كنوز نت - الطيبة - بقلم : سامي مدني


إخواني! هَكَذا لَقَّبَنا الرسولُ صَلوات اللهِ عَلَيهِ!


السَّلامُ والرَّحْمَةُ والثَّباتُ لَكُم بِعَونِ اللهِ!

هُناكَ مَنْ يُقَلِّلُ منْ الإِيمانِ والجِهادِ بالمالِ والأَنْفُسِ في هَذهِ الأَيامِ أعِزائي! ويَقُولُون مَا كَانَ أَيّامَ الرَّسُولِ شَيْءٌ أَخَرِ ونَحْنُ لَسْنا بِِنَفْسِ المُسْتَوى من الإِيمانِ، فأَوَلاً وقَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ أُرِيدُ أَنْ أقُوُلَ أَنَّ الإِيمانَ يَحْتاجُ إلى عِدَّةِ عَوامِلٍ، منها الفَهْمُ والإِدراكُ بِما يَتَعَلَّقُ بِاللهِ والدِّينِ وَقُبولِ الدَّعْوَةِ والعَمَلِ بالأَرْكانِ، وأُضيفُ إنَّ النَّاسَ وقْتَها عايَشُوا الرَّسُولَ والأَحداثَ وَلِهذا أدْركُوا جيِّداً الفارِقَ بَينَ الكُفْرِ والإسلامِ، الَّذِي بُنِي علىَ الإقْناعِ والرأْفَةِ والحُّجَجِ، وأَُضيفُ إنَّ الخَوْفَ والتَرْهيبَ فِي السِّنينِ الأخيرةً يَلْعَبُ دَوْراً كَبيراً بِطَريقَةِ الدَّعْوَةِ، مَا لا يَتَطابَقُ مَعَ الأُسْلُوبِ أَيّامَ بِعْثَةِ الرَّسُولِ، حَيْثُ لَمْ يَكُنْ حِيْنَها التَّرْهيبُ المَنْهَجَ السَّارِي إنَّما الشَّرْحُ وَالإقْناعُ وفقاً لِما كانَ يَمِدَّهُم الرَسُولُ أَّولاَّ بأَوَّلِ مِنْ تَفْسيرٍ، أَمَّا اليَوْمَ فإِنِّي أَرَى الكَثِيرَ من قِصَصِ "كان يَا مكان" مَدْسُوسَةٍ ولا تَميلُ إلى الوَاقِعِ والحَقيقَةِ، وقَدْ كُتبَتْ ونُشرَتْ فَأصْبَحَ الإيمانُ مُتأثِّراً بِشَكلٍ كَبيرٍ بِِدَوافعٍِِ أَقْوَى مِنْ القِيَمِ والمَبادِئِ والرَّكائِزِ والأَخْلاقِ في المُعامَلاتِ، وهَذا مَا جَعَلَ الإِبْتِعادَ عَنْ الدِّينِ أسْرَعَ مِمَّا تَوقَعْنا، فالضُّغُوطِ النَفْسِيَّةِ عَلَىَ النَّاسِ وَزيادَةُ التَخَلُّفِ وسُوءُ الإطِّلاعِ علىَ الأُمُورِ والحَقائِقُ المَنْطِقِيَّةِ، الَّتي يُنادِي بِها الدِّينُ كالعَدْلِ الإجْتِماعِي والإنْساني، جَعَلتْ المُسْلِمينَ مَحْرِومين مِنْ حَقِّهِم بالمَعْرِفَةِ المَدْرُوسَةِ والمَوْثُوقِ بِها، مَعَ العِلْمِ إنَّ الدِّينَ واحِدٌ والدَّعْوةَ لِنَفْسِ الهَدَفِ، لَكِنَّ الوَعْيَ تَضاءَلَ فَأَصبحَ الجَهْلُ وقِلَّةُ الثَّقافَةِ يَسْمَحُ بِنَشْر ِخرُافَاتٍ تؤولُ إلى التَّقَهْقُرِ وفُقْدانِ الرُّمُوزِ الدِّينِيَّةِ الَّتي حَثَّ عَلَيْها الرَّسُولُ، وَبَدأَها بأقرأ وَثَقافَةِ العَمَلِ إنْطِلقاً بِالعِلمِ والبَحْثِ عَنْ الحقيقةِ.

أخْوتي الأَعزاءُ! لا حَرَجٌ بِِضَرْبِ الأَمْثالَ عَنْ الصَّحابَةِ والسَّلَفِ لِلْشَرْحِ والإقْناعِ بأُمورٍ دينِيَّةٍ، فَلَهُم فَضْلٌ بإيمانِهِم وبِمُأزَرَةِ الرَّسُولَ ودَعْمِهِ بِكُلِّ ما أُتيحَ لَهُم مِنْ مالٍ وقُوةٍ، وَقْتَ حارَبُوهُ الكَثيرونَ مِنْ عَالَمٍ الفُسْقِ، فَهُمْ عاشَرُوهُ وعاشُوا الظُلمَ والفَسادَ والإسْتِعْبادَ وَآحْتقارَ الإِنْسانِ مَنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ، إلى أَنْ أصْبَحتْ القِيَمُ الإِنْسانيةِ والمُعْتَقَداتِ تُوْشِكُ على الضَّياعِ والزَّوالِ، وأَضحَى الأنسانُ رَخيصً لا قِيمَةٌ لَهُ طالَما يُسْتَعْبَدُ ويُهانُ ويَعيشُ الرُّعْبَ وإِحْتِمالَ التَعَدِّي عَلَيهِ فِي كُلِّ ظَرْفٍ زَمانٍ ومكان، فإِنِّي أبْغِي هُنا إيضاحَ شَيْءً مُهِمَّا جِدَاً، بِأَنْ المُؤمِنين الصَّالِحين فِي هَذِهِ الأَزْمانِ أيْنَما وُجِدُوا! لا يَلِيقُ ولا يَصِحُّ بِهِمْ أَنْ نُصَنِّفَهُم بِدَرَجةٍ أقَلَّ مِنْ الذين سَبَقُونا، فَمِثْلَما نَمْدَحُ الصَّحابَةَ والسَّلَفَ السَّابِقِ، واجِبٌ عَلَيْنا أَنْ نَعْطِيَ كُلًّ حَقَّهُ في الدُّنْيا هذهِ! فَهُمْ لَيْسُوا بِأقَلٍ قِيمَةٍ عِلْمَاً أنَّنا نَعِيشُ في عَصْرٍ القَابضُ على دِينِهُ كالقابضِِ على جَمرَةٍ، فَعَنْ أنسِ بْنِ مالكٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: (قَالَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللّهُ عَلَيهِ وسلَّمَ: يأْتي علىَ النَّاسِ زَمانٌ القابِضُ علىَ دينِهِ كالقابِضِ علىَ الجَمرِ)، فَالصَّادقُونَ مِنَّا أحبابُ الرَّسُولِ، وَقَالَ اللّهُ سبحانَهُ فِي صُورَةً الواقِعَةُ: (والسَّابِقُونَ السَّابِقُون أُوْلَئِكَ المُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ)، وَهُنا يَقُولُ العَلاَّمَةُ الرَّاحِلِ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ مِتْوَلِّي شَعْراوِي: "يَأْتِي مِنْ بَعْدِهِم في المَرْتَبَةِ"، قَوْلُهُ تَعالى: (وَأَصْحَابُ اليَمينِ مَا أَصْحَابُ اليَمِين)، ثُمَّ حَدَّدَ الحَقُّ هَؤُلاءَ، فَيَقُولُ: (ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين).
ولذلك أعِزائي! حِينَما يَظْهَرُ مِنَّا مَنْ يَقُولُ: "لَنْ يَسْتَطِيعُ واحِدٌ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَدِ صَلَّى اللّهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ تَأَخَّرَ عَنْ عَصْرِهِ أَنْ يَصِلَ إلى مَنْزِلَةِ الصَّحابَةِ، يُمْكنُ أَنْ نُذَكِّرَهُ بِبَقِيَّةِ قَوْلَهُ سُبِحانِهِ: {ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين}، وهَذا دَلِيلٌ علىَ أنَّ بَعْضَاً مِنْ الَّذين جاءُوا بَعْدَ زمانَ رسولِ اللهِ صلَّى اللّهُ عَلَيهِ سَيَحْظُون بالمَرتِبَةِ الرَّفيعَةِ، وهَكَذا لَمْ يَمْنَعْ الحَقُّ تَحْقِيقَ الأَمَلَ بِالوُصُول إلى حُلْمِ المَرْتَبَةِ الرَّفيعَةِ مَنْزِلَةَ الصَّحابَةِ، حتى ولَوْ بَعْدَ حِينٍ مِنَ الدَّهْرِ فَلِما نُفَكرُ نَحْنُ غَيْرَ هَذا؟


وقَدْ طَمْأَنَ النَبيُّ صلَّى اللّهُ عَلَيهِ وسلَّمَ إخْوَتي! النَّاسَ الَّذين لَمْ يُدْرِكُوا عَهْدَهُ حِينَ قَالَ: (وَدَدَتُ أنِّي لَقِيتُ إخْواني)، فَقَالَ أصْحابُهُ صَلوات اللهِ عَلَيهِ وسلَّمَ: أَوَ لَيْسَ نَحْنُ إخْوانَكَ؟ قَالَ: (أنْتُمْ أصْحابي، ولَكِنَّ إخْواني الَّذين آمَنُوا بِيَّ ولَمْ يَرُوني).
هَذا ......! قَوْلٌ صَادقٌ مِنْ المُصْطَفى صلَّى اللّهُ عَلَيهِ وسلَّمَ؛ لأَنَّ مِنَّا مَنْ تَكُونُ أمْنِيَتُهُ في أنْ يحُجَّ ويزُورَ القَبْرَ الشَّريفِ، ويُضيفُ النبيُّ عَلَيهِ السَّلامُ في وصْفِ أحْبابِهِ: (عَمَلُ الواحدِ مِنْهُم بِخَمْسين)، قالُوا: مَنْهُم يا رَسولُ اللهِ أَمْ مِنَّا؟ قال: (بَلْ مِنْكُمْ؛ لأنَّكُم تَجِدُون على الخَيْرِ أعْوانًا، وَهُمْ لا يجِدُون على الخَيْرِ أعْوانًا)، وهَذا مَا يَحْدُثُ في زَمانِنا بالفِعْلِ، أَيُّها القَوْمُ!

وفَّقَنا اللهُ إخْوتِي أنْتُم الَّذينَ قَالَ عَنْهُمْ الرَّسُولُ إخْوانِي، فَالإِسْلامُ قَبْلُ وسَيَبْقَى بَعْدَ الرَّسولِ وَإلى الأَبَد ِحَتَّى قِيامَ السَّاعةِ، إذاً فالأمْرُ لَمْ وَلَنْ يَقْتَصِرَ علىَ زَمنِ الرَّسُولِ وأَصْحابِهِ، ولا نَنْسى قَوْلَهِ تَعالَى؛ "ثُلَّةٌ مِنْ الأوَّلِين وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرينَ" وَالأَمْرُ نِسْبيٌّ، فَقَلِيلٌ قَدْ تَعْني الأَلافَ والمَلايِينَ، إِذا إجْتَهَدْنا وأَمَنَّا وعَمِلنا كَما يَجِبُ وَيَلْزَمُ، فَالواجِبُ أَنْ نُدافِعَ عَنْ أنْفُسِنا ونَعْمَلَ بِثِقَةٍ بِكُلِّ ما يَخُصُّ الدِّينِ والعَمَلِ للهِ وهَذا مَا يَحِبُّهُ اللّهُ وَرَسُولُهُ كَما إِعْتادَ الصَّحابةُ المُقَرَّبين.
سَلامُ عَلَيكُمْ ورَحْمَةُ اللهِ! فَفِي كُلِّ حُقْبَةٍ الإِسْلامُ باقٍ ويَحْتاجُ لِلْرِّجالِ الصَّادِقين الصَّالِحينِ أمثال المُبَشَّرينِ؛ الرِّجالِ، إخْوانِي الرَّسُولِ ومُحِبِّيهِ، الَّذين علىَ إسْتِعْدادٍ دائِمٍ لِيَحْمِلُوا الرِّسالَةَ، ويُؤَدُّوا الأَمانَةَ والعِبادَةَ في هَذهِ الحَياةِ.