كنوز نت - الطيبة - بقلم : سامي مدني

وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ!


السَّلامُ عَليكُمْ وَرَعاكُم اللهُ مِنْ كُلِّ ضَيْرٍ!

في كُلَِّ حَرْفٍ عِبْرَةٌ وفي كُلِّ كَلِمَةٍ حِكْمَةٌ وفي كُلِّ جُمْلةٍ وآيةٍ فِيهِ؛ كِتابُ اللهِ إرْشادٌ وَمَوعِظةٌ، ثُمَّ إنَّ دِرْهَمَ وِقايَةٍ إخْوتي، خَيْرٌ من قِنطارِ عِلاجٍ، والوُضُوءَ للصَّلاةِ أَعِزائِي، والَّتي هِيَ أوَّلَ ما يُحاسَبُ عَلَيهِ الإِنْسانُ هوَ مَبْدَأُ نَظافَةِ الجِسْمِ وحِمايَتُهُ مِنْ الجَراثِيمِ وَالأَفاتِ المُؤَثِّرَةِ عَليْنا مُباشَرَةً أَو غَيْرَ مُباشَرةٍ، باللمسِ والإحْتِكاكِ وبِالهواءِ والجَوِّ بِقُدْرَةِ الأَحَدِ الصَّمَدِ، وفَضْلاً عَنْ تَجْهيزِ الجَسَدِ لِيَكونَ طاهراً نظيفً بَينَ يَدَي اللهِ، فإنَّ الوضوءَ رُكْنٌ يُْشْعِرُ كذلكَ بالإسْتِعدادِ والنَّشاطِ نَفْسِياً، أنَّ جِسْمَنا نَظيفٌ طاهِرٌ قَبْلَ أَنْ نَلْجَؤُ لِلْصَلاةِ ونَكُونَ بَينَ يَدَيِّ اللهِ، هَذا ما يَجِبُ أَنْ يَشْعُرَ المُؤْمنُ عِنْدَما يَسْتَعِدُّ لِمُقابَلَةِ وعبادَةِ اللهِ تَعالى.

علىَ مُسْتَوى الأَشْخاصِ في الحَياةِ فأنَّ الناسَ تُجَهِّزُ أنْفُسَها وَمَظْهرَها عِنْدمَا يَبْغُونَ لِقاءَ الأَخَرينَ لِيُحْدِثُوا إنْطِباعً وتأثيرً عَلَيهِم، فالَّذي يَجْري في جَميعِ الأَحوالِ إنَّنا نَسْتَعِدُ نَفْسِياً وجِسْمانِيَّاً بِاللِّباسِ والحَرَكاتِ ومَا تَيَسَّرَ مِنَ العُطُورِ والرَّوائِحِ والزِّينَةِ لنَبْرُزَ بِشَكلٍ مَعْقُولٍ ومقبولٍ ومُؤثِّرٍ أزْيدِ، فَكَيفَ الحَالُ إذا كَانَ اللِّقاءُ بَينَكَ وبَينَ خالِقِ الكُلِّ وَقْتَ الصَّلاةِ! أَليْسَ هذا جَدِيرً أَنْ تَكُونَ علىَ جُهُوزِيَّةٍ عُظْمَةٍ لِلِّقاءِ وَفِي أفْضلِ حالٍ، وأقلَّ ما في الأَمْرِ نَفْسياً لِنَخْشَعَ لَهُ.
إنَّ اللهَ تَعالى أَعِزائِي كَرَّمَنا بالقُرءَانِ عَرَبِيَّاً وبالكَثيرِ لِتَكونَ لَنا كمَّا قَالَ:

(وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)، وقالَ سُبْحانَه: (هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الهُدَى وَالفُرْقَانِ)، وقالَ عزَّ وجل مخاطباً خلقه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ).

ما جِئْتُ بِهِ اليَومَ إخْوَتي! حَبَّةً مِنْ خَرْدَلٍ، شيءً ضَئيلً ومُلْحَقً مِنْ الأرْكانِ، وهناكَ الكَثيرُ الكَثيرُ مِنْها وَهِيَ بِالأَساسِ ما أنْعَمَ اللّهُ ليُنَظِّمَ ويُسَهِّلَ عَلَيْنا حَياتَنا ويَحْميَنا في الدُّنيا، فَمِنْ مَشيئَةِ اللهِ أنْ جَعَلَ عِلْمَهُ هَذا يَعُودُ بالمَصْلَحَةِ والمَنْفعَةِ إذا أطَعْناهُ وآقْتَدَيْنا بِرَسُولِهِ صلَّى اللّهُ عَلَيهِ وسلَّمَ.

هُناكَ أرْكانٌ كَثيرةٌ تَنْطَويُ عَلَيْها الفَرائِضُ السَّماوِيَّةِ، وكُلُّ فَريضَةٍ هِيَ رِسالَةٌ لِيَعيشَ العَالمُ بِتَعاوُنٍ وسَلامٍ، إذاً لِماذا نُصِرُّ أَنْ نُغْضِبَ اللهَ فَيُرْسِلُ عَلَينا بأْسَهُ وَجُنُودَه ويُصِيبُنا بالمَصائِبِ والأَوْبِئَةِ بِسَبَبِ الفُسُوقِ والإبتعادِ عَنْ اللهِ ودِينِهِ، وهُناكَ مَنْ يَقُولُ؛ "هَذا الوَباءُ من صُنْعِ الإِنْسانِ، فَلْيَكُّنْ كَذَلكَ! وأنا شَخْصِياً لَيْسَ عِنْدِي مَشْكِلَةُ وَلا أعارِضُ هَذا الإحْتمالَ، ولَكِنْ لَنْتَذَكَّرْ أَنْ أيَّ شَيْءٍ يَحْدُثُ إلاَّ بَعْدَ أرَدَةِ اللهِ، فَقَالَ سُبْحانَهُ: (وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ).
وقَالَ تعالى: (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا)، وقال سُبْحانَهُ: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ)، وقال عَزَّ وَجَلَّ: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ).


وقَالَ رَسُولُ اللهِ صلَّى اللّهُ عَلَيهِ وسلَّمَ: (إنَّ أوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ القَلَمَ فَقَالَ لَهُ أكْتُبْ، قَالَ: رَبِّ وماذا أكْتُبُ؟ قَالَ: أكْتُبْ مَقادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حتَّى تَقُومَ الساعةُ).
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ، قَالَ : وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ).
ومَنْ أَياتِهِ تَعالى؛ (وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ).

وفي الحَديثِ يقولُ عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عَنْهُما، عَنْ رَسُولِ اللهِ قالَ: (يَا غُلَامُ أوْ يا بُنيَّ , أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِنَّ؟ فَقُلْتُ: بَلَى, فَقَالَ: احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ, احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ, تَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ, يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ, وَإِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ, وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ, قَدْ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ, فَلَوْ أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ جَمِيعًا, أَرَادُوا أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ, لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ, لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ, وَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ, لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ, لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ, وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا, وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ, وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ, وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا)

هَذِهِ التَّربيةُ النَّبويَّةِ للأُمَّةِ؛ أنْ نَتعامَلَ بصِدْقٍ مع اللهِ، وأنْ نُراقِبَهُ في كلِّ أعمالِنا، وَلا نَخافَ غَيْرَهُ سُبحانَهُ؛ فمِنْه النَّفعُ والضُّرُّ، وأنْ نُربِّيَ أطفالَنا على هذه المفاهيمِ الطَّيِّبةِ، فيَنْشَؤُوا ويَشِبُّوا عليها، ويحِفظِوا اللهِ عزَّ وجلَّ في أوامِرِه ونَواهيهِ .

بِآخْتِصارٍ وافي وفَقَنا اللهُ لِنتَذكَّرَ على الدَّوامِ أَنَّ لا شَيْءٌ على هذا الكَوْنِ إلا مِنْ بعدِ حُكْمِ اللهِ حَتَّى المُخَيَّرَ، وسُنُحاسَبُ عَلَيْهِ لأَنَّهُ مِنْ إخْتِيارِنا خَيْرٌ أَمْ شَرٌّ.
السَّلامُ عَليكُمْ وَحَماكُمْ اللهُ من الدَّاءِ والوَباءِ، إِنْ شاءَ اللهُ، وتَذَكَّروا مَهْما أخْتَلَفَتْ المُصْطَلَحاتُ فَإنَّ فِيرُوسً صَغِيرٌ قَلَبٌ الدُّنْيا أسْفَلَها أَعْلاها، رَغْمَ كُلَّ التَطَوُّرِ الألِكْتْرُونِي والعِلْمٍي فَكَيفَ لَوْ أصابَتْنا الرِّياحُ والزَّلازِلُ والبَراكينُ وأُخْرَى مِنْ جُنْدِ اللهِ!

فَكِّرُوا ولا تَسْتَهتروا.....!