كنوز نت - بقلم : شاكر فريد حسن


ياسين حسن شاعر يغمد ريشته في روحه ودمه ويكتب


ياسين محمود حسن، صاحب الخط والحرف الأنيق الهائم، شاعر يغمد ريشته وحبره في روحه ودمه ويكتب، فيستدرج المعنى، ويغزل الحروف، ويسبك الكلمات، ويرسم العبارة عطرًا في قارورة القصيدة، ويتبارى مع الورد وشقائق النعمان بين ظلال الأجنحة المستنزفة من جراح الوطن وعذابات الفلسطيني الباحث عن هوية ووطن واستقلال. 

وياسين من الشعراء الذين يكتبون منذ زمن بعيد، واعتبر من الأصوات الشعرية الجميلة التي برزت في المشهد الشعري وعلى ساحة الأدب والابداع في أواخر السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي.

وهو ينتمي لعائلة من قرية " الكويكات " المهجرة، عانق نور الحياة في طمرة الجليلية العام 1960، وفيها نما وشب وترعرع وانهى تعليمه الابتدائي والثانوي، تعلم موضوع الهندسة في معهد الهندسيين بالناصرة، ثم التحق في دورات بمجالات كتابة الخط العربي والرسم والغرافيكا والنحت وطباعة الحرير، ومارس الخط والرسم إلى جانب كتابة الشعر، وأفتتح فيما بعد مكتب للدعاية والنشر والطباعة.

كتب ياسين الشعر في مراحل شبابه الأولى، ونشر أولى تجاربه الشعرية التي حملت عنوان " يوم في سينا "، العام 1978 على صفحات مجلة " البيادر " الأدبية المقدسية، المحتجبة التي أسسها وأشرف على تحريرها الصحفي جاك خزمو، أطال اللـه بعمره، ثم راح ينشر كتاباته في مجلة " مشاوير "، المحتجبة أيضًا عن الصدور، التي كان يرأس تحريرها الأديب الراحل جورج نجيب خليل، ثم في صحافة الحزب الشيوعي " الاتحاد " و " الجديد " و" الغد ".

وأخرج ياسين ديوانه الشعري الأول " من أغاني الشهداء " وهو في جيل مبكر، وفي حينه كتبت عنه مداخلة نقدية نشرت في مجلة الشبيبة الشيوعية " الغد " المحتجبة. ثم صدر له عن دار القبس العربي في عكا العام 1984 ديوانه الثاني " المرأة التي تسبح حتى الرماد ".

وفي قصائده التي كتبها في تلك الفترة الثورية العاصفة، عبّر ياسين حسن عن مواقفه وأحاسيسه وروحه الوطنية والإنسانية المفعمة بالحب العميق الصادق لوطننا الغالي وناسه الفقراء البسطاء، وعن هموم الوطن ومعاناة شعبنا تحت سياط القهر القومي والعنصرية البغيضة، ملتزمًا مواقف القوى الوطنية والتقدمية والسياسية الفاعلة في الشارع الفلسطيني في الداخل. وعرف من خلال قصائده الوصفية المتمردة كشاعر ملتزم بقضايا الوطن وهموم شعبه، وكتب بريشته ومداد يراعه الأشعار الجميلة للوطن والشهداء والمرأة والجياع والفقراء.

ومن معالم تجربة ياسين حسن البحث الدائم في طبيعة العلاقة الجدلية المتوترة بين النص والمبدع، وهو لا يقف عند وصف هذا التوتر الشعري بل يدور في فلكه بل ويتخطاه بدخوله للتفاصيل حتى تغدو صوره الشعرية مدهشة وظاهرة إبداعية، فيقدمها بقالب فني بديع، وبحلة قشيبة، إنسانية الرؤى والأبعاد، شاملة الطرح، تستلهم التاريخ والتراث والحدث وعناصر الحياة وفضاء الشعر وجمالياته.

ياسين حسن شاعر غني وثري بمفرداته وكلماته وأنامله الحريرية وروحه المرهفة الحالمة الملهمة من كنوز الخيال وثراء الروح، وحين نقرأه نستشعر في غاية من السحر والجمال والطلاوة والأبداع.

وفي نصوصه الجديدة نجد احساسات وجودية واستباقات استشرافية تعبر عن نفسه القلقة المضطربة، مرهفة الاحساس، النازعة للجمال الكوني، مازجًا بين الرومانسية والواقعية، معتمدًا على عمق الفكرة والرؤيا بعيدة الأفق، ومعانيه مكثفة تحوي الكثير من الإيحاءات، وتحفل قصيدته بالانثيالات الرمزية المفعمة بالبعد النغمي، المنسجمة في تلابيب جملته الشعرية، ولا يغفل في ذروة اهتمامه بالإيقاع صوره الشعرية الجديدة المبتكرة، الموحية والدالة، التي تحمل في دلالتها أحيانًا بدلًا من ايقاعها. 

ومقارنة بين ما كتبه ياسين في الماضي واليوم، بين القديم والجديد، نجد ونلمس فارقًا واضحًا، وهذا بالطبع نابع من غنى التجربة والتطور الفني والاستفادة من الأخطاء والهفوات السابقة، والتجديد في معانيه وفكره، وخصوبة خياله والارتقاء بملكته وأدواته الشعرية.
وإليكم نموذجًا من كتاباته السابقة، ونموذجًا آخر من كتاباته الجديدة. ففي قصيدة له بعنوان " الجسر " يقول :


تعال !
وأسمعها من خيام الزمان البعيد البعيد .. تنادي:
تعالى اليّ ..
أنا منهل الشهد والمجد والبرتقال
تعال .. أنا النهر
تمضي مع الريح ..
يغسلها الجرح تحت رموش الرماح
فتمخض بحرا ..
يوّحد بين المدى والجراح
وتركض في ساعديّ
_ تقدم ّ !
تخطّ الظلام .. تخط الكلام .. تقدّم !
أروقة الغوث .. والنائمين ..
الموانئ الصناديق والمهزلة

جميع العصافير تنمو
ولا تعرف اللوز .. والموز
لا تعرف الشمس .. والشوكة المقبلة
وتحفظ طعم الجراح ..
ونار الرماح ..
واحلامها قنبلة
أنا الجسر والنسر والسنبلة

أما من نصوصه الجديدة فاخترت نص " موطني " ، وفيه يقول :

مَوْطِنَ الرّوحِ يا كِتابَ الأَماني
وذُرى الطُّهْرِ ، قِبْلَةَ الإيمانِ
مَنْبعَ المَجْدِ لا يزالُ هواكَ
يَعْرُبِيًّا من غابِرِ الأَزْمانِ
غَرَّدَ الطَّيْرُ في رُباكَ وغَنّى
والسَّنا داعبَ النَّدى بِحنانِ
***
مَنْبَتَ الحُسْنِ في كلِّ حينٍ
أنتَ للعِزِّ مَعْلَمٌ ومعاني
كيْفَ أنْسى تُرابَكَ وهوَ مِنّي
وأنا مِنْهُ هيْكَلي وَبَناني
ما أُحَيْلى السَّماءَ إِذْ تتَجَلّى
وَسْطَها بالسَّنا ملائِكُ الرَّحمنِ
قُدْسُكَ الشَّمّاءُ يا لِهَواها
يُعانِقُ النَّفْسَ لا يُجافي لِساني
آهِ أَقْصايَ ، أنْتَ قِبْلَةُ روحي
كنائِسُ القُدْسِ تَوْأَمٌ لِجَناني
إِنَّ أسْواقَها ، سورُها وثَراها
جَنَّةُ الأَرْضِ ، مِنَّةُ الرَّحْمنِ
***
مَوْطِنَ الرّوحِ يا كِتابَ الأَماني
وَمُنى القَلْبِ مُلْتَقى الأَدْيانِ
ما اخْتَرْتُ لَوْ خُيَّرْتُ غَيْرَ هَواكَ
أَوْ نَفوني لَعِشْتَ في أَجُفاني

ياسين حسن صياد ماهر يعرف كيف يصطاد الكلمات، وملاح يرتاد البحر هادئًا أم هائجًا، وفي قصائده الكثير من الخصائص الفنية والجمالية، وهو في كل ما كتب يثبت أنه يحمل امكانيات الالتقاط السريع إلى المعايشة الكافية عبر لغة شعرية متميزة ورشيقة، وقدرة على تلمس الألم نفسه داخل الألم.

وفي المجمل يمكن القول، ياسين محمود حسن شاعر في رسوماته، ورسام تشكيلي في شعره، وعلى امتداد مسيرته الشعرية متمسك بماء الوجه وعزة النفس والصدق والأصالة والبهجة السعيدة بالإبداع بمعناه الشامل، بعيدًا عن الصخب والضجيج الإعلامي والنجومية الزائفة والمظاهر السطحية، لم يعرف المداهنة ولا التملق ولا التسويق، ولذلك بقي في دائرة الظل، ولم يأخذ حقه من الاهتمام النقدي.

فللصديق القديم الجديد ياسين حسن كل الحب، وخالص التحيات، متمنيًا له عطاءً سيالًا وإبداعًا متجددًا وتألقًا أكثر في المشهد الإبداعي الحقيقي