كنوز نت - كفرياسيف - يوسف جريس شحادة



الوقوف



في القداس الإلهي، وبكل خدمة او رتبة كنسية أخرى، هناك الحركات الجسديّة الثلاث الجلوس والوقوف والسجود او حني الراس في الكنيسة، في هذه العجالة، نتوقف وباختصار عن الوقوف، مقتبسين المادة من كتابنا قيد التنقيح "القداس الإلهي" وفي الكتاب أسهبنا الشرح والنصوص الداعمة.

في اغلب التراجم العربية للعهد القديم العديد من عدم الدقّة مقارنة للنص الأصلي العبري التوراتي وهنا للأسف أيضا الترجمة غير صحيحة وتستخدم مكث مقابل עמד، تثنية 10:10 :" «وَأَنَا مَكَثْتُ {يجب الترجمة وقفت بالنص العبري ואנכי עמדתי } فِي الْجَبَلِ كَالأَيَّامِ الأُولَى، أَرْبَعِينَ نَهَارًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً.

 وَسَمِعَ الرَّبُّ لِي تِلْكَ الْمَرَّةَ أَيْضًا، وَلَمْ يَشَإِ الرَّبُّ أَنْ يُهْلِكَكَ". ومعنى الوقوف بالصلاة المثول امام الربّ لتقدمة الطلبات ونيل البركة. والخضوع امام الرب كما في التثنية 22 _17 :9 :" وَمَتَى ارْتَفَعَتِ السَّحَابَةُ عَنِ الْخَيْمَةِ كَانَ بَعْدَ ذلِكَ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَرْتَحِلُونَ، وَفِي الْمَكَانِ حَيْثُ حَلَّتِ السَّحَابَةُ هُنَاكَ كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَنْزِلُونَ. حَسَبَ قَوْلِ الرَّبِّ كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَرْتَحِلُونَ، وَحَسَبَ قَوْلِ الرَّبِّ كَانُوا يَنْزِلُونَ. جَمِيعَ أَيَّامِ حُلُولِ السَّحَابَةِ عَلَى الْمَسْكَنِ كَانُوا يَنْزِلُونَ. وَإِذَا تَمَادَتِ السَّحَابَةُ عَلَى الْمَسْكَنِ أَيَّامًا كَثِيرَةً كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَحْرُسُونَ حِرَاسَةَ الرَّبِّ وَلاَ يَرْتَحِلُونَ. وَإِذَا كَانَتِ السَّحَابَةُ أَيَّامًا قَلِيلَةً عَلَى الْمَسْكَنِ، فَحَسَبَ قَوْلِ الرَّبِّ كَانُوا يَنْزِلُونَ، وَحَسَبَ قَوْلِ الرَّبِّ كَانُوا يَرْتَحِلُونَ. وَإِذَا كَانَتِ السَّحَابَةُ مِنَ الْمَسَاءِ إِلَى الصَّبَاحِ، ثُمَّ ارْتَفَعَتِ السَّحَابَةُ فِي الصَّبَاحِ، كَانُوا يَرْتَحِلُونَ. أَوْ يَوْمًا وَلَيْلَةً ثُمَّ ارْتَفَعَتِ السَّحَابَةُ كَانُوا يَرْتَحِلُونَ. أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ شَهْرًا أَوْ سَنَةً، مَتَى تَمَادَتِ السَّحَابَةُ عَلَى الْمَسْكَنِ حَالَّةً عَلَيْهِ، كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَنْزِلُونَ وَلاَ يَرْتَحِلُونَ. وَمَتَى ارْتَفَعَتْ كَانُوا يَرْتَحِلُونَ".

من المهم الاشارة الى ان الصلاة تشمل الحالات الثلاث: وقوف المصلي وجلوس المصلي والسجود_ الخضوع. والجلوس لاستماع لكلمة الربّ نجلس عند قدمي الرب مثل ابراهيم جلس واستمع لتعاليم الملائكة الثلاثة والوقوف امام الرب لنقدّم طلباتنا ورجاؤنا وامنياتنا من الربّ.

السجود، قمّة الارتباط بالرب عندما نسجد بكلّ حواسنا وجسدنا وخضوعنا بالكليّة للرب ونعبر بسجودنا عن خضوعنا وتسليمنا ذاتنا للربّ واذلال الروح واستعداد لتسليم النفس والتعبير عن مهابة السماء خروج 6 :3 :" ثُمَّ قَالَ: «أَنَا إِلهُ أَبِيكَ، إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ». فَغَطَّى مُوسَى وَجْهَهُ لأَنَّهُ خَافَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى اللهِ" وخروج 30 :34 :" فَنَظَرَ هَارُونُ وَجَمِيعُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُوسَى وَإِذَا جِلْدُ وَجْهِهِ يَلْمَعُ، فَخَافُوا أَنْ يَقْتَرِبُوا إِلَيْهِ." والعدد 8 :12 :" فَمًا إِلَى فَمٍ وَعَيَانًا أَتَكَلَّمُ مَعَهُ، لاَ بِالأَلْغَازِ. وَشِبْهَ الرَّبِّ يُعَايِنُ. فَلِمَاذَا لاَ تَخْشَيَانِ أَنْ تَتَكَلَّمَا عَلَى عَبْدِي مُوسَى؟ وامثال 7 :1 :" مَخَافَةُ الرَّبِّ رَأْسُ الْمَعْرِفَةِ، أَمَّا الْجَاهِلُونَ فَيَحْتَقِرُونَ الْحِكْمَةَ وَالأَدَبَ." ومزمور 10 :111 :" رَأْسُ الْحِكْمَةِ مَخَافَةُ الرَّبِّ. فِطْنَةٌ جَيِّدَةٌ لِكُلِّ عَامِلِيهَا. تَسْبِيحُهُ قَائِمٌ إِلَى الأَبَدِ" وخروج 23 :2 أعلاه توجه بني اسرائيل للرب وصموئيل الاول اعلاه ايضا.

 في السجود تحرير الروح من الجسد لتصعد حرّة لعرش الربّ، مثل نصّ اشعياء النبيّ 14 :22 :" فَأَعْلَنَ فِي أُذُنَيَّ رَبُّ الْجُنُودِ: «لاَ يُغْفَرَنَّ لَكُمْ هذَا الإِثْمُ حَتَّى تَمُوتُوا، يَقُولُ السَّيِّدُ رَبُّ الْجُنُودِ». ومزمور 2_1 :25 :" إِلَيْكَ يَا رَبُّ أَرْفَعُ نَفْسِي. يَا إِلهِي عَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، فَلاَ تَدَعْنِي أَخْزَى. لاَ تَشْمَتْ بِي أَعْدَائِي" .

الوقوف عبادة في محضر الله

وقوف الانسان في محضر الله، الكنيسة هو عبادة:" حِينَمَا يَجِيءُ جَمِيعُ إِسْرَائِيلَ لِكَيْ يَظْهَرُوا أَمَامَ الرَّبِّ إِلهِكَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يَخْتَارُهُ، تَقْرَأُ هذِهِ التَّوْرَاةَ أَمَامَ كُلِّ إِسْرَائِيلَ فِي مَسَامِعِهِمْ."{تث 11 :31 }. فالوقوف بهدوء هو فعل عبادة الله، خلال القداس نسمع ونحن وقوف:" لنقف حسنا ،قفوا أيها " { بعد قراءة الرسالة مثلا الكل يقف ومع هذا يقول الخوري لنقف حسنا او اثناء المناولة نقف وبعدها قفوا .} ويقول القديس إسحاق السرياني:" اعلى درجات الصلاة هي ان يقف الانسان صامتا، بورعٍ وخشية امام الله".


الوعي ونحن في حضرة الله يغيّر سلوكنا، لأنه بقدر ما يقف الشخص امام صانعه وجابله، بقدر ما يغيّر ويشكّل الصانع _ أي الله _ في خليقته :" مِنْ أَجْلِ ذلِكَ نَحْنُ أَيْضًا نَشْكُرُ اللهَ بِلاَ نْقِطَاعٍ، لأَنَّكُمْ إِذْ تَسَلَّمْتُمْ مِنَّا كَلِمَةَ خَبَرٍ مِنَ اللهِ، قَبِلْتُمُوهَا لاَ كَكَلِمَةِ أُنَاسٍ، بَلْ كَمَا هِيَ بِالْحَقِيقَةِ كَكَلِمَةِ اللهِ، الَّتِي تَعْمَلُ أَيْضًا فِيكُمْ أَنْتُمُ الْمُؤْمِنِينَ."{ 1 تس 13 :2 }.

وقوفنا في محضر الله اننا ندرك ان الله امامنا في كل حين:" جَعَلْتُ الرَّبَّ أَمَامِي فِي كُلِّ حِينٍ، لأَنَّهُ عَنْ يَمِينِي فَلاَ أَتَزَعْزَعُ."{مز 8 :16 }. ونخاطب الله:" كَمَا يَشْتَاقُ الإِيَّلُ إِلَى جَدَاوِلِ الْمِيَاهِ، هكَذَا تَشْتَاقُ نَفْسِي إِلَيْكَ يَا اللهُ. عَطِشَتْ نَفْسِي إِلَى اللهِ، إِلَى الإِلهِ الْحَيِّ. مَتَى أَجِيءُ وَأَتَرَاءَى قُدَّامَ اللهِ ؟"{مز 2 _1 :42 }.وقوفنا بصمت امام الله وبحضرته في القداس هو حديثنا مع الله بصمتنا نناجي الرب :" وَالْقَادِرُ أَنْ يَحْفَظَكُمْ غَيْرَ عَاثِرِينَ، وَيُوقِفَكُمْ أَمَامَ مَجْدِهِ بِلاَ عَيْبٍ فِي الابْتِهَاجِ،"{يهوذا 24 }.وحتى نستطيع ان نقف امام الله في المحبة كما اخبرنا بولس:" كَمَا اخْتَارَنَا فِيهِ قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي الْمَحَبَّةِ،"{ اف 4 :1 }.

الوقوف بصمت مثلنا مثل رفعنا للتسابيح والحمد:" ذَابحُ الْحَمْدِ يُمَجِّدُنِي، وَالْمُقَوِّمُ طَرِيقَهُ أُرِيهِ خَلاَصَ اللهِ». "{مز 23 :50 } بينما صموئيل النبي يفيدنا بان الاستماع والصمت هو بمثابة ذبيحة:" فَقَالَ صَمُوئِيلُ: «هَلْ مَسَرَّةُ الرَّبِّ بِالْمُحْرَقَاتِ وَالذَّبَائِحِ كَمَا بِاسْتِمَاعِ صَوْتِ الرَّبِّ؟ هُوَذَا الاسْتِمَاعُ أَفْضَلُ مِنَ الذَّبِيحَةِ، وَالإِصْغَاءُ أَفْضَلُ مِنْ شَحْمِ الْكِبَاشِ."{1 صم 22 :15 }وما اجمل قول الشيخ الروحاني "يوحنا سابا او الدلياتي" :" سكَتَ لسانك ليتكلّم قلبك، وسكت قلبك ليتكلم الله".

نقف يصمت في القدّاس لنسمع ما يقول لنا الربّ، والرب يعمل على الدوام:" فَأَجَابَهُمْ يَسُوعُ: «أَبِي يَعْمَلُ حَتَّى الآنَ وَأَنَا أَعْمَلُ»."{يو 17 :5 } وقبل ان تتكلم عليك ان تصغي وتصمت لان الله يتكلم في صمت القلب وصحوة العقل :" فَقَالَ عَالِي لِصَمُوئِيلَ: «اذْهَبِ اضْطَجعْ، وَيَكُونُ إِذَا دَعَاكَ تَقُولُ: تَكَلَّمْ يَا رَبُّ لأَنَّ عَبْدَكَ سَامِعٌ». فَذَهَبَ صَمُوئِيلُ وَاضْطَجَعَ فِي مَكَانِهِ."{1 صم 9 :3 }.كيف يمكن ان نسمع الروح القدس ان لم نقف بصمت؟{1 بط 4 :3 }:" بَلْ إِنْسَانَ الْقَلْبِ الْخَفِيَّ فِي الْعَدِيمَةِ الْفَسَادِ، زِينَةَ الرُّوحِ الْوَدِيعِ الْهَادِئِ، الَّذِي هُوَ قُدَّامَ اللهِ كَثِيرُ الثَّمَنِ."وايليا يخبرنا وهو على جبل حوريب_ الكنيسة _ :" فَقَالَ: «اخْرُجْ وَقِفْ عَلَى الْجَبَلِ أَمَامَ الرَّبِّ». وَإِذَا بِالرَّبِّ عَابِرٌ وَرِيحٌ عَظِيمَةٌ وَشَدِيدَةٌ قَدْ شَقَّتِ الْجِبَالَ وَكَسَّرَتِ الصُّخُورَ أَمَامَ الرَّبِّ، وَلَمْ يَكُنِ الرَّبُّ فِي الرِّيحِ. وَبَعْدَ الرِّيحِ زَلْزَلَةٌ، وَلَمْ يَكُنِ الرَّبُّ فِي الزَّلْزَلَةِ. وَبَعْدَ الزَّلْزَلَةِ نَارٌ، وَلَمْ يَكُنِ الرَّبُّ فِي النَّارِ. وَبَعْدَ النَّارِ صَوْتٌ مُنْخَفِضٌ خَفِيفٌ.".

حين نقف في القداس الإلهي بصمت وخشوع وورع وما يمكن تسميته " الصمت المقدّس "، تمييزا عن أي صمت اخر، نحن نتجدد على الدوام مع الرب ودوما نسبّحه تسبيحا جديدا :" هَلِّلُويَا. غَنُّوا لِلرَّبِّ تَرْنِيمَةً جَدِيدَةً، تَسْبِيحَتَهُ فِي جَمَاعَةِ الأَتْقِيَاءِ."{مز 1 :149 } بنفس الصلوات كل قدّاس نتجدد على الدوام وليس الامر عادة روتينية وكأنها تكرار واجترار كما يفهمها بعض الهراطقة، ويقول يوحنا الدرجي :" الصمت هم أمّ الصلاة، وهو صعود مستمر الى السماء وحين نسمع الكاهن يصلّي نعلم كم وصايا الله واسعة" {مز 96 :119 }:" لِكُلِّ كَمَال رَأَيْتُ حَدًّا، أَمَّا وَصِيَّتُكَ فَوَاسِعَةٌ جِدًّا.".

رائعة هي كلمات القديس ثيؤفان :" اما الذين يتّكلون على مظاهر الوقوف في الصلاة، او تكرار الكلام باطلا بلا فهم او انتباه، فهؤلاء لن يستطيعوا الوصول الى جوهر الموضوع، الذي هو اتحاد العقل بالقلب في صلاة منتبهة، اذا انّ هذا لا يأتي من استعدادنا نحن فقط، بل وأيضا من عمل النعمة".

ويعلّمنا أيوب النبي:" لَيْتَكُمْ تَصْمُتُونَ صَمْتًا. يَكُونُ ذلِكَ لَكُمْ حِكْمَةً."{5 :13 }. والله يسمع صوتنا، والقديس أوغسطينوس يوصف ذلك :" يا رب اعترف لك ليس فقط بالكلمات والاصوات التي يصنعها اللسان، بل أيضا بصوت روحي، وبأفكاري التي اصرخ نحوك فيكون اعترافي امامك في الصمت لأنه حتى ولم يتحرك لساني فان قلبي يصرخ اليك".

نختم بقول ارميا النبي :" مَلْعُونٌ مَنْ يَعْمَلُ عَمَلَ الرَّبِّ بِرِخَاءٍ، وَمَلْعُونٌ مَنْ يَمْنَعُ سَيْفَهُ عَنِ الدَّمِ.