله في نفوس المؤمنين هوشريعة العهد الجديد.

3_كانت العنصرة اليهوديَّة ذكرى قيام العهد القديم،فجاءت العنصرة المسيحيَّة ذكرى لقيام العهد الجديد،فالعهد الجديد الذي أسَّسه السيّد المسِيح،بدعوته وموته على الصّليب، وقيامته يقوم اليوم بحلُول الروح القدُس عَلى كنيسته، فالعنصرة المسيحيَّة هي فاتحة العهد الجديد: " ستعمّدون بالروح القدُس بعد أيام قليلة "{أعمال 5 : 1 }.

4_فالعمَّاد المسيحي هوَ العمَّاد بالرّوح القدس الموعود فيه،يحلّ روح الله على المعمّد،وليس الماء والزّيت سوى رموز مقدّسة بواسطتها يفيض الله روحه في النفس المؤمنة. فالعمَّاد المسيحي هو الواسطة والزَّمن الذي فيه يحلّ روح الله في المعمّد، ويتمّ تصريح ذلك في الميرون.
5_والعمَّاد المقرون بالميرون هو حلول الروح القدس للشهادة: " ستعمّدون بالروح القدس...وتكونون لي شهودًا "{أعمال8 و5 :1} فروح الله يحلّ على المعمّد ليكون شاهدًا للمسيح فالشّهادة المسيحيّة هي عمل الروح القدس وقد افتتح يسوع المسيح،رسالته بحلول الروح القدس عليه،يوم عمّاده والرّسل يفتتحون الرسالة المسيحيَّة في العالم بعمّادهم في الروح القدس.

فحلول الروح القدس على الكنيسة يوم العنصرة،هو ختام الدعوة الإنجيلية وثمرة صلْب المسيح: "وإذ قد ارتفع بيمين الله،وأخذ من الآب الرّوح القدس الموعود،أفاضه كما تنظرون وتسمعون"{أعمال33 :2} فالعنصرة المسيحيّة هي تكريس العهد الجديد،عهْد المسيحيّة،وعهد الروح القدس،وتكريس الرُّسل للدعوة والرسالة في العالم.

6_العنصرة اليهودية هي ذكرى إعطاء الشريعة،فجاءت العنصرة المسيحية ذكرى حلول الروح القدس على الكنيسة،فالعهْد القديم هو عهد الحرف، والعهد المسيحي الجديد هو عهد الروح. وهذه هي ميزة المسيحيَّة الكبرى على سائر الأاديان،أنها دين الروح لا دين الحرْف في الكِتاب.

أن موعد العيد متغير تبعا بموعد عيد الفصح ولكن العنصرة تأتي دوما يوم الأحد اليوم الخمسين بعد القيامة.

طروبارية العنصرة: " مُباركٌ أنتَ أيّها المسيح إلهنا يا مَن أظهرت الصّيادين جَزيلي الحِكمة إذ سكبت عليهم الرّوح القدُس وبهم اصطدت المسْكونة يا محبّ البشَر المجد لك".