كنوز نت - كفرياسيف -يوسف جريس شحادة


ألصّعُود

{الراقد على رجاء القيامة الأستاذ صديقي ميخائيل بولس،المادة من كتاب "الأعياد السيدية " من إصدار جمعية أبناء المخلص في الأراضي المقدسة.}.
" صَعِدت بمجدٍ أيّها المسِيح إلهنا، وَفرّحْت تلامِيذك بمَوعِد الرّوح القُدس إذ أيقَنوا بالبرَكة أنَّك أنْتَ ابن الله المنْقِذ العالَم ".

" ألصُّعود "

بعد أن أسلم يسوع الرّوح،وهو على الصَّليب،دُفن في قبرٍ جديد في بستان،وفي اليوم الثالث نهَض قائماً من بين الأموات كما سبق فقال. وبذلك بدّد خوف وشكوك تلاميذه وأتباعه.{لوقا 49 _ 13 :24، يوحنّا و11 :20 و22 :21}وظهر لهم مِراراً وتكراراً مدّة أربعين يوماً، وفتح أذهانهم ليفهموا الكتب،ووَعدهم بإرسال الروح القدس ليعزّيهم ويرشدهم ويقويّهم بقوَّة من لدنه ليكونوا شهوداً له مبتدئين من أورشليم وإلى أقصى الأرض{أعمال 8 :1}.وبعدَ أن حقَّق لهم أنه قد دُفع إليه كل سلطان في السماء وعَلى الأرض{متى18 :28 }أرسَلهم لكي يُتلمِذوا جميع الأمم{متَّى 19 :28 } بعد أن وعدهم بأن يكون معهم كل الأيَّام إلى انقضاء الدهر{متَّى20 :28}،وقبل صعوده خاطبهم قائلاً:هوذا الكلام الذي كلّمْتكم به إذ كنْت معكم؛ أنّه ينبغي أن يتمّ كل ما كُتِب عنّي في ناموس موسى،وفي الأنبياء والمزامير، حينئذٍ فتح أذهانهم ليفهموا الكتب. وقال لهم : "هكذا كُتب وهكذا كان ينبغي للمسيح أن يتألّم،وأن يقوم في اليوم الثالث،من بين الأموات،وأن يُكرَز باسمه بالتوبة ومغفِرة الخطايا في جميع الأمم إبتداءً من أورشليم. وأنتُم شهود لذلك.وأنا أرسِل إليكم موعد أبي. فامكثوا في المدينة إلى أن تلبسوا قوّة منَ العلاء.

ثمّ خرج بهم إلى بيت عنيا ورفع يديه وباركهم.وفيما هو يباركهم أنفرد عنهم وصعد إلى السماء.فسجدوا له ورجعوا إلى أورشليم بفرح عظيم وكانوا كلّ حين في الهيكل يسبّحون الله ويباركونه.{لوقا 53 ـ 44 :24 }.

هكذا اختُتِمت حياة يسوع المسيح على الأرض بهذا النّصر النهائي.وتمّ فيه ما أعلنه الرسل يوم الخمسين "أنَّ الله جعل يسوع هذا الذي صلبتموه أنتم ربّاً ومسيحاً " { أعمال 36 :2 }.

والصعود هو من قضايا الإيمان المسيحي التي أقرّها الآباء القدّيسون في المجمع المسكوني الأوَّل والثاني في دستور الإيمان.

والسّماء في الكتاب المقدَّس هي مسكن الألوهيّة إلى حَدّ أنَّ اللفظ يستخدم كناية دالّة على الله.وأمَّا الأرض موطئ قدميه {أشعياء1: 66} فهي مَسكن البشر{مزمور 16 :115،جامعة1 :5 }،وأنّ الله ليتفقّد الناس "ينزل من السماء" {تكوين 5 :11،خروج 13 ـ 11: 19، ميخا 3 :1، مزمور 5 :144 } ثمّ "يَصعد إليها ثانية " {تكوين 22 :17 }.وأمَّا السحاب فهو مركبة{عدد25 :11 ،مزمور 10 :18، أشعياء1 :19}.والرّوح الذي يرسله ينبغي كذلك أن ينزِل{أشعياء 15 :32، متَّى 16 :3 ،رسالة بطرس الأولى 12 :1 }.

والملائكة أنفسهم الذين يسكنون في السماء مع الله{ ملوك الأول 19 :22، أيوب 6 :1، متَّى10 :18}ينزلون ليتمّموا رسالاتهم.{ دانيال 4:10 ، متَّى 2 :28 ، لوقا 43 : 22 }ويصعدون ثانية بعد ذلك{ قضاة 20 :13،طوبيا 20 :12}،النزول والصعود بهما يقوم الرِّباط بيْن السَّماء والأرض.

وبعض المختارين كأخنوخ {تكوين24 :5،سيراخ16 :44 و14 :49 }أو ايليا{ملوك الثاني 11 :12 ، سيراخ 12 ـ 9 :48،المكابيين الأوَّل 58 :5 }نالوا الأنعام بأنْ يُختطفوا إلى السَّماء بالقُدرة الإلهيَّة.

صُعود المسِيح إلى السَّماء:

يسوع،طِبقاً للترتيب الإلهي كما وَرد في الكتاب المقدَّس،قد رُفع بالقيامة، إلى يمين الآب.{أعمال 34 :2 ،روميَّة 34 :8 ،أفسُس 21 ـ 20 :1،رسالة بطرس الأولى 22 :3، راجع مرقس 37 ـ 35 :12 و 62 :14}.وصُعود المسيح في تأكيدات الإيمان الأولى ليسَ ظاهرة معتبرة لذاتها،بقدر ما هي تعبير لا بدّ منْه عن مجْد المسيح السماوي { راجع أعمال 34 :2 ، مرقس 19 :16، رسالة بطرس الأولى 22 :3 }.إلاَّ أنَّه مع التقدّم في تفسير الإيمان، فقد اتّخذ الصُّعود ذاتية خاصة لاهوتية وتاريخية، متميّزة أكثر فأكثر.

قبل أن يعيش المسيح على الأرض،توضح الكتُب المقدَّسة أنَّه كان عند الله كإبن وكلمة وحكِمة، وعليه فإن إرتفاعه السماوي،لم يكن نصراً لأنسان رُفع إلى مرتبة إلهية،كما يحْلو القول عنْد بعْض الهراطِقة في تعليمهم البِدائي{أعمال 36 ـ 22 :2 و 42 ـ 36 :10 } وأنما هوَ عودة إلى العالم السماوي الذي سبق ونزَل منه.

أن يوحنّا البشير هُوَ الذي عبّر بوضوح تام عن هذا النزول من السماء {يوحنّا 58 ،51 _50و 42 _41 و38 و33 : 6}وأقام العلاقة بينه وبَين الارتفاع ثانية بالصعود{يوحنّا13 :3 ،62 :6 ،راجع أيضاً رومية 7 ـ 6 :10 ،أفسس 9 ـ 10 :4 ، فيلبي 6 ـ 14 :2}.

وبولس الرسول يعتبر الصُّعود مرحلة من مراحل التمجيد، فالصُّعود هو أفضل تعبير للدَّلالة على تسامي المسيح على الكون.

ولماّ كانت بدعة الكولوسيّين قد تعرضت لأنزال المسيح إلى مرتبة المأجور الذي عُيّن من بين مصاف الملائكة،عاد الرسول بولس إلى القول بأكثر صَراحة مما سبق وقال عن نصْر المسيح على القوات السماوية{كورنثوس الأولى 24 :15 }،فأكَّد أن هذا النصر قد إكتسبه المسيح بالصليب{كولوسي 15 :2 }،وأنّه منذ الآن يجلس على العرش في السموات فوق تلك القوات،مهْما كان مركزها{ أفسس 21 ـ 20 :1 }،وهو حينئذ يستعمل المزمور 9 :68، ليبيّن أنّ إرتفاع المسيح فوق السموات للسِّيادة على الكون الذي هو "يملؤه "، { أفسس10 :4} مثْلما " يجْمعه "{أفسس10 :1}بصِفَة رئيسية.

وهذا المستوى الكوني يظهر في الرسالة الأولى إلى تيموثاوس 16 :3 ، فالإرتفاع إلى المجد يأتي بعد الظهور للملائكة وللْعالم. وتُصوّر الرسالة إلى العبرانيين بدورها صُعود المسيح في ضوء نظرتها لعالم سماوي تقوم فيه حقائق الخلاص،ونحوه تتَّجه مسيرة البشر،وأنَّ الكاهن الأعظم الجالس عن يمين الله الآب{عبرانيين 3 :1، 1 :8 ، 13 ـ 12 :10 ، 2 :12 } فوق الملائكة { 13 ـ 4 :1 ، 9 ـ 7 :2 } قد صعد أوَّل الجميع مختاراً السموات { 14 :4 } ومخترقاً فيما وراء الحجاب {20 ـ 19 :6 } إلى القُدس الحقِيقي ليظهر أمام وجه الله لأجلنا{24 :9 }.

ويظهر من بعض النّصوص التي وردت في الأنجيل{لوقا51 ـ 50 :24 ،مرقس 9 :16،أعمال 11 ـ 3 :1}أنّه في ختام الأربعين يوماً التي حدثت خلالها ظهورات ولقاءات،يترك يسوع تلاميذه ويصعد إلى السماء.فالصُّعود هنا يهدِف بوضوح إلى أنهاء فترة الظهورات،وليس إلى وصف دخول المسيح في المجد،بعدَ فترة متراوحه يصعب تفسيرها،وأنما يشير بالأحرى إلى بيان أنطلاقه الأخير،الذي يضع حداً نهائياً لظهوره على الأرض.

وعدد الأربعين يوماً قد تحددّ في أعمال الرسل بالنسبة إلى يوم الخمسين {العنصرة}فأن كان يسوع يصعد إلى السماء فلكي يرسل روحه ليحل محلّه، من بعد، لدى التلاميذ.

كَيفيَّة الصُّعود:

يصِف لنا سفر أعمال الرسل إرتفاع يسوع إلى السماء،بتعبير رقيق بسيط وواقعي،يخلو من مظاهر التَّفخيم والتَّضخيم التي كانت تُتّبع عادة في وصف الإحتفالات بتمجيد الأبطال،ولا حتَّى كحادثة إرتفاع إيليا السَّابقة في الكتاب. "ولمَّا قال هذا وهم ناظرون أخذته سحابة عن عيونهم،وبينما هم شاخصون نحو السَّماء،وهو منطلق،إذا برجلين وقفا عندهم بلِباس أبيض وقالا لهم " أيُّها الرجال الجليليّون،ما بالكم واقفين تنظرون إلى السماء؟أن يسوع هذا الذي إرتفع عنكم إلى السماء سيأتي هكذا كما عاينتموه منطلقاً إلى السماء.{أعمال 11 ـ 9 :1}.

+ " ألسَّحابة ": هي في لغة الكتاب المقدس علامة على حضور الله.
+ و " الرجلان " :ملاكان ووجودهما في المشهد هنا دليل صِلة بين الإرتفاع بمجد إلى السَّماء والقيامَة الباهرة.
+ "سيأتي":في يوم الدِّين،غير أنّ يسوع وأنْ غاب فهو أبداً حاضر في حياة الكنيسة.

مكان الصُّعود: جَبل الزَّيتُون: 


يُشرف هذا الجبل على أورشليم {البلدة القديمة،من الجهة الشرقيّة، فترى من قمَّته كل شوارع المدينة وبيوتها.واسمه مأخوذ من شَجر الزيتون الذي كان موجوداً فيه بكثرة.ولا تزال توجد فيه بعض أشجاره الكبيرة الحجم والقديمة العهد إلى الآن.

ويكثر ذِكر هذا الجبل في العهد القديم من الكتاب المقدَّس كجبل الزيتون{صموئيل الثاني30 :5 ،زكريَّا 4 :14}.والجبل{نحميا 15 :8 } والجبل الذي تجاه أورشليم {ملوك الأوَّل7 :11}والجبل الذي على شرقي المدينة{حزقيال 23 :11}وجبل الهلاك{ملوك الثاني 13 :23 }كمَا يذكر في العهد الجديد في علاقته بحياة المسيح على الأرض{متَّى 1 :21 و 3 :24 و 30 :26 ، مرقس 1 : 11 و 3 :13 و 26 :14 ، لوقا 29 و37 :19 و 37 :21و 39 :22 ، يوحنّا 21 :8، أعمال 12 :1}.


ويفصِل هذا الجبل عن أورشليم وادي قدرون{صموئيل الثاني30 و 23 و14 :15}. وقد حُسبت المسافة بين أقصى قمّته الشماليَّة وبين أورشليم بسَفر سبت{أعمال 13 : 1 }{وسفَر السبْت كان عبارة عن ألف ذراع.{والذِّراع تعادل 60 سم أي حوالي 600 م }،أو كما يقول يوسيفوس خمس أو ست غلوات.
أن الله ذاته "مسح ملكاً على صهيون جبل قدسه"{مزمور 6 :2} في المكان نفسه الذي قرّب فيه إبراهيم إبنه على جبل الموريا{الأيام الثاني 1 :3 راجع تكوين 2 : 22}،وعلى هذا الجبل ينبغي للمؤمِن أن يصعد {مزمور 3 :24} مرتِّلاً " أناشيد المراثي"{مزمور 120 إلى 134 }ويرجع إليه بلا أنقطاع{مزمور3 :43 }راجياً أن يقيم فيه إلى الأبد مع الرب{مزمور1 :15 و 2: 74}.

وعلى هذا الجبل صَعد داود عاري القدمين وباكياً وهارباً أمام أبشالوم {إبنه} وعلى هذا الجبل ظهر الرب لحزقيال في رؤياه{حزقيال23 :11 }،كما ظهر لزكريا بروح النبوّه واقفاً على هذا الجبل شافعاً في شعبه {زكريا 1 : 11 }وطالما صعد المسيح اليه.وفي وقت نزوله منه بأيَّام قليلة،إستقبلته الجموع بالهتاف والترحيب وكان هو يبكي على المدينة ومصيرها القريب{لوقا 44 ـ 37 :11}ولقد تحدّث عن سفح ذلك الجبل،عن خراب الهيكل وتدمير المدينة{متَّى3 :24 ، مرقس 3 : 3 1 }،وقبل الفصح الأخير صعد إلى هناك حيث بستان جتسماني{هذا الإسم مُحرّف عن الإسم العبري للمكان גת שמנים _ جات شمانيم،أي معْصرة الزيت}في غرب الجبل،وقد كانت بيت عنيا وبيت فاجي{بيت التِّين}في شرقه،وفي الوقت الحاضر توجد مدينة صغيرة تُسمّى "العيزريه"مكان بيت عنيا حيث كان لعازر ومرتا ومريم، وحيث أقيم لعازر من بين الأموات،وبالقرب من هذا المكان صعد المسيح إلى السماء { لوقا 51 و 50 :24 }.

ويُسمّي العرب جبل الزيتون في الوقت الحاضر جبل الطّور.والجبل عبارة عن سلسلة من الجبال {التِّلال} تمتد بعض سلاسله حوالي 1.5 كم، وله رؤوس أو قِمَم ستَّة، منها قمتان جانبيَّتان.
1ـقمّة ممتدَّة في الشمال الغربي وترتفع حوالي900 م وتُسمى حسب يوسفوس "تل سكوبوس".
2ـ قِمَّة مُمتدَّة في الجنوب الغربي وترتفع حوالي 800 م وتسمَّى تل المشورة الرديئة نسبة إلى التقليد الذي يقول بأنَّ قيافا كان يحتفظ ببيت ريفي في هذا الجانب وفيه تمَّت مَشورته مع الكهنة على قتل المسيح { يوحنّا53 ـ 47 :11}.
3ـوقِمّة في الشمال وترتفع حوالي900 موتسمى اليوم "كرم السيد" ، وكانت تدْعى سابقاً "تلّ الجليل" نِسبة إلى نزول الجليليّين في هذه البقعة أيام الأعياد والمواسم.

4ـ"قِمة الصُّعود" وهي في مواجهة الباب الشرقي لأورشليم وترتفع حوالي800 م،وقد عُرِفت بهذا الإسم من عام 315 م.
5ـ قمَّة " الأنبياء" نسبة إلى وجود قبور الأنبياء على جانبها.
6ـ قمَّة "المعصِية"نسبة إلى الإعتقاد أن سليمان بنى هناك مذابحه الوثنية لزوجاته الوثنيات.

وتقترب قمة الصُّعود من قمَّة الأنبياء كثيراً حتى أنَّ بعضهم يعتبرها قمة واحدة.وقد كان جبل الزيتون مكسواً قديماً بالزيتون والتّين والبُطم والسنديان وبالنَّخيل في بعض المواضع كبيت عنيا.وكانت بقرب قمَّته شجرة من الأرز تحتها أربعة حوانيت لبيع الحمام لخدمة الهيكل،ولم يبقَ من كل ذلك شيء سوى الزيتون والتين.

ويعتقد أن هذا الجبل كان هدف الصعود إلى أورشليم{لوقا29 :19 }ومنه بحسب التقاليد الرؤيوية{زكريا4 ـ 3 :14}ينطلق الرب ليغزو العالم.فيه يحتفل به الشعب رسمياً {لوقا37 :19}،وفيه أيضاً تبدأ مرحلة الآلام{لوقا39 :22}،ومنه أخيراً صعد إلى السماء{أعمال 12 :1}.

الصعود توطئة للمجيء الثاني:

" أن يسوع هذا الذي إرتفع عنكم إلى السماء سيأتي هكذا كما عاينْتموه منطلقاً إلى السماء "{ أعمال 11 : 1 }.
هذِه العبارة الملائكيَّة فضلا عن كونها تفسّر ملابسات الصعود، تقيم إرتباطاً عميقاً بين إرتفاع المسيح إلى السماء وبين عودته ثانية في آخر الأزمنة.
ولما كان الناس ينتظرون هذه العودة، فأنَّ المسيح يبقى محتجباً عن البشر إلى حين ظهوره الأخير{كولوسي 4ـ 1 :3 }عند التجْديد الكلِّي الشامل{أعمال 21 :3 ، تسالونيكي الأولى 10 :1}.

حينذاك سيأتي كما أنطلق{أعمال11: 1}،نازلاً من السماء{ تسالونيكي الأولى 16 :4 ، تسالونيكي الثانية 7 :1} على سحاب{ رؤيا 7 :1 }راجع 16 ـ 14 :14 }، بينما يصعد مختاروه لملاقاته،هم أيضاً على السُّحب{ تسالونيكي الأولى 17: 4 }.

فالمسيح بإنتصاره على الموت قد أسّس تدبيراً جديداً للحياة عند الله. وقد دخل هو أوّلاً تلك الحياة،ليعِد لمختاريه مكاناً،ثمّ يأتي ويأخذهم إلى هناك ليكونوا معه على الدوام { يوحنّا 3 ـ 2 :14 }.

ماذا يعلِّمنا الصُّعود ؟

1_أن هذا العالم ليس بعد وطننا بل منفانا،وأنّه يجب على المسيحيّين الذين لم يزالوا في ظِلال الأرض أن يصعدوا بأفكارهم وأشواقهم إلى حيث يكون كلّ خيرهم.
2_ أن المسيح بصعوده زاد إيماننا كمالاً،لأنَّ الإيمان يقتضي ضرورة أن الذي نؤمن به لا يُرى.فإيماننا لا يتوقّف على أننا نرى بأعيننا ونلمس بأيدينا،فقد زاد كمالاً بصُعود سيّدنا يسوع المسيح ليكون كما قال السيّد مخاطِباً توما "طوبى للذين لم يروا وآمنوا" {يوحنّا29 :20 }. ولهذا قال القدّيس لاون أن قوة الإيمان بما لا يُرى والصّلاة بالشوق إلى حيث لا ينتهي النظر أنما هي من خواص المؤمنين الحقيقيّين.
3_ زاد السيد المسيح بصعوده إلى السماء،رجائنا تمكيناً وكمالاً،لأنّه قال أنه يصعد إلى السماء ليعد لنا هناك مكاناً{يوحنّا3 :14}، وبصعوده كسر أقفال أبواب السماء التي كانت قد أغلقت دوننا بخطيئة آدم ومهّد لنا الطريق الموصل إلى السعادة السماوية حيث أنفس الآباء القدّيسين.
4_ أن صعوده أضرم في أفئدتنا، سعير المحبّة بناء على ما هو مقرَّر من أن قلب الأنسان يكون حيث يكون كنزه،والحال أن كنزنا أنما هو يسوع المسيح سيدنا وإلهنا،فيجب أن يكون لنا كنز حيث هو تمجّد اسمه ويجب أن يكون رجاؤنا وتوقنا كلّه في السماء بحيث هي مركز خيرنا جميعاً.
5_ لمّا رأى المسيح تلاميذه والكآبة قد ملأت قلوبهم عندما أخبرهم بأنطلاقه إلى الآب قال لهم: " أني أقول لكم الحق أن في أنطلاقي خيراً لكم لأنَّ أن لم أنطلق لم يأتكم المعزّي،ولكن إذا مضيت أرسله اليكم " {يوحنّا 7 :16}.وقد أرسل لنا المعّزي يوم الخمسين وهو لا زال حالاًّ فينا، والذي به أفيضت المحبّة في قلوبنا{رومية 5 : 5 }.
6_ أن صعود السيد المسيح أفادنا بشفاعته فينا فكما باشر على الأرض عمل الفداء فأنه يباشر الشفاعة في عباده في السماء، وقد أثبت التِّلميذ الحبيب ذلك حيث قال: "أيّها الأبناء أني أكتب بهذه لئلا تخطأوا،وأن خطيء أحدكم فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار"{رسالة يوحنّا الأولى 2:1 }.
7_كما أنه تعالى يرعى كنيسته ويعضدها ويستمر معها،حسب قوله، طول الأيام حتى أنقضاء العالم.وليس ذلك في سر الإفخارستيا فقط إذ هو موجود في كنيسته مدبّراً إياها بعنايته،فكل النعم والمواهب التي تنحدر على الكنيسة والمؤمنين فأنما تأتي من الرب يسوع مصدر كل البركات.ولذلك يقول الرسول بولس: "أن النعمة قد أعطيت لكل واحد منّا على مقدار موهبة المسيح،لذلك يقول {الإنجيل} لمّا صعد إلى العُلى سبى سبياً وأعطى الناس عطايا ".{أفسس8 و 7 :4 }.فصعوده تعالى إلى السماء أكسبه مجداً وجرّ علينا فائدة كبيرة.

جَلال الصّعود:

يقول المزمور: "صعد الله بتهليل الرب بصوت البوق"{6 :46}" صفّقوا يا جميع الأمم بالأيادي هللّوا بصوت الإبتهاج،يا ممالك الأرض سبّحوا الله ورنّموا للرّب الصَّاعِد فوق السماء نحو المشرق ".{مزمور 33 :67 }.

ثمّ يخبر النبي بأنَّ الملائكة الذين خرجوا للقائه هتفوا نحو الملائكة الذين كانوا في الفردوس كحراس على الأبواب وقالوا: "إرفعوا أيُّها الرؤساء أبوابكم،إرتفعي أيَّتها الأبواب الدهريَّة ليدخل ملك المجد"{مز1 :23 }،فأجابهم الملائكة الذين داخل السَّماء: من هذا ملك المجد؟فقال حينئذٍ الآخرون:"هو الرّب القويّ الجبّار المظفّر في الحروب"{مز9 _ 8 :23}.

وعلى هذا الحال دخَل ربّ المجد وجلس على كراسي السّماء، عن يمين الآب الأزلي. والذي أغْلق دونه وتلك الطبيعة التي قيل لها أنت تراب وإلى تراب ستعودين إرتفعت من الحضيض إلى أعلى السموات. والذي أغلق دونه باب الفردوس،وكان الملاك يصدّه بسيف ملتهب عن الدّخول اليه طار فوق جميع الملائكة على أجنحة الرياح.

أمّا نحن المتألّمين فبهذا السّر نتبيّن عظم ما ألمّ بالإنسان من الشقاء بسبب الخطيئة،والمجد الذي سيرتفع اليه بنعمة ربّنا يسوع المسيح.
ونحن المتألّمين في هذا السّر فلنشكر الله رافعين قلوبنا وعقولنا إلى ذلك المكان السّامي حيث يملك السيد المسيح،ولنحذر من أن يأخذ حبّ الدنيا بقلوبنا التي دعيت إلى السماء،وأنّ الذين أختيروا ليتملّكوا الخيرات الأبَديّة يرتاحون إلى الخيرات الزائلة،والذين أضاء لهم نور الحق يبتغون لذّات كاذبة بالأمور الزمنية كإنسان متغرّب منفي في وادي الشّقاء.

طروباريّة الصُّعود:

" صَعدت بمجْد أيُّها المسيح إلهنا، وفرّحت تلاميذك بموعد الرُّوح القدُس إذ أيقنوا بالبركة أنّك أنْت ابن الله المنقِذ العالم ".
يقع العيد دائما يوم الخميس بعد أربعين يوما من الفصح ولهذا فأن تاريخ هذا العيد متغيِّر تبعا لتاريخ عيد الفِصْح.