كنوز نت - الطيبة - بقلم : سامي مدني

* وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ * فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا *


السَّلامُ عَليكُمْ وحَماكُم اللهُ من ْسُوءِ البَلاءِ الوَباءِ إِنْ شاءَ اللهُ، أحْبابي الغَالِينَ عَلىَ القُلُوبِ!

لَيْسَ بَسيطَاً الثَّباتُ علىَ شَيْءٍ مِنْ المَجْهُولِ، خاصَّةً إذا كانَتْ القِصَّةُ حَوْلَ أَمْرٍ حَقِيقِيٍّ، وليْسَ مُجَرَّدُ تَجْرُبَةً مَقْصُودَةً لِمُدَّةٍ زَمَنِيَّةٍ طَويلَةٍ جِدَاً، فَأرْبَعين عَامَاً والَّتي عُرِفَ فِيها الرَّسُولُ بأخْلاقِهِ وبِعُزْلَتِهِ وبِنَقاءِ القَلْبِ قَبْلَ الجَبينِ، وَلَمْ يَسْجِدْ لِصَنَمٍ وَلَمْ يَنَحَنِ لأَحَدٍ، وَلَمْ يشْتَكَى لِرَبِّ العَالَمِين مِثْلَ سائِرِ الأَنْبياءُ، حانَ أَمْرُ اللهِ فَأَتاهُ النَّامُوسُ الأَكْبَرِ فَأسرَعَ مَذْعُورَاً لِيُخْبِرَ زَوْجَتَهُ وشَريكَةَ حَياتهِ بالأمْرِ قَائِلاً لها من رَوْعِهِ: زَمِّلُوني، زَمِّلُوني! فآصْتَحَبَتْهُ إلى إِبْنُ عَمِّها وَرَقَةِ بْنِ نَوْفَلِ المَعْروفِ بِروْعَتِهِ ورَزانَتِهِ وَعِلْمِهِ بالأدْيان، الَّذي بَشَّرَهُ بالنُّبُوةِ وقالَ لَهُ: (هَذَا النَّامُوسُ الَّذي أُنْزِلَ علىَ مُوسَى)!

تَخَيَّلُوا أَيُّها الأعزائي! كَيْفَ يَكُونُ إِنْسانٌ بِحِجْرٍ لِمُدَّةٍ شَهْرٍ كَمَا يَحْدثُ في هَذهِ الأَيًّامِ، فَما بَالُكُم بإنْسانٍ يَعْزِلُ نَفْسَهُ مُعْظَمَ حَياتِهِ عَنْ البِيئَةِ الَّتي حَوْلَهُ، هَكَذا كان الرَّسُولُ المُصْطَفَى لا يُشارِكُ قَوْمَهُ بِحَفْلاتِهِم وَلا بِلَيالِيِهِم وَلا بِغَزَواتِهِم وَلا بِصَلواتِهِم وأَعْيادِهِم وتَضْحِياتِهِم لأصْنامِهِم لإعتراضِهِ علىَ هذا النمطِ منْ الحَياةَ، لَكِنَّهُ مِنْ جِهَةٍ ثانِيَةٍ عُرِفَ بَيْنَهُم بِالصَّادِقِ الأَمِينِ وَكانَ شُجاعَاً رَؤُوفً حَلِيمً صَبُورً مُتَسامِحاً ومُتَواضِعَاً مُحِبً لِلْعَوْنِ والمُساعَدَةِ ومَحْبُوباً عِنْدَ الجَمِيعِ، وَفِي سِنٍ مُبَكِرَةٍ كان قُدْوَةً لِلْشَبابِ في العَمَلِ والسَّعْيِّ، فَمَنْذُ الثَّامِنَةَ حَتَّى الخَامسَةَ عَشْرِ مِنْ عِمْرِهِ، رَعَى الغَنَمَ لأَهْلِ قُرَيْشِ مُقابِلَ أجْرٍ بَسِيطٍ، وصاحِبَ عَمَّهُ أبي طالِبِ بالتِّجارَةِ مُنْذُ التَّاسِعَةِ، وَبِالعِشْرين مَنْ عُمْرِهِ رافَقَهُ بِتِجارةِ عَمِّهِ رَجُلٌ إسْمُهُ السَّائِب، الَّذِي قَالَ عَنْهُ: (نِعْمَ الشَّرِيكُ لا يُدارِيُ ولا يُمارِيُ)، ولَمَّا ذاعَ سِيطُهُ وإِخْلاصُهُ ونَجاحُهُ بَينَ التُّجارِي، طَلَبَتْ خَديْجَةُ أَنْ يَعْمَلَ لَها قَبْلَ أَنْ تَكُونَ زَوْجَتُهُ، فَوَجَدَتْهُ ناجِحَاً مُخْلِصَاً وسَمِعَتْ القِصَصَ عَنْهُ مِنْ مَيْسَرَةِ خادِمَها الَّذِي تاجَرَ مَعَهُ لَها، فَأُعْجِبَتْ بِهِ وتَزَوَّجَتْهُ وَلَهُ مِنْ العُمْرِ خَمْسَةَ وعِشْرين وَهِيَ بالأَرْبَعين.

لقد كانَتْ أَعِزَّائي! الفَترَةُ الَّتي عاشَتْ خَديجَةُ مَعَ النَّبيِّ قَبْلَ البِعْثَةِ صَعْبَةً عَلَيهِ وَعَلَيْها، لَكِنَّها أخْلَصَتْ لَهُ وآسْتَشْعَرَتْ فِيهِ النُّبُوةَ، فَآعْتَنَتْ بِبَيْتِها وبأبْنائِها وَسَيَّرَتْ قَوافِلَها التِّجارِيَّةِ وَوفَّرَتْ لَهُ مَؤُونَتَهُ في خِلْوَتهِ، عِنْدَما كَانَ يَعتَكفُ ويَتعَبَّدُ في غارِ حراءِ وقَدْ قَرُبَ جِِيلُهُ الأَرْبَعين، ولمَّا أنْزَلَ اللّهُ وَحْيَهُ عَلَيهِ كانَتْ أولُّ مَنْ صَدَّقَهُ فِيما حَدّثَ، وذَهَبَتْ بِهِ إلى إبْنِ عَمِّها ورقة بن نوفل الَّذي قَالَ عَنْهُ بأنَّهُ نَبيَّ الأُمَّةِ، فَكانَتْ أولُّ مَنْ أمَنَ مِنْ الرِّجالِ والنِّساءِ، وأولُّ مَنْ تَوضَّأَ وَصلّى، وظَلَّتْ صابِرَةً مُصابِرَةً مَعَ الرَّسُولِ في تَكْذيبِ قُريشِ وَبَطْشِها بِالمُسلِمين، وَالْتَحَقَتْ بِهِ في الشِعْبِ وعانَتْ ما عاناهُ بَنُو هاشمِ مِنْ جُوعٍ ومَرَضٍ مُدَّةَ ثلاثَ سِنينِ مِنْ حِصارِ قُرَيشٍ علىَ بَنِي هاشِمْ وبَني طالبِ فِي شَعْبٍ أَبِي طالبِ، وبَعْدَ أنْ فُكَّ الحِصارُ عَنْ الرَّسُولِ ومَنْ مَعَهُ مَرِضَتْ وَما لَبِثَتْ أنْ تُوُفِّيَتْ بَعدَ وَفاةِ عَمِّهِ أَبو طالب بن عبد المطلب بِثَلاثَةِ أيَّامٍ وقيلَ بأكْثَرِ مِنْ ذَلِكَ.


أرْبَعينَ عامَاً كَانَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللّهُ عَلَيهِ وسلَّمَ مَعْرُوفً أعِزائِي، بِصُورَتِهِ هِيَ ذاتُها وبِنَسَبهِ لِقَبيلَتِهِ، وَلَمْ يَصْدُفْ أَنْ تَكَلَّمَ عَنْهُ أَحَدٌ بِسُوءٍ إلاَّ بَعْدَ أَنْ تَضارَبَتْ المَصالِحُ بيْنَهُ وبَيْنَ قُرَيْشٍ وَحُلَفائِها، وَمُنذُ بِدايَةِ البِعْثَةِ إسْتَمَرَّتْ مُعاناتُهُ بِشَكلٍ قاصي لِمُدَّةِ عَشْرِ سَنَواتٍ مِنْ الصِّراعِ العَلَني، إِلى أَنْ هاجَر َمِنْ مَكَّةِ إلى المَدينةِ بَعْدَ مَوْتِ عَمِّهِ ثُمَّ زَوُجَتِهِ خدَيجَة وَشَرَعَ يُأْسِّسُ دولةَ الإِسلامِ، فَبَعْدَ أَنْ كَانَ واحِدَاً أَصْبحَ أُمَّةً تَدينُ بِإلَهٍ واخدٍ لا شَرِيكَ لَهُ، وآستمر بِهَذهِ القِيادَة الحَكيمَةِ يَحَشُدُ المُؤَيِّدينَ من حَوْلِهِ بالعَدْلِ والمُساواةِ والمُؤاخاةِ في جَمِيعِ أطْرافِ البِلادِ مُنَظِّمَاً حياتَهُم إلى أَنْ أفِتَقَدَهُ رَبُّهُ.

بَدَأَ الرَّسولُ إخْوتِي حَياتِهِ وحِيداً بِدُونِ أَبٍّ! وَلَمَّا عادَ من البادِيةِ إلى حُضْنِ أُمِّهِ آمِنَةِ بَعْدَ حادثَةِ شَقِّ الصَّدْرِ، مَكَثَ مَعَها حَتَّى تُوُفِّيتْ وَما زالَ صَغِيراً، فأنْتَقَلَ إلى كفالَةِ جَدِّهِ ثُمَّ عَمِّهِ أبي طالبِ، ولَمَا كَبُرَ وَعَمِلَ بالتِّجارَةِ إلتَقَى الطَيِّبُ بالطَيِّبَةِ وتَزَوجَ بِأَمِّ المُؤمِنين خَدِيجة، ثُمَّ بُعِثَ بالأَرْبَعين لأُمَّةٍ ساءَتْ أحْوالِها وسادَ الظُّلْمُ علىَ أبْنائِها مَنْ زمْرَةِ كَفَرَةٍ يَعْبُدُون الأَصْنامَ الَّتي لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُ.

وفَّقَنا اللهُ إخْوَتي لِنَعُودَ ونَبْحَثُ تارِيخَ نَبيِّنا وَقائِدُنا الَّذِي هَجَرَ حَياةَ الخَبيثِين والخَبيِثاتِ وجَمَعَ بَينَ الطَيِّبينَ والطَيِّباتِ وسادَتْ الطَيِّباتُ مَنْ الأَعْمالِ على الخَبيثاتِ مِنْ الأَفْعالِ، والله تَعالى قَالَ: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ ۖ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ۚ أُولَٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ ۖ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ).

سَلامُ اللهِ عَلَيْكمْ وصَبَّرَكُمْ بِثَباتِكُم علىَ الحَقِّ ولَوْ طالَ الأَمَدُ، فالعِبَرُ لَنا من تاريخ سَيِّدِنا وحَبيبِنا مُحَمَّدِ صلَّى اللهُ عَلَيهِ كَثيرَةٌ، وأنَّ الخَيْرَ سَيأْتِي إِنْ شاءَ اللهُ!