كنوز نت - بقلم : شاكر فريد حسن



نايف سليم " على أسوار عكا "


وأنا أًعزّل مكتبتي، وقع بين يدي ديوان شعر مكتوب ومطبوع بخط اليد، بعنوان " على أسوار عكا "، صادر العام 1981، عن دار الأسوار العكية لصاحبها يعقوب حجازي، للشاعر الجليلي البقيعي الصديق نايف صالح سليم (أبو الوليد)، المعروف بشاعر الفقراء، كونه متحزب ومنحاز حتى النخاع للجماهير والوطن وجموع الفقراء، ويشهد له تميزه واقتداره بما يسمى بفن الشعر الشعبي. 

ومنذ ديوانه الشعري الأول " من اغاني الفقراء " انطلق شعر نايف سليم بالتزامه من صرخة الشعب ضد الظلم والجور والعسف والقهر، ودأب أن تكون قضيته الشعرية الأسمى مندمجة في القضية الشعبية العليا.

وكان أول من لفت الانظار في العالم العربي لسيرة وقصائد نايف سليم، الأديب الشهيد غسان كنفاني في كتابه عن أدب المقاومة، حيث تطرق وتناول أشعاره الملتزمة بقضايا الناس والوطن، وأشاد بها واقتطف منها وعلق عليها.

وكانت المرة الأولى التي التقيت بها الشاعر نايف سليم وتعرفت عليه في العام 1981، بدار الأسوار للنشر في عكا، ويومئذ أهداني كتابه " من شعر العرب الكفاحي "، الصادر عن دار القبس العربي العكية. وتمضي السنين دون أن نلتقي، إلى أن فاجأني بزيارة في بيتي مع الأخوين العزيزين الكاتبين نمر محمد نمر (أبو فكري)، من حرفيش، وغالب سيف من يانوح، واهداني العدد التكريمي الخاص من مجلة " الشرق " المحتجبة اليوم، بمناسبة بلوغه السبعين من عمره في العام 2005.

ونعود إلى ديوان " على أسوار عكا " الذي يتضمن مجموعة قصائد ذات بعد وجداني إنساني، وروح وطنية عالية، ورؤية طبقية واضحة منحازة لكادحي وفقراء الوطن والإنسانية بأسرها، وتحمل في ثناياها حُبّ شاعرنا أبو الوليد، أشواقه، وحنينه الدائم لعكا، مدينة الأسوار التي لا تخاف هدير البحر، والتي عجز نابليون عن اختراق أسوارها الحصينة، فيصف عكا بحرها وصياديها وسفنها وقواربها واسواقها وفنارها وآثارها التاريخية، مؤكدًا عراقتها وهويتها وصمودها رغم تغير ملامحها، ومكانتها من خلال ذكر موروثها التاريخي، فيقول في القصيدة الأولى التي حملت اسم ديوانه :


عكا أتيتك فاستثار دمائي
               باكٍ على اسوارك الخرساء
ومُعَفِّرٌ حُرَّ الجبين على يدٍ
                    ممدودةٍ مشدودةٍ بدعاءِ
فتَعطفّ الموجُ الغضوبُ بخفَّةٍ
                   متقلبًا كالحيَّةِ الرَّقطاءِ
وسمعتُ عربدة الجنود وزمجرت
                سيارةَ البوليس باستعلاء
فذهبتُ للسور العتيق ألوذُ في
               جنباته، فتهللَّت للقائي!
ما انكرت أدراجُ سوركِ خطوتي

              داعّبْتُها فتمسَّحت بردائي
وهنا عتبت شكوتُ ما بي من أسى
             لرماله .. لحجاره الصمَّاءِ
عكا عهدتك في الخطوب بجانبي
                يا قلعة الاجداد والآباءِ
من ألف عام مرّ .. صُنتِ كرامتي
         وحميتني من زحمة الغرباء ِ
ولكم صددتِ الطامعين بموطني
     ورددّتِ لصَّ الغرب عن أفنائي
إلى أن يقول في نهاية القصيدة :
باقٍ هنا .. كاسور راسٍ راسخٍ
      والبحر يلحس إذ يهيج حذائي
إني هنا .. إني هنا .. مُتَمسِّكٌ
            مَتَشَبِّثٌ بالراية الحمراءِ


ويبرز عنصر الانتماء للمكان والوطن بوضوح في قصائد الديوان المشحونة بالانفعالات والعواطف الجامحة لحب عكا والوطن الفلسطيني والأماكن الأثرية التاريخية.

في حين نجده في نصوص الديوان الأخرى يسكب مشاعره ويعبر عن عواطفه تجاه المدينة الأحب لقلبه، عكا ، فيحاكيها ويناجيها بكل الألم والحسرة والشوق والعشق المتأجج في أعماقه، عبر نفحات إنسانية جميلة ورقيقة.

ولغة نايف سليم في ديوانه هي لغة شعرية واضحة وصريحة وتقريرية للوصف الذي لا يخلو من الخيال والجمالية والمحسنات البديعة.

تحية حب للصديق الرفيق نايف صالح سليم، إنسانًا وشاعرًا هادئًا بشوشًا، يحمل الوطن وفقرائه وكادحيه وصور الأرض في حنايا فؤاده، متمنيًا له وافر الصحة والعافية والعمر المديد، كي يظل يتحفنا بقصائده على صفحات " الاتحاد " الغراء.