كنوز نت - الطيبة - بقلم : سامي مدني

الوباء رحمة من الله أم عِقابِ!


السَّلامُ عَليكُمْ ورَحْمةُ اللهِ!
إخْوتي ما يَجمَعُنا نَحْنُ المُسْلمينَ! الحُبُّ والإِحْترامُ والتَّقديرُ كَما عَوَّدَنا الدِّينُِ وأرْشَدَنا الرَّسُولُ، فالتَّسامُحُ عِنْدَ المَقْدِرةِ والفِداءُ والعَطاءُ وقْتَ السَعَةِ والجِهادُ بالأموالِ والأنفُس مَنْ طابِعِ الرُجُولَةِ، فِي نِظامٍ إجْتماعِيٍّ عريقٍ يُمَيِّزُنا وَمَبْنيُّ على التَّعاونِ والقِيَمِ الإنْسانِيَّةِ الَّتي تَحْمِلُها التَّعاليمُ الدِّينِيَّةِ السَّماوِيَّةِ، وَفِي نَفْسِ الوَقْتِ تُحارِبُ الإِحتِقارَ والتَعَدِّي وَإِسْتِغلالَ النَّاسِ، عِلْماً أنَّ الخَيْرَ والشَّرَ مَوجُودٌ في النُّفُوسِ لَدَى الجَمِيعِ، مَا يَخْلُقُ الصِّدامَ الدَّاخِلِي في الإِنْسانِ نَفْسِهِ، وَالخَارِجِي الَّذِي تَتَحَكَّمُ فِيهِ قُوَى الشَّرِ مَنْ الإنسِ والجِنِّ وأَوَّلُهُم إبْليسُ.

هَذَهِ هِيَ سُنَّةُ اللهِ في خَلْقِهِ حَتَّى يُمَيِّزَ الخَبيثَ مِنْ الطَيِّبِ، فَلْنَعْلَمْ هُنا إخْوَتي! أنَّ الإبْتِلاءَ مِنَ اللهِ مَا كَانَ أبَدَاً عِقابَاً لِلْنَّاسِ، إنَّمَا لِيَكْشِفَ اللهُ مَدَى صَبْرِهِم وَتَوَكُّلِهُم عَلَيْهِ، والتَوَجُّهَ إِليْهِ في طَلَبٍ المَعُونةِ فِي الخَيْر ِوالشَرِّ، فَقَالَ الله تَعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)، وقال: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)، وَفِي آياتِهِ سُبْحانهُ حَذَّرَنا مُنْذُ البِدايَةِ مِمَّا قَدْ نَقَعُ فيمَا لا يُرْضِيهِ، بعد أَنْ عَصاهُ إبْليسُ وطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يُرْجِئَهُ، ولأَنَّ عِلْمَهُ سابِقٌ وَضَعَ الحُلُولَ سَلَفَاً، لَعَلَّى الخَلْقَ يَعتَبرُون، حَيْثُ جاء بأياته؛ (قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)، قَالَ: (فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ، إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ، قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ)، وذَكَرَ سُبْحانهُ فِي كِتابِهِ؛ (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ، قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ، لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ)، لَكِنَّ اللهَ أغْلَقَ الطُرُقَ عَلَيهِ لِمَحَبَّتِهِ لِخَلْقِهِ ولِعِلْمِهِ أنَّهُ سَيكُونُ مِنْهُمْ المُغَرَّرِين، فَعَنْ يَزِيدَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِنَّ إِبْلِيسَ قَالَ لِرَبِّهِ: بِعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ لَا أَبْرَحُ أُغْوِي ابْنَ آدَمَ مَا دَامَتِ الْأَرْوَاحُ فِيهِمْ، قَالَ لَهُ رَبُّهُ: فَبِعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا أَبْرَحُ أَغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُونِي".

إِنْ الوَضْعَ في هَذهِ الأَيامِ أَيُّها القَوْمُ! يَحتاج مِنَّا الإسْتِغْفارَ والتَّوبَةَ، فَالدَّلِيلٌ قَائِمٌ وَواضِحٌ مُعَبِّرٌ عَنْ الصِّراعِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والخَْيرِّ والشَّرِ، وأنا نَفْسِي لا أُحِبُّ أَنْ أسَمِّيهِ حَرْبً، وأُفَضِّلُ إلاَّ أَنْ أوْصِفَهُ خِداعً، فَكَلِمَةُ تَلاعُبٌ أجْدَرَ بِهِ وأَدَقُّ تَعْريفً وأَحْسَنُ تَشْهيرً واليَوْمَ والحَمْدُ للهِ، فإنَّ الأَدواتِ والوَسائِلَ مُتوَفِرَةٌ بِشَكلٍ مُبالغٍ بِهِ وَلا حَسَدً! حَتَّى أَصْبَحَ الكُلُّ شَيْءً خارِجَ المأْلُوفِ، بِسَبَبِ قِلَّةِ النَّزاهَةِ وَغِيابِ الأَمانَةِ ومَكْرِ المُخْتَصِّينِ ونَشْرِهِم المُتوَاصِلِ ضدَّ المسلمين، حتَّى أَصْبَحَ أقناعُهُم فَعَّالً وسارِيًّ كأنَّهُ الأُصُولُ.


أَحْبابي لا بُدَّ لِلَّيلِ أنْ يَنْجَلِي ولا بُدَّ لِلْقَيدِ أنْ يَنْكَسِرَ ولا بُدَّ لِلْشَمْسِ أَنْ تُضِيءَ! وَمَهْما مَرَرْنا مِنْ مُراوَغاتٍ وكَذِبٍ ودِيماغُوجْيا مِمَنْ يَحْكُمُ ويَتَسلَّطُ وبِأيِّ مَجالٍ تَكُونُ سُلْطَتَهُ، سَيأْتي حِينٌ ونَفيقُ مِنْ نَوْمِنا، وسُيُوَلَّدُ الضَغْطُ وَالإنْفِجارُ ويُبْقِيُ الحَقُّ فَيعُودُ وَيَبْزُغُ القَمَرُ وتَشْرِقُ الشَّمسُ وَنَنْتَصِرُ!

إن َّالحَقيقِةَ أَيُّها الإعِزاءُ! كَثيرٌ مِنْ الأحْوالِ تُغَيِّمُ عَلَىَ الأُمَمِ والجَماعاتِ، فَتُسَوِّءٌ عَليْهِمْ نَفْسِيَّتُهُم الا إذا تراجَعُوا وَلجَؤُوا إلى اللهِ! فَالحَلُّ الوَحيدُ المَضْمُونُ والأَكيدُ أَنْ نَعْمَلَ بالأسْبابِ إذا أصابَتْنا مُصيبَةٌ، ونَتَّكِلَ إتِّكالاً وَفِيَّاً صَادِقَاً عَلَىَ اللهِ! ولا نَكُنْ كالَّذينَ إِِذا أَصابَتْهُم سَيِّئَةٌ دَعُوا اللهَ وَلَمَّا أزاحَها عَنْهُم عادُوا إلى طُغْيانَهم! وقَالَ تعالى في كلاهِما: (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)، وقالَ أيضاً: (وَبَشِّرْ الصَّابرين الَّذين إذا أَصابَتْهُم مُصيبَةٌ قالُوا إنَّا للهِ وإنَّا إِليْهِ راجعون أُولَئِكَ عَلَيهمْ صَلَواتٌ مِنَ رَبِّهِم ورَحْمَةٌ وأُولَئِكَ هُمْ المُهْتَدُون).

وقَالَ سُبْحانهُ: (فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَىٰ أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ)، وذَكَرَ تَعالى:(فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ)، وَفِي أَيَةٍ أُخْرى: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، وقَالَ اللهُ: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ)، وأَياتٌ وأَياتٌ تَنَوَّعَتْ كَلِماتُها لَكِنَّها في نفسِ الهَدَفِ فَقَالَ اللهُ: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)، وقالَ تَعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ، يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ)، وقَالَ اللهُ في أيَةٍ شامِلَةِ وَوَعِظَةٍ ونهِائِيَّةٍ: (وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ).

وفَّقَنا اللهُ إخوتي! فأنا شَخْصِياً أعْتَبرُ المَرَضَ والوَباءَ رَمْزاً بِأَنَّ اللهَ ما زال يُحِبُّنا حَتَّى ولَوْ كانتْ الضَّحايةُ كَثيرَةً ومُؤْلِمَةً، فَيأمَلُ اللهُ أَنْ نتوبَ إِليْهِ ونَكُونَ منَ الصَّابرين، فإذا أصابَنا مَكْرُوهُ نَكُونُ على إسْتعدادٍ لمُلاقاتِهِ ونأتِيُهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ يَوْمَ لا يَنْفعُ لا مالٌ ولا بَنٌونٌ! والمَطْلوبُ السَّلامُ عَليكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ أَنْ نَشْكُرُهُ ونَحْمدُهُ بالشَّرِ كَما بالخَيرِ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شيءً وهُوَ خَيْرٌ والعَكْسُ تَمامَاً، فَلْيَكُنْ الخَيْرُ والتفاؤلُ أَمَلِنا بإتِّكالنا على اللهِ ولا نَكُنْ مَنْ المُنافِقين الجاحِدين بِنِعَمِ اللهِ!